جديد

رواية لخبايا القلوب حكايا الفصل السابع عشر للكاتبة رحمة سيد

رواية لخبايا القلوب حكايا 

 قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

 الفصل السابـع عشر :-

المفاجأة المدسوسة بالخوف سلبت الصرخة من أعماق جوف "كارما"، قبل أن تجبرها على التجمد أمامها، لا تعطي رد فعل اخر، فقط تحدق بعينيه اللتان كانتا ترمقاها بذهول..

بينما "عيسى" كان منحني عليها دون أن يمس جسدها، ويده ممسكة بيدها التي تقبض على السكين، همس اخيرًا بحروف متلكأة مدهوشة من هجومها:
-كارما!

قرأت بين سطور عيناه ما لم يبح به لسانه، فكان ذلك كالتميمة التي أنتشلتها وفكت تعويذة الصدمة، فدفعته بعنف بعيدًا عنها وهي تصيح فيه بشراسة:
-اوعى سيبني.

تركها بالفعل، ولكن عيناه لم تترك ملاحقة السكين التي لم تفلتها من يدها، هتف وكلماته تقطر تعجب:
-أنتي بتهدديني بسكينة فعلًا؟
ابتسامة شاحبة مزعت عبوس شفتيها وهي تخبره متهكمة:
-لا ابدًا، ده دفاع عن النفس ضد أي حد غريب يفكر إنه يقتحم البيت من غير ما أحس.
كان أكثر أفعاله حماقة حين ردد باستنكار تلقائي لم يستأذنه:
-حد غريب! بسرعة كده بقيت غريب؟!
عقدت ما بين حاجبيها، ثم نظرت لأصابعها تتظاهر بالعد عليها وهي تتابع:
-استنى كده، امممم 15 يوم، تصدق فعلًا بسرعة، ياااه قد إيه أنا غدارة.

 

 

 

رفعت عيناها له فكانت مُخضبة بالغضب والنفور، تروي له شناعة فعلته لتُريه جانبه المظلم من منظارها هي:
-أنا خليتك نايم وأخدت اللي تملكه وسبتلك ورقة إننا هنتطلق وهربت ومسألتش فيك ولا اهتميت باللي هيحصل او الناس هتفكر فـ إيه او أنت هتعمل إيه وأنت عايش لوحدك.

كانت شفتاه مزمومة، والاجابة منقبضة بينهما، تحاول الفرار ولكنه يُحكم قبضته عليها، ثم خرج صوته به بحة متحشرجة تشرح خنقته:
-أنتي مش فاهمة حاجة.

هزت رأسها في استهانة واضحة وهي تتشدق:
-أنا مكنتش فاهمة فعلًا، بس فهمت، فهمت إنك متستاهلش أي حاجة حلوة في الدنيا دي، فهمت إني كنت صح لما كنت ببعد عنك.

هدر فيها بحدة، لم يعد يحتمل عبء الاتهامات الثقيل الذي يحمله على كاهله:
-أنا مش خاين ومش غدار ومش حرامي، ده كان غصب عني.

ضحكت، ضحكت بصوتٍ مسموع ملئ شدقيها وراحت تضرب كفًا على كفٍ مرددة:
-أنت بجد؟! ملاقيتش أي سبب في الدنيا غير ده، غصب عنك! هو إيه اللي غصب عنك بالظبط؟

وفر التراخي من حروفها الساخرة، ليحل محله حدة كطرف السيف وهي تواصل بصوت أجش:
-غصب عنك إنك نصبت عليا وأخدت اللي أملكه، ولا غصب عنك إنك خلتني أفقد الثقة في اللي حواليا، ولا غصب عنك إنك صدمتني، ولا غصب عنك إنك خلتني عايشة في رعب وخوف، غصب عنك إيه بالظبط؟

ملامحه في تلك اللحظات كانت مرآة عكست انقباض صدره الذي اختلجت المشاعر به ما بين غضب من نفسه وألم فاتك، وهو يدرك في أي حفرة تركها عالقة!

اقترب منها خطوتان، وأردف بنبرة نالت نصيب العالم أجمع من الأسف:
-كل حاجة إتسببت فيها كانت غصب عني، أنا اتجبرت أعمل كده، اوعي تفتكري إني كنت مرتاح او مبسوط ولو لحظة واحدة.

 

 

 

 

للحظات استطاع رؤية هيكل الغضب يهتز داخل عينيها بفعل كلماته التي كانت مغموسة بصدق قلبه، ولكنها أعادت تثبيته حين استطردت بجمود:
-المفروض أصدق بقا على طول؟ اطلع برا.

-كارما.
تمتم بأسمها راجيًا، فصرخت فيه بعصبية بدأت تتقافز لسطح كلماتها:
-قولتلك أطلع برا مش عايزه أشوف وشك قدامي.

حين أدرك جزئيًا أنه سيفقدها -فعليًا- اضطر لسحبها معه لعمق بحر أسراره، متمنيًا ألا تغرق فيه، حين اكمل مستسلمًا:
-اسمعيني هحكيلك كل حاجة وهتفهميني أكيد.

للحظات لم تبدِ رد فعل، ثم عقدت ذراعيها متمتمة بقنوط:
-سمعاك.

تنحنح قبل أن يبدأ بقص كل ما حدث عليها، ويعود بذاكرته لذلك اليوم...

فتح باب الشقة متأففًا بعد طرقات مُصرة عليه، ليجد امامه اخر شخص توقع رؤيته، حيث لم يكن سوى "إيهاب" من اكبر تجار الاثار الذين كان يعمل معهم هو وجاد، لم يخفي ربكته اللحظية وهو يسأله:
-في إيه! جاي هنا ليه ؟


قال الاخر بنبرة باردة تجانست مع ابتسامته المقيتة :
-قولت بلاش أتعبك وجيتلك بنفسي، ولسه هنتقابل كتير، أنا اجيلك مرة وأنت تجيلي مرة.

اشتدت لهجة عيسى وهو يسأله مستنكرًا:
-نتقابل كتير ليه؟ إيه اللي يخلينا نتقابل؟!
إتسعت تلك الابتسامة وأشار بيده وهو يضيف:
-كتير، خصوصًا بعد اللي حصل، ده أنت لما تعرف اللي هقوله، أنت اللي هتيجي ورايا من هنا لهنا.

استفزت عيسى تلك النبرة الواثقة، المتشفية التي يعلمها جيدًا، فاسترسل بأعصابٍ مشدودة وهو يكز على أسنانه:
-ياريت تقصر يا إيهاب وتقول جاي ليه في نص الليل؟!

تنهد المدعو "إيهاب" قبل أن يطرح سؤال خبيث شيطاني كان كثعبان يلتف حول عنق عيسى:
-الا قولي يا عيسى، هو فين سلاح الجريمة، اللي اتقتل بيه جاد؟
لوى عيسى شفتاه في شبه ابتسامة سمجة وهو يرد:
-روح اسأل البوليس وهو يقولك.

تأتأ في استنكار بارد حارق لأعصاب الاخر الذي كان يقف على صفيح ساخن:
-لا كده هبتدي أشك في ذكائك الشديد يا عيسى.

نظر في عمق عينيه وتابع بنبرة صلدة:
-السلاح معايا.
هز عيسى كتفاه بلامبالاة:
-مايخصنيش، روح سلمه للبوليس.
حك إيهاب ذقنه وهو يهز رأسه كعلامة على التفكير الوهمي، ثم قال بمكر:
-بس اعتقد ده مش هيكون رأيك لما تعرف إن السلاح ده، او بمعنى اوضح المطوة دي عليها بصماتك.
ثم ضحك بذات السماجة وتابع:
-ما هي بتاعتك اصلًا، طبيعي يبقى عليها بصماتك امال هيبقى عليها بصماتي أنا مثلًا ؟!

