ابني اختفى ليلة عيد ميلاده التمنتاشر حكايات صابرين محمد الفصل الرابع

 



واحدة ورا التانية، وكلها متبعتة في نفس الليلة ليلة عيد ميلاده الليلة اللي خرج فيها من البيت وما رجعش.
أول رسالة كانت بعد خروجه بحوالي عشرين دقيقة.
ما ترجعش البيت الليلة.
وقبل حتى ما أستوعب معناها، نزلت بعيني لتحت.
أمك تستحق تعيش من غير مشاكل.
حسيت قلبي بيتقبض، لكني كملت أقلب كأن حاجة جوايا كانت بتجبرني أشوف النهاية مهما كانت هتوجعني.
هي ضيعت عمرها كله وهي بتحاول تدافع عنك.
هي تعبت.
نفسي بدأ يضيق، وإيديا بقت أبرد من التلج.
لكن الرسالة اللي بعدها
هي اللي خلت الدنيا كلها تلف بيا.
لو فعلًا بتحب أمك اختفِ من حياتها.
شهقة خرجت مني غصب عني.
ورفعت عيني ناحية حسام، وأنا مش قادرة أصدق.
لأ مستحيل.
قال كريم بصوت هادي، لكنه كان مليان وجع سنين
كمّلي يا أمي لسه فيه.
رجعت أبص للشاشة.
رسائل ورا رسائل كل واحدة كانت بتقفل باب في وشي.
هي في الآخر هتختارني أنا.
أنا جوزها وإنت سبب تعبها.
سيبها تعرف تعيش.
وآخر رسالة
لو كلمتها هترجع تدمر حياتها من أول وجديد ولو بتحبها بجد، سيبها تنساك.
وقفت مكاني.
كأن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
بصيت لحسام، ولساني تقيل.
إنت بعت الرسائل دي؟
سكت.
وعينه رايحة جاية بيني وبين كريم.
وبعدين قال بسرعة، كأنه بيتعلق بأي مخرج
الرسائل دي ناقصة دي مش المحادثة كلها.
بصله كريم من غير ما يرمش.
وقال بهدوء أخافني
كمّل.
ولما ما ردش
كررها.
قول الجزء اللي ناقص.
الصمت وقع تقيل.
وبعدين قال حسام، صوته متكسر
كنت بحاول أهديه بس.
رد كريم بنفس الهدوء
تهديني ولا تقنعني إن أمي هتكون أسعد من غيري؟
الصالة كلها غرقت في صمت خانق.
بصيت لكريم، ودموعي نزلت.
إنت صدقت الكلام ده؟
ابتسم ابتسامة مكسورة
كنت حاسس إني تقيل عليكم وكل خناقة بسببّي وكل مرة أشوفك بتعيطي أقول يمكن أنا السبب.
سكت لحظة طويلة.
وبعدين كمل وهو منزل عينه
ولما قريت الرسائل افتكرت إنها الحقيقة.
بلع ريقه.
كل مرة كنت أحاول أكلمك أرجع أقرا آخر رسالة وأقف.
وأقول لو رجعت هتتوجعي تاني.
فكنت بقفل الموبايل.
بصلي.
كتبتلك رسائل كتير يا أمي وبعدين أمسحها.
وأقول يمكن كده أريحك مني.
في اللحظة دي رجلي خانتني، وكريم لحقني قبل ما أقع.
شدني ليه بكل قوته، وكأن السنين اللي ضاعت بينا كانت مستنية اللحظة دي عشان تخلص.
ولأول مرة من ست سنين... حسيت إن ابني رجعلي بجد، وإن الفراغ اللي كان مالي قلبي من يوم ما بعد عني اتقفل في ثانية واحدة.
وانفجرت في العياط وأنا بقول
سامحني يا ضنايا... والله ما ارتحت يوم من غيرك.
وهو كمان صوته اتكسر
وأنا عمري ما بطلت أحبك بس كنت فاكر إن الرجوع هيكسرك.
ساعتها ما بقاش فيه كلام يتقال، ولا عتاب يتسمع، فضلنا واقفين قدام بعض وإيدينا متشبكة، وكل واحد فينا بيبص للتاني كأنه بيسترد العمر اللي اتسرق منه، وكأن ست سنين كاملة ذابت في لحظة واحدة.
ومن ورانا... جه صوت حسام.
أنا عملت اللي كنت شايفه صح.
سابني كريم بهدوء، ووقف جنبي.
ولأول مرة بقينا إحنا الاتنين في ناحية
وحسام لوحده في الناحية التانية.
بصيت له.
صح؟
بلع ريقه.
كنت بحمي بيتي.
ضحكت ضحكة موجوعة.
بيتك؟ البيت اللي خرج منه ابني وهو فاكر إن أمه استغنت عنه؟
سكت.
كريم قال بهدوء
أنا كان عندي تمنتاشر سنة مش طفل صغير.
رد حسام بسرعة
وكنت عنيد.
هز كريم راسه
كنت طفل محتاج حضن مش حد يبعده عن أمه.
بصيت لحسام، وقلت
إنت سمعته ومسمعتنيش.
ورفعت الموبايل
وده كلام مين؟
سكت.
رسائلك كلمة كلمة وإيدك اللي كتبتها.
كنت متعصب.
ضحكت بمرارة
دي اتكتبت بإيد واعية مش لحظة غضب.
مكنتش متخيل إنه يصدق.
رفعت عيني
وهو عاش ست سنين فاكر إن أمه مش عايزاه.
سكت. وبعدين قال أخيرًا، وصوته كان بيتقطع
أيوه... أنا اللي بعت الرسائل.
ماحدش اتكلم.
بص في الأرض، وقال وهو بالكاد قادر يرفع عينه
كنت فاكر إنه هيخرج يوم... ويرجع تاني، وساعتها هقولك الحقيقة. لكن كل يوم كان بيعدي، كنت بقول بكرة... وبكرة بقت أسبوع... والأسبوع بقى سنة... وبعدها بقيت خايف. خايف ترجعي تعرفي إني أنا السبب... وخايف هو يرجع ويقف قدامي.
سكت لكن كريم هو اللي رد.
قال بهدوء وجعني أكتر من أي صريخ
وأنا كل يوم كنت بصحى أقول هرجع.
بلع ريقه.
والله العظيم... ما كانش فيه يوم عدى من غير ما يوحشني حضنك يا أمي.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن هو كمل.
بس كنت كل ما أفتح الموبايل وأقرا الرسائل... أقول لنفسي لأ... لو رجعت هتتوجع بسببي من تاني.
نزل بعينه شوية.
سافرت... واشتغلت أي شغل ييجي قدامي... ونمت أيام في أوض ما كانش فيها غير مرتبة على الأرض... واتعلمت، وذاكرت، واتخرجت، وربنا كرمني، وعملت مشروع من الصفر، وبقيت مسئول عن ناس بتسترزق من الشغل معايا.
رفع عينه وبصلي.
كنت كل ما أنجح في حاجة... أقول لسه. لسه وقت رجعوك مجاش.. كنت عايز أرجعلك وأنا راجل... راجل محدش يقدر يكسره تاني... ولا يخليه يحس إنه أقل من حد..ولما بقيت كده... عرفت إن مابقاش فيه حاجة أخاف منها. لا كلامه. وبص لحسام ولا كدبه...
وبعدين رجع بصلي.
الحقيقة لازم تبان يا أمي... حتى لو اتأخرت ست سنين.
بصيت لحسام ولأول مرة أشوفه صغير بالشكل ده. ولا لقيت في قلبي كلمة واحدة أدافع بيها عنه.
قلت بهدوء امشي.
اتجمد مكانه.
وقال بالعافية
بعد العمر ده كله يا هناء؟
قلت وأنا ببص لكريم، وما حولتش حتى أبصله
العمر اللي فات... مات يوم ما قررت تحرم أم من ابنها، ويوم ما خلت ابن يعيش فاكر إن أمه استغنت عنه.
فضل واقف ثانية.
يمكن كان مستني أضعف. يمكن كان مستني أبص للعِشرة. لكن العِشرة اللي خرجت منها أم ست سنين كل يوم بتموت على ابنها... ما بقتش عِشرة.
لف ومشي وأول ما الباب اتقفل حسيت إن الحمل اللي كان فوق صدري من ست سنين نزل مرة واحدة.
لفيت لكريم كان واقف بيبصلي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي وهو صغير لما كان يخاف.
مديت إيدي ناحيته وأنا بعيط.
قلت تعالى يا ضنايا...
المرة دي ما بعدش.
جري عليا.
وارتمى على صدري بكل قوته.
وساعتها بس...
فهمت إن العمر كله ممكن يرجع في ثانية... لما ابنك يختارك هو يكون أمانه.

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات