سكريبت زواج مبكر (كامل) بقلم احمد محمود
اتجوزت وأنا عندي ١٤ سنة بطريقة معروفة في بلدنا، وهي إننا بنمضي على ورقة عُرفي لحد ما أبلغ السن القانوني وبعدين بنمضي عقد رسمي عند المأذون، ولو خلفت أطفال في الوقت ده مكانوش بيتسجلوا غير بعد عقد جوازي بسنة، أمر متعارف عليه وبيحصل كتير في بلدنا..
لكن اللي مش مُتعارف عليه ولا كان ينفع يحصل هي الجوازة اللي اتجوزتها، أول ما كملت الـ ١٤ سنة أبويا جوزني لواحد عنده ٣٠ سنة، كان قريبنا ومن نفس العيلة ومكنتش شوفته في حياتي يمكن مرتين تلاتة، لكن طبعًا مكنش ينفع أرفض مطلقًا، لازم أسمع الكلام وأقول حاضر ونعم..
واتجوزنا خلال فترة بسيطة ويوم الفرح حسيت إن أبويا كان شايل جبل على كتفه ورماه على الأرض، اتخلص من عبء كبير، والعبء ده كان أنا، وأول ما دخلت البيت مكنتش فاهمة أنا فين وأيه اللي بيحصل، حماتي كانت ست البيت بكل ما تحمل الكلمة من معنى، هي الآمر الناهي في كل حاجة، لدرجة إنها يوم الفرح أدتني التعليمات عشان أعيش في البيت بدون أي مشاكل، ولازم أعمل زي ما زوجات أخوات جوزي بيعملوا..
ومن تالت يوم جواز بس بقيت بنزل أشتغل في الأرض معاهم لحد بعد العصر، أخلص منها وأروح على شقة حماتي تحت، أنضف وأغسل وأطبخ للمغرب، وبعدين نقعد كلنا ناكل، وبعدين أطلع أخلص شغل بيتي لحد بعد العشا وبعدين أنام عشان يتكرر نفس الموضوع في اليوم التاني..
الشغل كان قاسي بطريقة مُبالغ فيها، لدرجة إني أكتر من مرة كنت بدوخ وأقع من طولي وأنا شغالة في الأرض، مكنتش بتحمل ربع اليوم وأوقات كتير كنت بنام تحت أي نخلة، وطبعًا الكلام بدأ يوصل لحماتي اللي مكنش بيعجبها اللي بيحصل وكانت شايفة إني بتدلع ولازم أتربى من أول وجديد..
وبقا الشغل مع الوقت بالزعيق والتهزيق، ولو اتأخرت أو تعبت شوية اتحرم من الأكل والشُرب، أشتغل شغل زيادة، وأوقات كنت باكل لوحدي كنوع من أنواع العقاب، وطبعًا كنت بتمنع من زيارة أهلي لشهر وأكتر، ولما جريت على الملجأ والأمان وحكيت لوالدي اللي بيحصل كان الرد المفاجئ، استحملي ما كل البنات بيتحملوا وعايشين كويس ولا أنتي عايزة كل حاجة ببلاش..
وعرفت رغم إني لسة صغيرة إن الحياة بدأت تظهر على حقيقتها قدامي، وإن الباقي من عمري كله هيكون عناء وشقاء وبس، وفضلت متحملة ٦ شهور عانيت فيهم لحد ما جسمي بقا حجر من كتر الشغل، وبدأت نغمة جديدة وغريبة، هي ليه محملتش لحد دلوقتي، أكيد معمولها حاجة، وبقت حماتي كل شوية تجيب حد البيت يكشف عليا ويرش مية ويعمل حاجات غريبة، وكانت بتقول إن واحدة من زوجات أخوات زوجي اللي عاملة حاجة عشان مخلفش..
