ابني اختفى ليلة عيد ميلاده التمنتاشر حكايات صابرين محمد الصل الثانى


 كان بيقطع حتة من قلبي، لكن خوفي كان أكبر من أي إجابة.

خفت أسأله...
فيبصلي نفس البصة، ويفتح الباب، ويمشي تاني، وساعتها يمكن ما أشوفوش بقية عمري.
فضل الصمت واقف بينا، تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة بقى أعلى من أنفاسنا.
لحد ما باب الشقة اتفتح.
دخل حسام، وفي إيده كيس من الفرن، ولسه ريحة العيش السخن مالية المكان.
لكن أول ما رفع عينه...
وشاف كريم واقف قدامه اتسمر مكانه.
إيده ارتخت من غير ما يحس.
الكيس وقع من بين صوابعه، واتبعثرت الأرغفة على الأرض.
ولأول مرة من يوم دخل حياتي شفت الخوف الحقيقي مرسوم على وشه.
الخوف اللي مهما الإنسان حاول يداريه، أول ما الحقيقة تقف قدامه... يفضحه.
فتح بقه بالعافية، وقال بصوت مخنوق
إنت...!
لكن كريم ما اتحركش ولا حتى رمش.
فضل باصص له بثبات، وقال كلمة واحدة
قولها.
حاول حسام يستعيد هدوءه، ومسح وشه بكفه بسرعة، وقال وهو بيحاول يبان طبيعي
أقول إيه؟ أنا مش فاهم إنت بتتكلم عن إيه.
كرر كريم نفس الكلمة، بنفس النبرة الهادية
قولها يا حسام.
ابتسم حسام ابتسامة باهتة، وقال وهو بيحاول يقلب الموقف لصالحه
واضح إن الغربة لعبت في دماغك... ولو جاي تعمل مشاكل، يبقى أحسن لك تمشي.
ساعتها بس مد كريم إيده بهدوء في جيب الجاكيت.
طلع موبايله.
وبصله نظرة ثابتة، وقال من غير ما يرفع صوته
كنت بدعي ربنا تعترف بنفسك... علشان ما تضطرنيش أطلع اللي معايا.
في اللحظة دي اتغير لون وش حسام.
والثبات اللي كان بيتظاهر بيه وقع مرة واحدة، كأن كلمة كريم نزعت منه القناع اللي فضل لابسه سنين.
بصيت بينهم، وحاسة إن قلبي هيقف من الخوف، وقلت بصوت متقطع
حد فيكم يفهمني... فيه إيه؟
لكن ولا واحد فيهم رد.
كانوا واقفين قدام بعض، كأن بينهم حرب بدأت من ست سنين، والنهارده جه وقت الحساب.
قطع كريم الصمت، وقال وهو باصص في عيني من غير ما يرمش
يا أمي... فاكرة ليلة عيد ميلادي التمنتاشر؟
أول ما قالها...
حسيت كأن حد مسكني من قلبي ورماني ست سنين لورا، لليلة اللي كنت فاكرة إنها هتبقى أسعد ليلة في عمر ضنايا، لكنها كانت الليلة اللي بيتنا اتكسر فيها من غير ما آخد بالي.
إزاي أنساها؟
ده اليوم اللي فضلت أستناه بالشهور، أعد الأيام واحدة واحدة، وأقول لنفسي يمكن عيد الميلاد ده يبقى بداية جديدة، ويمكن كل التوتر اللي بين كريم وحسام يختفي، ويمكن ربنا يجبر بخاطري وأشوفهم قاعدين يضحكوا على نفس السفرة.
من بعد صلاة الفجر وأنا واقفة في المطبخ، أعمل كل الأصناف اللي كريم بيحبها، وأزين البيت بإيديا، وكل شوية أبص للساعة وأبتسم، وأقول لنفسي
النهارده ضنايا بقى راجل.
وقبل المغرب بشوية، نزل كريم من أوضته.
كان لابس بنطلون أسود وقميص زهري جديد، وكان واضح إنه وقف قدام المراية وقت طويل، مش غرور، لكن لأنه كان خايف حد يعلق على شكله أو يكسفه قدام الناس.
أول ما شفته، قلبي انشرح.
مسكت وشه بين إيديا، وبصيتله وأنا بضحك، وقلت
ما شاء الله... ربنا يحفظك يا حتة مني.
ابتسم ابتسامة هادية، وقال وهو بيعدل كم القميص بتوتر
كنت محتار ألبسه... وخفت حد يقول شكلي وحش.
مسكت وشه بين إيديا، وقلت
طول ما إنت مرتاح فيه، يبقى ما يهمكش كلام حد يا حبيبي.
في اللحظة دي...
لمحت حسام واقف من بعيد.
ما كانش بيتكلم.
لكن أنا كنت حفظت النظرة دي.
الهدوء اللي كان بيبان عليه عمره ما كان يطمني.
بالعكس...
كان دايمًا بيبقى الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
دخل الضيوف، وامتلأ البيت بالضحك والكلام، وكل واحد كان بيسلم على كريم ويدعيله، وهو لأول مرة من شهور كان بيضحك من قلبه مع ولاد خالاته.