اخترق الادراك عقل عيسى كرصاصة غادرة أصابته في مقتل، فها هو سيف جديد باتر يُوضع على رقبته، وطرفه في يد أشر البشر حقدًا وخباثة..!

ثم سرعان ما إنقشعت قشور الصدمة وهب كالليث يمسكه من ملابسه بعنف وهو يزئر بوجهه:
-يا بن ال**** عملت كده ليه عايز مني إيه؟

أبعد يداه عنه ببرود، وهز رأسه نافيًا، بهدوء كان كزيت يُسكب على أعصاب عيسى التي صارت كالنيران:
-لا لا، عيب كده يا عيسى، إنفعالك ده مش في مصلحتك ابدًا، لازم تهدى وتسمعني كويس، عشان مازعلش وأنت عارف إن زعلي وحش.

 

 

 

تقهقر غضب عيسى رغمًا عنه، وراح يستفسر بنبرة غليظة:
-اخلص، عايز إيه؟
هز كتفاه ببساطة قاتلة:
-حاجة بسيطة جدًا المفروض أنت كنت نفذتها من بدري، الأرض بتاعت مراتك عشان الاثار اللي فيها كتير و تخصني، والبيت عشان ماتشكش ويبان إنه مجرد عملية نصب.

سأله عيسى بأنفاس عالية تهب كرياح غاضبة عاتية:
-قتلته ليه؟
اجابته كانت منغلقة كملامح وجهه الجامدة يخالطها نفس البرود:
-ماتسألش اسئلة ماتخصكش وأعمل اللي بيتقالك بس، عشان تريح وتستريح.
ثم أشار بإصبعيه مواصلًا بصوت ثلجي:
-مستني منك خبر بأسرع وقت، سلام.

وبالفعل غادر "إيهاب" تحت نظرات "عيسى" الحارقة التي ودت لو تحرق الأخضر واليابس..
...................................................

عاد "عيسى" لواقعه، بعدما قص كل ما حدث على مسامع "كارما" التي لم تعطي رد فعل حتى الان، وكأنها تدرس خطة دفاعية في عقلها لا تجعلها تخسر حربها معه من جديد!

ثم سألته بكلمات مقتضبة غير مفسر محوى مشاعرها:
-يعني مقالكش حاجة على الطلاق؟ إيه اللي غصبك بقا؟

تنهد عيسى بعمق، قبل أن يخبرها بنبرة شغوفة يبثها الصدق الذي يغلف قلبه:
-خوفت عليكي، خوفت عليكي أكتر من أي حاجة في حياتي يا كارما، أنا طبعًا مش هديهم اي حاجة ولازم اتصرف واخد المطوة بتاعتي، وماقدرش أخاطر بوجودك جمبي وأنا فجأة لاقيتني في حوارات كتير اول مرة تحصلي، ومتدبس في جريمة قتل، وبتعامل مع شياطين ماقدرش أتوقع ممكن يعملوا إيه.

عكست ملامحها اختلاج مشاعرها المبعثرة أطرافها، طرف يجذبها نحو تصديقه، وطرف يحذرها من تكرار نفس الخطأ، وما بين ذلك وذاك تكاد تُمزق!

ثم خرج صوتها مرتعشًا أخبره أنها على حافة البكاء:
-يعني لما تبقى معايا مش هكون في أمان، ولما تبعد عني كده هكون في أمان؟!
هز رأسه مغمغمًا بقلة حيلة:
-ده اللي فكرت فيه، عشان مياخدوكيش نقطة ضعف ليا.
ترقرقت الدموع بعينيها، وأضافت بقلبٍ مفطور:
-وهو أنا امتى كنت نقطة ضعف ليك اصلًا؟

أدرك من سؤالها أنها تظن أنها لا تملك مستقرًا لها بين جنبات قلبه، فقط لأنه لم يصرح بذلك!