وفضلت شهر كامل بعاني معاها ومع ذلك محصلش أي تقدم ولا أي نتيجة، وده معجبش حماتي اللي زودت عليا الشغل أضعاف، لأنهم خلفوا وأنا لسة، وكل واحدة كانت بتتحجج بابنها وتطلع شقتها إنما أنا ماليش حِجة، وبقيت مش محبوبة زيهم لأني لسة مجبتش الأحفاد ولا فرحت جوزي بالذرية..
وزاد الضغط عليا لحد ما ثورت، ثورت في مرة وبقا صوت صريخي جايب آخر الشارع، وزي ما بيقولوا كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير، ضربوني وسحلوني وحبسوني في الأوضة بعد ما ربطوني بالحبل، وشوفت تلت أيام من الجحيم، مكنتش متخيلة إن فيه ألم ومعاناة للدرجة دي..
لحد ما افتكرت حاجة وسط صمتي، كانت واحدة صحبتي ماتت من ٣ سنين لما بلعت حبة غلة، تقريبًا كانت عايشة في حالة شبه حالتي وقدرت تنجو بنفسها واتخلصت من حياتها، عشان كدا خدت القرار بدون أي تفكير، هعمل زيها وانتهي من العناء ده..
ناديت على حماتي وبوست على إيديها واعتذرت وكأني هسمع الكلام خلاص، وتاني يوم في الأرض جبت حبة غلة من المخزن بتاع العلف، وقررت أعيش لليوم الأخير، استمتع بكل التفاصيل، الشمس، الأرض، الهوا، حتى الأكلة الأخيرة..
وعلى بالليل كنت بجهز نفسي عشان أبلعها لحد ما سمعت حماتي بتنادي عليا، كانت خالة جوزي في زيارة لينا، كانت ست غريبة، تبصلها تحس براحة غير طبيعية، حضنتني جامد واعتذرت إنها مجاتش تباركلي عشان كانت مريضة الفترة اللي فاتت..
خدتني وطلعنا شقتي عشان تباركلي في شقتي مخصوص، وطبعًا لاحظت آثار الضرب على وشي، طبطبت عليا وحضنتني، لوهلة حسيت إن كل الوجع والتعب راحوا، بصت في عنيا وقالتلي إنها هتجيلي يوميًا، وقالتلي إن ربنا هيجبلي حقي وكل اللي أعمله أصبر..
كلمتني عن الصبر على البلاء وازاي إن الناس بتدخل الجنة من غير ما تتحاسب لما بتصبر، كلمتني عن قوة وحكمة ربنا في الإنتظار على الظالم، وقعدت معايا وحفظتني سورة الفاتحة بالنُطق الصحيح..
ومشيت من عندي وأنا حاسة بروحي بترفرف جوايا، وتاني يوم جتلي بالليل تاني، وبعد تعب اليوم كله حفظتني سورة الإخلاص وكلمتني عن التوحيد وصفات الله، وكلمتني عن الدعاء وطريقته وازاي ألح بيه عشان ربنا يستجيب..
وبقت يوميًا بتزورني، ومسافة ما تيجي مكانتش أختها بتعترض وتاخدني فوق ونحفظ قرآن، وتعلمني حاجة جديدة، خلتني ألبس لبس شرعي، حفظت معاها أول جزء، واتعلمت علوم شرعية كتير، لدرجة إني بقيت طول اليوم في الأرض بردد السور بالنُطق الصحيح والتجويد..
حتى لما كنت بتضرب كنت بصبر، كنت مستنية الجنة، ولما كنت بحكيلها كانت بتهون عليا كل حاجة، لحد ما علمتني حاجة جديدة، قالتلي مستحقرش المعروف، وأعمل أبسط حاجة ابتغاء مرضات الله، حتى لو هشيل حجر من على الطريق..
وإن أبسط المعروف كفيل يدخلني الجنة، ونمت ليلتها، نمت وشوفت حلم عجيب، شوفت جوزي جاي يضربني كالعادة، وشوفت حماتي بتمنعه وبتقوله دي كبرت خلاص ممنوع تتضرب دلوقتي، وصحيت مبسوطة أوي من الحلم ده..
وروحنا على الأرض، واشتغلت لحد ما طلعت عيني يومها لأنه كان يوم جمع القش، وده كان يوم بيهلك الجسم، ولما غلطت غلطة بسيطة اتضربت ضرب مُبرح لدرجة إني جريت بعيد وقعدت أبكي بقهر تحت النخلة، فضلت أبكي لحد ما لقيت طفل معرفش ظهر منين وكان بيجري قدامي، بصيت عليه بعد ما اتخضيت من ظهوره، ولقيته اتعثر في حجر صغير ووقع، اتألم شوية وبعدين قام وكمل جري..
بصيت للحجر وقولت أشيله وأبعده عن الطريق، بس افتكرت الوجع اللي أنا فيه وقررت مشيلوش، وافتكرت تاني كلامها، مستحقرش أفعل المعروف، يمكن ده اللي يدخلني الجنة، طالما بيتعمل لوجه الله، عشان كدا قومت لوجه الله وشيلت الحجر..
وأول ما شيلته لقيت حية ضخمة خرجت من تحته، جسمي كله قشعر ووقعت في الأرض، رجعت بسرعة ولقتها خرجت من تحت الحجر واختفت ورا النخلة، شيلت الحجر وركنته على جمب واتفاجئت بجوزي جاي من بعيد بيشتم ويسب وماسك عصاية كبيرة أوي..
غمضت عيني وانكمشت وأنا منتظرة العصاية تنزل على جسمي، وفضلت منتظرة ومنتظرة لكن متضربتش، فتحت عيني لقيته واقع على الأرض وجسمه بيتنفض والأفعى واقفة قدامه بتعمل فحيح غريب..
ناديت على أخواته الرجالة وشافوه لقوه صامت، مبيتكلمش، عنيه مفتوحة على آخرها، كأنه فقد النُطق، إيديه ورجليه بقوا يترعشوا بصورة غريبة أوي، وكل اللي كان بيعمله إنه يبص ناحيتي بخوف كبير وبس..
حاولوا يعالجوه مقدروش، حالته فضلت كدا لمدة ٦ سنين كاملين، مبيتكلمش، أعصابه بقت سايبة ودايمًا رعشة غريبة بتمسكه، مكنش بيثور إلا في حالة واحدة، لو حد طلب مني أعمل حاجة، وأمه عشان أراعيه أدتني عفو كامل من شغل الأرض والبيت، وبقيت قاعدة في شقتي أراعيه وبس، وهو مبقاش يبصلي بصة واحدة وحشة..
لما حكيت لخالته قالتلي أراعيه لوجه الله، وقالتلي إن الحية دي والله أعلم كانت من الجن، الجن اللي أنا ساعدته بدون علمي، يمكن كان محبوس، يمكن متعثر، ولما ساعدته هو ساعدني، ويمكن شافه وقتها فجتله الحالة دي، كنت في حالة ذهول، كنت مستنية الفرج بكل الطرق إلا الطريقة دي..
وقتها تأكدت من كلام الست، متستحقرش المعروف، ولو كنت مستضعف اصبر، طالما مش عارف تاخد حقك الجأ لله واصبر واتفرج وأنت حقك بيجيلك لحد عندك، إنما متتخلصش من حياتك أو تأذي نفسك، ربك دايمًا بينصر المظلوم، لكن له حكمة في طريقة نصره، يمكن تشوفها اتأخرت، لكن هي بتيجي في أنسب وقت..
انهاردة بحكي القصة بعد ما حفظت كتاب الله كله، وخلفت توأم، وعايشة مرتاحة ولله الحمد، وهو بدأ يتعافى واتغير تمامًا معايا وبقا بيراعيني أكتر مانا ما براعيه، الحمد لله إني متخلصتش من نفسي يومها وصبرت، يمكن أخد أجر الصابرين، وادخل الجنة بغير حساب
[إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ] سورة الزمر
بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀
................
تمت