ساعتها رفعت عيني للسما، وقلت بيني وبين نفسي
الحمد لله... يمكن الليلة دي تعدي على خير.
لكن الخير ما كملش.
واحنا قاعدين على السفرة، سألت واحدة من قرايبنا كريم بابتسامة
ها يا كريم... استقريت هتدخل كلية إيه إن شاء الله؟
رفع راسه، ولسه هيرد...
لكن حسام سبقه.
حط الكوباية على الترابيزة بصوت خلا البيت كله يسكت، وقال وهو باصص لكريم
هو الأول محتاج يتربى وميبقاش زي البنات... بعدين يفكر يدخل كلية.
الصمت نزل على السفرة مرة واحدة.
المعالق وقفت والضحك اختفى وحتى الأطفال سكتوا.
بصيت لكريم.
كان ماسك الشوكة، لكن صوابعه كانت بتترعش.
ورغم كده، حاول يحافظ على هدوءه، وقال بصوت واطي
أنا ما عملتش حاجة.
رد حسام من غير ما يرمش
وده أصل المشكلة... إنت فاكر إنك ما بتعملش حاجة غلط.
مديت إيدي من تحت الترابيزة، ومسكت إيد حسام، وهمست برجاء
بالله عليك... بلاش الليلة دي.
شد إيده من إيدي، كأنه حتى لمستي بقت تقيله عليه، وبص ناحية القرايب وقال بصوت أعلى
الراجل اللي كل شوية يجري يستخبى ورا أمه... عمره ما هيعرف يبقى راجل. الانضباط هو اللي بيطلع الرجالة، مش الدلع والحضن.
الصمت بقى أتقل.
ولا حد عرف يقول كلمة.
افتكرت بنت أختي وهي بتعيط في الأوضة اللي جنبنا من صوت الخناق.
وافتكرت أمي وهي بتبص لحسام كأنها بتستحلفه يسكت.
لكن أكتر صورة عمرها ما غابت عن بالي...
كانت وش كريم. ما كانش غضبان ولا كان بيعاند كان مكسور.
وقف بهدوء، وبص لنا كلنا، وقال بصوت مخنوق
أنا مش مضطر أفضل قاعد أسمع الكلام ده.
رجع حسام بضهره لورا، وقال وهو بيبصله بثبات
إنت طول عمرك بتهرب من الحقيقة.
ساعتها كريم بصلي ولثانية واحدة بس...
حسيت إنه بيستنجد بيا من غير ما ينطق.
كان المفروض أقوم كان المفروض أمشي وراه..كان المفروض أحضنه، وأقوله إن أمه عمرها ما هتسيبه لو الدنيا كلها وقفت ضده لكن الخوف والصدمة وكسفتي قدام الناس...
شلوا رجلي فضلت قاعدة ولا قدرت أتحرك لف كريم ومشي.
وبعد ثواني، سمعته بيطلع السلم بسرعة.
وبعدين سمعت باب الشقة بيتقفل بعنف.
وقتها أقنعت نفسي إنه خرج يهدي أعصابه، وهيتمشى شوية ويرجع.
بعد اللي حصل، بدأ القرايب يمشوا واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم كان بيعتذر بكلمتين مرتبكين، كأنهم هما اللي ارتكبوا الغلط، أو كأن وجودهم في الليلة دي بقى حمل تقيل عليهم، بينما أنا كنت واقفة في نص البيت، ببص على الكراسي الفاضية، والأطباق اللي لسه عليها بقايا الأكل، والزينة اللي كنت معلّقاها بإيديا من كام ساعة وأنا فرحانة، وحاسة إن فرحة اليوم كله اتدفنت قدام عيني في دقائق، ولسه ما كنتش أعرف إن اللي ضاع في الليلة دي ما كانش عيد ميلاد كريم وبس... ده كان ابني كله.
دخلت المطبخ أغسل المواعين، وأنا أصلًا مش شايفة اللي في إيدي، الميه كانت بتنزل، وإيديا بتتحرك بشكل آلي، لكن عقلي كان واقف عند وش كريم وهو ساكت قدام الناس، أما حسام فكان قاعد قدام التلفزيون بيتفرج بكل هدوء، كأن اللي حصل من شوية ما كانش كسر قلب شاب في أول عمره قدام العيلة كلها، ولا حطم فرحة كان مستنيها من سنين.
بصيت له، وقلت وأنا بحاول أمسك أعصابي
مش هتعتذر ليه؟
من غير حتى ما يحول عينه عن الشاشة، رد ببرود غريب
أعتذر له... علشان قولتله الحقيقة؟
قلت وأنا حاسة النار بتاكل في صدري
إنت كسرت قلبه قدام الناس.
رد بنفس البرود
هو اللي منسون وبيعمل في نفسه كده.
غصب عني، رميت الطبق في الحوض لدرجة إن صوته دوّى في المطبخ كله، وبصيت له وأنا بحاول أفهم إزاي أب يشوف ابنه خارج من الليلة دي مكسور بالشكل ده، ولسه مقتنع إنه ما عملش حاجة
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات