سكريبت غربة الفتاة (كامل) بقلم احمد محمود
طول عمري مبهورة بالمعلمات بتوعي وكنت بحلم باليوم اللي هكون فيه مُعلمة زيهم ويبقا ليا بنات صغيرين كتير أعلمهم وأدرسلهم المناهج التعليمية، لدرجة إني دايمًا كنت بكتب على الكشكول بتاعي دايمًا (أبلة فاطمة) ولما كنت في إعدادي كنت بجيب بنات العيلة الصغيرين وأمسك عصاية صغيرة وأجيب سبورة وأفضل أكتب وأشرحلهم الحروف والأرقام استعدادًا عشان أكون في المستقبل مُعلمة شاطرة جدًا ومفيش منها اتنين زي ما بيقولوا..
ودخلت الثانوية العامة وبعد حرق أعصاب وتعب وبكاء وتوتر كبير لقيت نفسي جايبة مجموع كلية (التربية) الكلية اللي كانت حلمي من الصغر ومنتظرة اليوم اللي هدخلها فيه، ولما قدمت الرغبات اتفاجئت إن جتلي كلية التربية لكن الجامعة كانت في محافظة تانية، وكانت المفاجأة إن الجامعة في المحافظة بتاعتي مفيش فيها كلية تربية..
كان كابوس اكتمل لما لقيت والدي معترض على فكرة السفر والإقامة في المدينة الجامعية زي البنات، وشايف إن البنت مهما كانت محترمة وعارفة دينها كويس إلا إنها ضعيفة وممكن تقع في مشاكل كتير لو كانت لوحدها، وفضلت أيام أبكي وأنا قافلة على نفسي الأوضة..
أبويا بيحاول يهون عليا وبيقنعني بكلية تانية تكون في نفس المحافظة، لكن مكنتش عايزة غير كلية التربية وبس، وبعد معاناة وتدخل القرايب عرفت إن واحدة من بلدنا أعرفها هتدخل كلية التربية في نفس المحافظة اللي جتلي، ووالدها اتكلم مع والدي وكانت طوق النجاة اللي خلى والدي يوافق في النهاية..
بنت محترمة جدًا، مشهورة بالأخلاق، وهتكون معايا خطوة بخطوة وفي نفس السكن كمان بتاع المدينة الجامعية، يعني أمان كامل، وقدمنا في الكلية وقدمنا طلب نكون في نفس الشقة واتوافق عليه وجالنا كمان بنتين وبدأت الدراسة..
ودخلت الكلية، العالم اللي غصب عنك بتنبهر بيه من أول ما تدخله، عالم مختلف تمامًا عن المدرسة وصوت الجرس بتاعها وعصاية الأستاذ، عالم فيه حرية، ثقافة، اختلاف ثقافات بين الطلبة، كل واحد فيهم جاي من مكان مختلف وأنت مطالب تتقبل كل دول..
وعشان فعلًا المغريات كتير قدام عينك كنت أنا وأميرة مع بعض في كل لحظة، المحاضرات، الكلية، السكن، حتى الأوضة اللي كنت فيها كان شِرك بيني وبينها، وكنت بتشارك معاها الأكل والشُرب ونحاول ندبر نفسنا لأن المصاريف كانت على الأد بالظبط، بتكفينا كتب وسفر ومصاريف الكلية، وكنا بناخد أكل من البيت نطبخه في السكن وكان بيكفينا أسبوعين عشان نوفر، لأننا مكنش بيتبقا معانا جنيه زياردة لأي رفاهية..
ورغم كدا كانت حياة مثالية بالنسبالي، مذاكرة ودراسة ونوم وبحاول مركزش مع أي حاجة تانية، لكن مع الوقت بدأت أميرة تتغير، بقت بتحب تقعد مع نفسها كتير وبقت سرحانة أغلب الوقت، ولما كنت بحاول أطمن عليها كانت دايمًا بتقول إنها كويسة وبس..
قولت يمكن تعبانة أو حاجة مضايقاها واحترمت صمتها، لكن اللي فاجئني وزعلني في نفس الوقت إنها بقت بتقعد في شقة البنات اللي جمبنا وقت طويل، وللأسف كانوا مختلفين عننا في الطبع والشكل وكل حاجة، وكانت تضحك وتتكلم معاهم لدرجة إن صوت ضحكها كان بيوصلني في المكان اللي أنا فيه..
حاولت أقرب منها وأفهم هي ليه بتتجاهلني لكن موصلتش لأي حاجة، وحفاظًا على كرامتي قررت أسكت وأخليني مع نفسي، وللأسف مكنتش أعرف إن الموضوع هيكون صعب أوي كدا ومُتعب، إنك تحس إنك غريب والكل بيتجاهل وجودك وإنك لوحدك، وتحديدًا لو كنتي بنت ومحتاجة لونس حوليكي..
لحد ما بدأت أفهم سبب التغير لما بقت تسهر تتكلم طول الليل وبقت مبتسمة أغلب الوقت، عرفت إنها اتعرفت على شاب في الكلية ووقعت في علاقة عاطفية، حاجة في بلدنا تعتبر جريمة كبيرة وأحنا كبنات كنا استحالة نفكر في حاجة زي دي..
وقتها كان لازم أواجهها، أنصحها، لكنها مسمعتش لكلامي إطلاقًا وتجاهلته كأني بكلم نفسي، ومع الوقت بقت بتسيب المحاضرات وألاقيها قاعدة معاه في الكافتيريا، مرة بتاكل، مرة بتشرب، مرة بتتمشى معاه..
حاولت أنصحها مرة تانية مفيش، لدرجة إني فكرت أخوفها وقولتلها إني هقول لمُشرفة الدور، وقتها ولأول مرة اتفاجئ إن اللي معايا مش اللي عرفتها طول السنين دي وإنما واحدة تانية، قالتلي إني لو قولت هتروح تقول لأبويا في البلد إني مصاحبة شاب وهتقعنه وهيصدق..
عرفت واتأكدت وقتها إنها اتغيرت وبقت وحشة وممكن تعمل فيا أي حاجة، طلبت اتنقل من الأوضة معرفتش، وبقا كل واحد فينا عايش في وادي، هي اتغيرت في أسلوبها وكلامها وكل حاجة، وأنا بقيت بعاني عشان أحافظ على نفسي، عرفت إن صاحبها بيعزمها يوميًا، خروجات وأكل وشرب، فسح، لدرجة إنها عرضت عليا في مرة أخرج معاهم على حسابه وأكيد هلاقي حد يصاحبني وأعيش حياتي، كانت بتتكلم كأن الموضوع عادي..
ولوهلة حسيت إني ممكن أعمل كدا فعلًا، أعيش حياتي، لكني رفضت في اللحظة الأخيرة وفضلت زي مانا مش عايزة أتغير، لحد ما نزلت أجازة في مرة بسبب تعب أبويا ورجعت تاني يوم، واتفاجئت إن السكن كله مقلوب، المشرفات موجودين وعميد الكلية والأمن وكأن فيه جريمة حصلت في المكان..
صُدمت لما عرفت إن صاحب (أميرة) كان في الأوضة معاها، وفيه تحقيق كبير عشان يعرفوا مين الشاب اللي هرب ده وازاي دخل سكن البنات، التهمة كانت لابسة أميرة تمامًا وكانوا بيتواصلوا مع أهلها عشان يبلغوهم بالموضوع ده، لكن في اللحظة الأخيرة استدعوني وسألوني..
واتفاجئت إن الشاب اللي كانت بتخرج معاه بعت رسايل للمشرفات وقالهم إنه بيعتذر وإن أنا اللي خليته يعمل كدا وفضلت ألح عليه، أيوة قال أنا مش أميرة، إحساسي وقتها خلاني أدعي ربنا أموت، أختفي، ميبقاش ليا وجود..
اتهام الشرف هو أسوأ اتهام ممكن يحصل في الدنيا، قولت ودافعت عن نفسي، وفوجئت إن أميرة بتشهد عليا، وبقت كلمتي قدام كلمتها، ولما انتظرت كلام البنات، كل اللي في الشقة اللي جمبي قالوا إنه كان جايلي أنا مش هي..