فاقترب منها أكثر، وأكد بصوت بُح من غزارة ما به من مشاعر:
-من بدري، من ساعة ما اتجوزتك وأنتي بقيتي نقطة ضعف ليا.

لم يُفرحها ذلك الاعتراف، وظنت أن ذلك فقط لأنها صارت زوجته، وهمت 

 

 

 

بالاعتراض لولا أن وضع إصبعيه على شفتيها قاتلًا ذلك الاعتراض في مهده، وأضاف:
-أنا اللي شوفت بنات ياما، مفيش واحدة فيهم عرفت توقعني غيرك يا كرملة، ملكتيني وخلتيني مش شايف غيرك، فجأة لاقيت إنك بتوحشيني، وإني ممكن أقتل أي راجل يقرب منك، ولما بعدت عنك الاسبوعين دول فهمت إني مش هقدر أعيش بعيد عنك مهما حاولت، وحشني الدبش بتاعك وحتى خناقنا وحشني وكل حاجة فيكي وحشتني.

رفع أصابعه يتحسس عيناها المُلبدة بالدموع والتي أغلقتها مستسلمة لاعترافه الذي ينساب لدواخلها فيُصيبها بخدر عاطفي، واكمل:
-وحشتني اللمعة اللي بشوفها في عنيكي دايمًا وأنتي بتبصيلي، وكنت مفكر إن ده عادي وإني متعود على كده من البنات بما إني وسيم يعني! بس لا، النظرة دي وقعتني على جدور رقبتي.

وهبط ببطء مثير لملامحها، هامسًا بنبرة تفيض شغفًا:
-وحشتني ملامحك اللي عشقتها من غير ما أحس.

واخيرًا وصلت أصابعه بنفس البطء لملاذه وأكثر ما يحب... شفتاها.. فشعر بالرعشة التي ضربتها، وهنا ابتلع ريقه متمتمًا بصوت مبحوح:
-وحشوني دول، اللي لما بلمسهم بحس كأني لامس جزء من الجنة اللي ربنا حَللها ليا أنا بس.

ثم رفع نظراته لعينيها التي يعشق، وأكد بخشونة مفعمة بالعاطفة:
-بحب كل حاجة فيكي، بحبك بجنون يا كرملة.

أسبلت أهدابها بوهن هامسة وكأن الكلمات تنساب من لسانها دون ارادتها:
-وأنا بعشقك من زمان، مهما خوفي أجبرني أحاول ابعد عنك بس ماقدرتش ومش عارفة ولا قادرة أبعد.

لم يكن يملك القدرة على الانتظار اكثر دون أن يقتطف ذلك الاعتراف اللاهب من ثغرها الوردي، متلذذًا بمذاقه الذي يجعله تائه.. عطش يدور في مدارها المُهلك دون أن يجد ما يرويه.

وهي كانت متشبثة بملابسه وكأنها ستسقط إن تركته، تشعر بقدميها كالهلام، تستقبل عواطفه المكبوتة برحابة صدر، بل وتبادله إياها بأشد حرارة منها...

ابتعد عنها قليلًا ليلتقطا أنفاسهما، ثم همس:
-كارما.. أنا مش هقدر أبعد، أنا عايزك.

هزت رأسها دون وعي ولم تنبس ببنت شفه، وكأنها تخبره بصمت ألا يبتعد، فقد سئمت البُعد، ليلصقها به من جديد، وشفتاه تلاقي شفتاها، يغرق بها وفيها.. يمتلكها كما امتلكته دون عناء!

****

في الشركة...

كان "فارس" جالس على كرسيه أمام مكتبه، وذهنه مشغول كليًا بالعمل، حين انتبه لطرقات خفيفة على الباب، يتبعها دخول شخص لم يكن يتوقع مجيئه ألا وهي "نغم" طليقته.

