غلط، وقلتده ابني.رد وهو لسه مركز مع التلفزيونعنده تمنتاشر سنة... ويمكن حان الوقت تبطلي تعامليه كأنه طفل.ما رديتش، لأني كنت حاسة إن أي كلمة هقولها هتولع خناقة أكبر، لكن جوايا كان فيه إحساس تقيل بيقولي إن كريم مش مجرد زعلان... وإن فيه حاجة أسوأ بكتير حصلت.خرجت من المطبخ وأنا بجري على السلم، وقلبي بيدق بطريقة خوفتني، كأن حد جوايا بيشدني على فوق، وبيقولي إن ابني محتاجني دلوقتي قبل أي وقت فات.باب أوضة كريم كان مفتوح.ناديت عليه مرة واتنين وتلاتة...لكن ماحدش رد.دخلت الأوضة.كانت هادية بشكل يخوف، والسرير مترتب، والدولاب مفتوح، وفي الأول حاولت أقنع نفسي إنه أكيد نزل تحت العمارة يهدي أعصابه، أو خرج يتمشى شوية ويرجع لما يروق، لكن أول ما بصيت ناحية المخدة، شفت ورقة متنية، وإيدي بدأت تترعش وأنا بفتحها، وقلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعة صوته في وداني، ولما قريت المكتوب، حسيت الدنيا اسودت قدام عيني، ورجلي ما بقتش شايلاني، والورقة وقعت من إيدي، قبل ما الصرخة تخرج مني من غير حتى ما أحس.أمي...بحبك أكتر من أي حد في الدنيا.لكن مقدرش أكمل عايش بالطريقة دي.من فضلك... ما تدوريش عليّ.سامحيني.كريم.صرخت من كل قلبي.صرخة سمعتها العمارة كلها.وفي ثواني، حسام طلع يجري، وأول ما قرا الجواب، اتصرف كأنه اتصدم زيي بالضبط، ووقتها ما شكيتش لحظة إن الصدمة اللي على وشه ممكن تكون تمثيل متقن، لأن الإنسان لما بيكون مكسور، بيصدق أي حد يبان عليه الحزن.وفي نفس الليلة، نزلنا نلف على كل الشوارع اللي ممكن يكون راحها، وسألنا صحابه، وقرايبه، وكل حد يعرفه، وروحنا القسم وحررنا بلاغ باختفائه، ومن اليوم ده بدأت رحلة عمرها ما كنت أتمنى أعيشها، رحلة كان كل صباح فيها بيبدأ بالأمل، وكل ليلة بتنتهي بخيبة جديدة.أيام طويلة من السؤال، والدوران، والانتظار، والدعاء، والرجاء، وصورة كريم ما كانتش بتفارق شنطتي لحظة، وكل ما أشوف شاب من بعيد بنفس طوله، أو نفس طريقة مشيه، أو حتى نفس لون هدومه، كان قلبي يجري قبلي، وأقول يمكن يكون هو... لكن كل مرة كنت برجع بإيدي فاضية، وقلبي أوجع من اللي قبله.أما حسام...فكان قدامي الزوج المخلص.ينزل معايا يدور.ويطبع صور.ويسأل الناس.ويقعد يواسيني كل ليلة، ويقول بنفس النبرةهنلاقيه بإذن الله.وكل ما كنت أقول يمكن أسيب له رسالة عند أصحابه، أو أنشر إعلان في مكان جديد، أو أفضل أدور مهما طال الوقت، كان يقعد يهديني ويقنعني إنه لو كريم عايز يرجع، أو حتى عايز حد يوصله، كان هيعمل ده بنفسه، وإن الضغط عليه يمكن يخليه يبعد أكتر، ومع الأيام بدأت أصدق كلامه، لأني كنت فاكرة إنه أكتر واحد نفسه يرجع ابني.لحد ما الأيام بقت أسابيع.والأسابيع بقت شهور.وما ظهرش أي أثر.ومع وجود الجواب اللي سابه، وكونه بلغ السن القانوني، بقى كل اللي حوالينا يرددوا نفس الكلام، وإنه يمكن اختار يبدأ حياته بعيد، ويمكن محتاج يعيش لوحده، ويمكن هيرجع لما يجهز نفسه.وساعتها...ابتدى حسام يكرر الجملة دي كل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر، لحد ما بقت محفوظة في وداني.سيبيه... أكيد ده قراره.وبعدين...الشهور بقت سنين.كل عيد ميلاد كنت أعمل له تورتة الشوكولاتة اللي كان بيعشقها، وأشتري له هدية جديدة، وأخبيها في الدولاب، وأقول لنفسي يمكن السنة دي يرجع، ويمكن يفتح الباب فجأة، ويضحك، ويقولي وحشتيني يا أمي.وكل عيد أم...كنت أفضل باصة للموبايل بالساعات، يمكن يرن، ويمكن يجيلي منه اتصال، أو حتى رسالة قصيرة يقول فيها كل سنة وإنتِ طيبة يا أمي.لكن الموبايل...عمره ما رن.وكل مرة كنت أعيط...كان حسام يقول نفس الجملة، بنفس البرود، وبنفس الثقةلازم تنسيه.ومع مرور السنين، وكل يوم كنت بسمع نفس الكلام، ونفس التفسير، من نفس الشخص اللي كنت فاكرة إنه أكتر واحد بيدور معايا على ابني، بدأت أشك في إحساسي أنا، بدل ما أشك فيه، وللأسف من غير ما أحس، ابتديت أقتنع إن يمكن كريم فعلًا اختار يعيش بعيد، وإن كل اللي أقدر أعمله هو إني أفضل أدعيله من مكاني.وبطلت حتى أنطق اسمه، لأن كل مرة كنت أحاول أتكلم عنه، أو أقول إنه أكيد هيرجع، كان حسام يقاطعني بنفس الجملةهو اللي اختار يمشي.الجملة دي...فضلت تتكرر قدامي سنين، لحد ما دخلت جوايا من غير ما أحس، وللأسف... صدقتها.ودلوقتي...كريم واقف قدامي في الصالة، وباصص لحسام، كأن ولا يوم من الست سنين دول عدى.قال بهدوءأنا ما سألتكيش إذا كنتِ فاكرة الحفلة... أنا سألتك إذا كنتِ فاكرة إيه اللي حصل بعدها.قلت بسرعة، وكأني بدافع عن نفسيأنا لقيت جوابك... ودورت عليك في كل مكان.هز راسه بهدوء.وقالعارف... وعارف كمان إمتى وقفتي.ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، اتهز صوته، وقال وهو باصص في عينيوعارف مين اللي خلاكي توقفي.حسيت معدتي اتقبضت.وسألته بصوت خرج بالعافيةيعني إيه الكلام ده؟ضم حسام دراعيه، وقال بضيق واضحاللي بيحصل ده كلام فارغ.لكن كريم ما بصش له، وكمل كلامه وهو ثابت مكانهإنتِ وقفتي تدوري... لأن حسام فضل يقنعك يوم بعد يوم، وشهر بعد شهر، وسنة بعد سنة، إني مش عايز حد يلاقيني.قلت بسرعةبس إنت كتبت... ما تدوريش عليّ.هز راسه وقالأنا كتبت ما تدوريش عليّ... لكن عمري ما كتبت إني بطلت أحبك، ولا طلبت منك تستسلمي، ولا قلتلك انسيني.اتقدم حسام خطوة، وقال بعصبيةكفاية لحد كده.لف كريم ناحيته، وقال بثبات أخافنيلأ... إنت كان عندك ست سنين كاملة تقول الحقيقة، واخترت كل يوم تكمل الكذبة.بص حسام ناحيتي وقال بسرعةهو بيحاول يرمي ذنب علي.. علشان يهرب من مسؤولية إنه هو اللي ساب البيت.في اللحظة دي...فتح كريم موبايله، ورفع الشاشة قدامنا، وقال بهدوءاحتفظت بكل ده... لأني كنت عارف إن هييجي يوم أحتاج فيه دليل.حسيت دقات قلبي بتعلى بشكل مرعب.وبصيت له وأنا بالكاد عرفت أتكلمدليل على إيه يا كريم؟قال وهو ثابت مكانه، وعينه ما سابتش حسام لحظةعلى السبب الحقيقي اللي خلاني ما أرجعش البيت... ولا حتى أتواصل معاكم.شد حسام على فكه بعصبية، وقال بسرعةالرسائل دي ما تثبتش أي حاجة.رد كريم من غير ما يعلي صوتهيبقى خليها تقراها.واتحرك ناحيتي بالموبايل.لكن حسام سبقه بخطوة...ووقف في طريقه.ومن غير ما أفكر...لقيت نفسي أنا اللي واقفة بينهم.ولأول مرة من ست سنين، ما كنتش الزوجة اللي بتحاول ترضي جوزها، ولا الأم اللي خايفة تخسر ابنها... كنت أم قررت إنها تسمع الحقيقة، مهما كانت قاسية، ومهما كانت هتغيّر حياتها كلها.بصيت لحسام في عينه، وقلت بحزمابعد.فضل يبصلي في صمت.وقال بصوت واطيهناء...كررت الكلمة وأنا ثابتة مكاني، ونظراتي ما اتحركتش من عليهقولتلك ابعد.ثواني وسكت، ما اتحركش، كنت متوقعة يرفض، أو يمد إيده على الموبايل، أو حتى يهرب من المواجهة بس اللي حصل إنه بصلي بس، وبعدين رجع خطوة لورا ببطء، كأنه لأول مرة يحس إن رجليه تقيلة عليه، وكأن كل السنين اللي خبّى فيها الحقيقة وقعت مرة واحدة فوق كتافه.كريم مدّ الموبايل ناحيتي.مديت إيدي وأنا حاسة إنها مش قادرة تشيله من كتر الرعشة، ولما بصيت للشاشة لقيت المحادثة مفتوحة قدامي، بتاريخها وساعتها، وكل الرسائل مترتبة
تابع الفصل التالى من هنا