ولقيت كل الاتهام ناحيتي أنا، وقتها جالي انهيار عصبي، حسيت بشكة في قلبي وأعراض غريبة، لدرجة إن جسمي بقا بيترعش بصورة صعبة وفضلت أتشاهد كتير أوي، لحد ما نقلوني المستشفى الجامعي وقالوا إنهم هيأجلوا التحقيق لحد ما أفوق، ولو ثبت عليا الكلام والدي هيجي مخصوص يستلمني ويعرف كل حاجة، أبويا اللي أصلًا تعبان ولو عرف حاجة زي دي ممكن يموت فيها..
وفي المستشفى قضيت أيام كلها عذاب في عذاب، بكاء مرير، كنت بسجد لله بالنص ساعة أبكي وادعي إنه يخرجني من اللي أنا فيه، أنا حافظت على نفسي، حافظت على شرفي وكنت ماشية كويس، وعندي يقين إن ربنا هينجيني منها، دعيت أسبوع كامل وبكيت لحد ما عنيا جالها جفاف..
ولما اتعافيت نوعًا ما عرفت إنهم بلغوا والدي بالموضوع وإن أميرة نشرت الخبر بوسيلة ما في البلد، عشان تثبت عليا التهمة، عشان تشوه سمعتي للأبد، وأبويا نفسه جتله جلطة وكان هيموت لما عرف، كل ده خلى حالتي تنهار مرة تانية، واتنقلت للرعاية وحالتي وصلت للموت فعلًا..
وأنا في الرعاية شوفت حلم غريب أوي، شوفت إن فيه واحدة واقفة قدام سريري وقربت من ودني وقالت:[أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ]، وبعد الإجابة افتكري إنك ضعيفة..
ولقيت نفسي بردد الآية كتير أوي، آلاف المرات [أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ]..
لحد ما بنت من بنات الشقة اللي جمبي جت المستشفى وشافتني بموت، متحملتش تشيل ذنب موتي وراحت بلغت إنها كذبت وكل البنات كذبوا لصالح أميرة، وخلوا العميد يشوف صور لأميرة مع صاحبها ده وبلغوا عن هويته واستدعوه واعترف إنه كان جاي لأميرة مش ليا..
ولما فوقف لقيت إني بريئة براءة تامة، رجعت أجري على أبويا وبكيت في حضنه يوم كامل، معملش أي حاجة ولا ضربني ولا حتى قالي كلمة، بس عتاب نظراته كان كفيل يقهرني، انتشر الخبر والناس عرفت إني بريئة وعدى الموضوع..
ربنا نجاني لكن فضلت جوايا قهرة سنين طويلة مقدرتش أتخلص منها، اعتزلت الكلية كلها وقدمت في كلية آداب في الجامعة القريبة مننا بحيث أروح وأرجع كل يوم على بيتي، وربنا أكرمني وحققت حلمي وبقيت بعلم البنات الدين والأخلاق والشرف في ابتدائي..
التجربة دي بحكيها كتير أوي، مش عشان أقول إن غربة البنت غلط وأذم فيها، بل عشان أوضح إن البنت في الأصل ضعيفة، ودي نقطة قوة ونقطة ضعف في نفس الوقت، وإن شرفها أغلى من الحياة والتعليم وكل حاجة في الدنيا، ولو غربتها ممكن تأذيها ولو أذى بسيط يبقا ترك الموضوع كله أولى حتى لو كان حلم العمر، وظيفة مؤذية، كلية، سكن معين، أي حاجة ممكن تقرب من شرفك تركها أولى، لأن الشرف غالي، أغلى من كنوز الأرض..
والبريئة دايمًا ربنا بينجيها لأنه مع المظلوم، ممكن يختبره لكن دايمًا بينجيه، المهم فعلًا تحافظ على نفسها مهما اختل المكان اللي حوليها كله..
[فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ] سورة النساء
بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀
تمت

تعليقات
إرسال تعليق