نهض من مجلسه يسألها بنبرة أجشة:
-خير إيه اللي جابك هنا؟
أجابته بهدوء وبراءة خادعة قاطبة جبينها:
-جيت عشان أشوفك يا فارس.
-وتشوفيني ليه؟ بيني وبينك إيه عشان تشوفيني!
رددها باستنكار تجلى بين حروفه، فاقتربت منه اكثر، وصارت نغمة صوتها شبه متوسلة كالقطط تكاد تتمسح به:
-ما أنت مش بترد عليا خالص، مع إني أخر مرة أعتذرتلك على الموقف الغير مقصود اللي حصل مني، ومارضتش أجيلك في وقتها قولت أسيبلك وقت عشان زعلك يهدى.

ابتسامة ساخرة أعلنت وجودها على ثغره تضامنًا مع قوله الذي يتشعبه التهكم الصريح:
-أنتي مفكراني مضايق ومش عايز أشوفك عشان خلتيني أتجوز فيروز؟

 

 

 

 

اومأت مؤكدة برأسها دون تردد:
-أنا عارفة إنك آآ....

قاطعها فارس بصلابة كسيف قاطع لخيط أفكارها الرديئة:
-أنتي مش عارفة حاجة، جوازي من فيروز كان الحسنة الوحيدة اللي إتسببتي فيها في حياتي.

تجمدت مكانها اثر اعترافه غير المتوقع نهائيًا، وعيناها تقطر ذهولًا وخوف، فقوله كان كوحش لطالما خافت خروجه للعلن!

غمغمت بكلمات متقطعة، بعدما أجهض كل ما كانت تخطط لقوله:
-فارس أنت... آآ أنا عايزه أقولك إني آآ.... إني لسه بحبك، رغم كل حاجة ماقدرتش أنساك، لسه عايزه أكمل حياتي معاك.

لوى شفتاه متمتمًا بفظاظة ألبسته إياها مرارة الحقيقة:
-أنتي عمرك ما حبتيني، أنتي حبيتي فلوسي والعيشة المُرفهه اللي كنت معيشهالك.

هزت رأسها نافية بسرعة:
-لأ صدقني، أنا حبيتك أنت وحبيت شخصيتك ورجولتك وشهامتك، أنا يمكن ارتكبت غلطة لما عاقبتك على حاجة مش بإيدك، لكن صدقني آآ...

قاطعها بحدة بها لمحة ألم برزت حين ضغطت هي على جرحه الذي لن يلتئم:
-دي كانت نعمة من ربنا عليا مش عقاب ابدًا، ربنا بيحبني عشان كشفلي إن مش أنتي الشخصية اللي أكمل معاها حياتي وتبقى أم ولادي أصلًا.

ابتلعت ريقها محاولة تجاهل تلك الطعنة التي أصابت كبريائها في الصميم، ستُعيده لها وبعدها تتحاسب معه على ما تفوه به من حماقات!
-صدقني يا فارس أنا دلوقتي بعد ما البُعد عرفني قيمتك، اكتشفت إن أنت أهم عندي من الخلفة، وعادي هنروح لدكتور واتنين وعشرة تاني وأكيد ربنا هيكرمنا.

اقتربت منه اكثر حتى صارت أمامه مباشرةً لا يفصلهما سوى سنتيمتر واحد، وأحاطت وجهه بيديها معًا تهمس متوسلة:
-ماتعاقبنيش وتحرمني منك أكتر من كده.

لم تجد منه رد فعل بالرفض، فتشجعت أكثر لترفع نفسها بخفة، وتطبع قبلة على شفتيه، علها تلين حجر القسوة القابع على قلبه!

وبلحظة فُتح الباب، وإندفعت فيروز بعينين مهتاجتين ونبرة توازي اهتياجهما كانت تصيح فيها:
-أنتي إتجننتي؟ ازاي تعملي كده!!

رمقتها نغم بنظرات مزدردة وتمتمت بكِبر:
-أنتي مين أصلًا عشان تحاسبيني؟

تحركت فيروز بعقلٍ شبه ملغي، تقودها تلك الغيرة المجنونة التي إشتعلت بضراوة داخلها فجعلتها كنمرة شرسة يصعب ترويضها!
ووقفت جوار فارس تلصق نفسها به عمدًا، وكفها متشابك بكفه وهي تجيب بثبات وتحدٍ:
-أنا مراته، مراته والانسانة الوحيدة اللي يحق لها تقرب منه كده.

استهانت نغم بما تقول بضحكة ساخرة ملتوية:
-هو عشان اضطر يتجوزك فكرتي نفسك مراته بجد.

حينها تدخل فارس الذي كان صامت تمامًا، تاركًا الساحة لنمرته الشرسة لتنتصر هي في بداية تلك المعركة، شاكرًا نغم داخله لأنها أججت الغيرة التي كانت تواريها فيروز خلف ثباتها الظاهري وتنكرها.
وقال بنبرة صلدة بعدما أحاط فيروز بذراعه بتملك:
-متهيألي مفيش جواز بجد وجواز كده وكده، وأنا ماضطرتش اتجوزها، أنتي عارفة لو حاجة أنا مش عاوزها محدش يقدر يجبرني عليها.

تحرقت نغم وتغضنت ملامحها بفعل كلماته التي كانت كمياه نار سُكبت في جوفها دون رحمة، فتابع فارس ببرود:
-ووجودك مش مُرحب بيه خالص لا دلوقتي ولا بعدين، فياريت تتفضلي احسن ما كرامتك تتهان أكتر من كده.

زمجرت نغم بغضب وهي تقبض على حقيبتها استعدادًا للمغادرة:
-أنت مفكر إنها لما تعرف اللي أنت مخبيه عنها هتفضل مكملة معاك؟ تبقى بتحلم.


ثم غادرت صافعة الباب خلفها بعدما ألقت قنبلتها الموقوتة، تاركة فيروز تحاول تحليل كلماته المتفجرة دون فهم!

تنحنحت فيروز وهي تهم بالابتعاد عن فارس الذي كان يحكم قبضته حولها غير سامح لها بالابتعاد، فرفعت عيناها له متذمرة:
-إيه؟
هز رأسه بعدم فهم مصطنع:
-إيه أنتي؟ في حاجة؟
هتفت بحنق طفيف بزغ في حروفها:
-سيبني.
هز رأسه نافيًا، ثم اردف بعبث:
-لا أنا مرتاح كده، وبعدين دلوقتي سيبني! ما من دقيقتين بس لزقتي نفسك فيا بغرا، وكنتي بتتحرشي بيا علنًا.
إتسعت حدقتاها نافية بسرعة، بكبرياء وثبات ظاهري:
-أنا ! لا طبعًا، ده عشان كرامتي ماتسمحليش أشوف المهزلة اللي هي عملتها وأنت سبتها دي وأسكت!
هز رأسه يُسايرها كأنها مجرد طفلة تهذي:
-كرامتك.. طبعًا طبعًا، يعني مش عشان كنتي غيرانة مثلًا؟
هزت رأسها نافية بشدة وقد لها ذلك الغضب الأهوج من جديد:
-غيرانة! لا طبعًا أنا هغير من السحلية دي؟ أنت بس اللي مفكر كل البنات هتموت عليك، وسايب السحلية دي تقرب من كده عادي.
اقترب منها فبدأت هي تعود للخلف، بينما هو يستطرد متيقنًا:
-خالص، أنا سبتها عشان كنت شايفك وأنتي داخله، وكان لازم اطلع اللي أنتي بتحاولي تنكريه، ده أنتي تكة كمان وودانك كانت هتطلع نار.
نفت معترضة:
-محصلش.
فأكد بإصرار ولازال يقترب منها أكثر وهي تتراجع:
-حصل.
أصرت:
-محصلش.
وأصر هو الاخر وقد ضاق حصاره المُربك لها حين اصطدمت بالباب من خلفها:
-حصل.
-محصلش، وأبعد انت بتقرب كده ليه!
غمغمت بها وقد بدأ التوتر يتسلل لها ببطء، فيما تشدق فارس باستمتاع بارتباكها الذي بدأ يطفو على السطح:
-ولو مابعدتش؟
رددت مسرعة بتهور:
-لو مابعدتش صدقني هزعق وهيجوا يشوفونا وشكلك هيبقى وحش.
اقترب منها اكثر يتحداها، وقال بلهجة حملت قدرًا ملحوظًا من المكر والشقاوة الصبيانية:
-طب زعقي كده عشان أسكتك بطريقتي، ارجوكي زعقي.
زمت فيروز شفتاها بحنق صامتة وقد بدأت وجنتاها تتدرج لحمرة الخجل، فأضاف فارس:
-ما تزعقي سكتي ليه؟ زعقي يلا؟
هدرت بعصبية لم تستفز فارس بل استلذها:
-مش عايزه الله! حتى الزعيق هتخليني ازعق غصب عني.
ابتسم ابتسامة مستذئبة فضحت نواياه الماجنة، وبلحظة كانت شفتاه على عتبة شفتاها تهدد بغزوها:
-عمومًا دي كانت حجة عشان أبوسك، وكنت بخيرك عشان أنا ديموقراطي بس، لكن كده كده هبوسك سواء زعقتي او مازعقتيش.

ودون أن يمهلها فرصة الاعتراض، كانت شفتاه تفعل ما كانت تخشاه وتعتصر شفتاها المكتنزة يكاد يُذيبها من حرارة العاطفة التي غمرته وفاضت كالطوفان تغرقها معها...

وبعدها ابتعد، هامسًا بصوت متهدج يستغل حالة التيه التي تعتريها اثر قبلته:
-كنتي غيرانة صح؟
هزت راسها مؤيدة دون وعي فاتسعت ابتسامته بصمت لتتدراك نفسها وتدفعه بعيدًا عنها وهي تصيح:
-على فكرة دي قلة ادب.
 

 

اومأ مؤكدًا بجرأة لم تكن تظن أنه يمتلكها:
-اه منا عارف منا بموت في قلة الأدب.

إتسعت عيناها ذهولًا، تشعر بوجنتيها تكاد تحترق من فرط ما تشعر به من خجل ومشاعر لم تعد لها قدرة على كتمها أكثر، ثم فتحت الباب مسرعة لتغادر من أمامه، متخبطة في مشاعرها.. تخشى وبشدة القادم، فهو ما أن يعلم بالحقيقة التي تخفيها، سيبتعد عنها بالتأكيد !

*****

وجدت أمامها نغم التي تفاجأت بها أنها لم تغادر بعد، همت فيروز بمهاجمتها وكأن مجرد رؤيتها تجعل الشياطين تتقافز مغادرة قاعها، ولكن نغم أمسكت ذراعها وهي تقول بجمود:
-تعالي عاوزه أتكلم معاكي.

أبعدت فيروز ذراعها عنها نافرة وهي تجيب دون تردد:
-مفيش كلام ممكن يتقال بيني وبينك.

أخذت نغم نفسًا عميقًا قبل أن تهتف بنفس الجمود البارد:
-طب اسمعيني كويس، لو كنتي مفكرة فارس إتجوزك، وعمل الشويتين اللي جوا دول عشان سواد عيونك تبقي غلطانة.

رفعت فيروز حاجبها الأيسر ساخرة، ومستنكرة بشدة محاولاتها التي لم تنقطع رغم ما حدث..

ولكن نغم تابعت بما زلزلها فعليًا:
-فارس ما صدق اتجوزك وبيقرب منك وبيعمل كل ده عشان هو بيتعالج حاليًا عشان يقدر يخلف لأنه عنده مشاكل، وأنتي الوسيلة لده مش اكتر.

****

رابط البارت الثامن عشر

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-