واحدة ورا التانية، وكلها متبعتة في نفس الليلة ليلة عيد ميلاده الليلة اللي خرج فيها من البيت وما رجعش.أول رسالة كانت بعد خروجه بحوالي عشرين دقيقة.ما ترجعش البيت الليلة.وقبل حتى ما أستوعب معناها، نزلت بعيني لتحت.أمك تستحق تعيش من غير مشاكل.حسيت قلبي بيتقبض، لكني كملت أقلب كأن حاجة جوايا كانت بتجبرني أشوف النهاية مهما كانت هتوجعني.هي ضيعت عمرها كله وهي بتحاول تدافع عنك.هي تعبت.نفسي بدأ يضيق، وإيديا بقت أبرد من التلج.لكن الرسالة اللي بعدهاهي اللي خلت الدنيا كلها تلف بيا.لو فعلًا بتحب أمك اختفِ من حياتها.شهقة خرجت مني غصب عني.ورفعت عيني ناحية حسام، وأنا مش قادرة أصدق.لأ مستحيل.قال كريم بصوت هادي، لكنه كان مليان وجع سنينكمّلي يا أمي لسه فيه.رجعت أبص للشاشة.رسائل ورا رسائل كل واحدة كانت بتقفل باب في وشي.هي في الآخر هتختارني أنا.أنا جوزها وإنت سبب تعبها.سيبها تعرف تعيش.وآخر رسالةلو كلمتها هترجع تدمر حياتها من أول وجديد ولو بتحبها بجد، سيبها تنساك.وقفت مكاني.كأن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.بصيت لحسام، ولساني تقيل.إنت بعت الرسائل دي؟سكت.وعينه رايحة جاية بيني وبين كريم.وبعدين قال بسرعة، كأنه بيتعلق بأي مخرجالرسائل دي ناقصة دي مش المحادثة كلها.بصله كريم من غير ما يرمش.وقال بهدوء أخافنيكمّل.ولما ما ردشكررها.قول الجزء اللي ناقص.الصمت وقع تقيل.وبعدين قال حسام، صوته متكسركنت بحاول أهديه بس.رد كريم بنفس الهدوءتهديني ولا تقنعني إن أمي هتكون أسعد من غيري؟الصالة كلها غرقت في صمت خانق.بصيت لكريم، ودموعي نزلت.إنت صدقت الكلام ده؟ابتسم ابتسامة مكسورةكنت حاسس إني تقيل عليكم وكل خناقة بسببّي وكل مرة أشوفك بتعيطي أقول يمكن أنا السبب.سكت لحظة طويلة.وبعدين كمل وهو منزل عينهولما قريت الرسائل افتكرت إنها الحقيقة.بلع ريقه.كل مرة كنت أحاول أكلمك أرجع أقرا آخر رسالة وأقف.وأقول لو رجعت هتتوجعي تاني.فكنت بقفل الموبايل.بصلي.كتبتلك رسائل كتير يا أمي وبعدين أمسحها.وأقول يمكن كده أريحك مني.في اللحظة دي رجلي خانتني، وكريم لحقني قبل ما أقع.شدني ليه بكل قوته، وكأن السنين اللي ضاعت بينا كانت مستنية اللحظة دي عشان تخلص.ولأول مرة من ست سنين... حسيت إن ابني رجعلي بجد، وإن الفراغ اللي كان مالي قلبي من يوم ما بعد عني اتقفل في ثانية واحدة.وانفجرت في العياط وأنا بقولسامحني يا ضنايا... والله ما ارتحت يوم من غيرك.وهو كمان صوته اتكسروأنا عمري ما بطلت أحبك بس كنت فاكر إن الرجوع هيكسرك.ساعتها ما بقاش فيه كلام يتقال، ولا عتاب يتسمع، فضلنا واقفين قدام بعض وإيدينا متشبكة، وكل واحد فينا بيبص للتاني كأنه بيسترد العمر اللي اتسرق منه، وكأن ست سنين كاملة ذابت في لحظة واحدة.ومن ورانا... جه صوت حسام.أنا عملت اللي كنت شايفه صح.سابني كريم بهدوء، ووقف جنبي.ولأول مرة بقينا إحنا الاتنين في ناحيةوحسام لوحده في الناحية التانية.بصيت له.صح؟بلع ريقه.كنت بحمي بيتي.ضحكت ضحكة موجوعة.بيتك؟ البيت اللي خرج منه ابني وهو فاكر إن أمه استغنت عنه؟سكت.كريم قال بهدوءأنا كان عندي تمنتاشر سنة مش طفل صغير.رد حسام بسرعةوكنت عنيد.هز كريم راسهكنت طفل محتاج حضن مش حد يبعده عن أمه.بصيت لحسام، وقلتإنت سمعته ومسمعتنيش.ورفعت الموبايلوده كلام مين؟سكت.رسائلك كلمة كلمة وإيدك اللي كتبتها.كنت متعصب.ضحكت بمرارةدي اتكتبت بإيد واعية مش لحظة غضب.مكنتش متخيل إنه يصدق.رفعت عينيوهو عاش ست سنين فاكر إن أمه مش عايزاه.سكت. وبعدين قال أخيرًا، وصوته كان بيتقطعأيوه... أنا اللي بعت الرسائل.ماحدش اتكلم.بص في الأرض، وقال وهو بالكاد قادر يرفع عينهكنت فاكر إنه هيخرج يوم... ويرجع تاني، وساعتها هقولك الحقيقة. لكن كل يوم كان بيعدي، كنت بقول بكرة... وبكرة بقت أسبوع... والأسبوع بقى سنة... وبعدها بقيت خايف. خايف ترجعي تعرفي إني أنا السبب... وخايف هو يرجع ويقف قدامي.سكت لكن كريم هو اللي رد.قال بهدوء وجعني أكتر من أي صريخوأنا كل يوم كنت بصحى أقول هرجع.بلع ريقه.والله العظيم... ما كانش فيه يوم عدى من غير ما يوحشني حضنك يا أمي.دموعي نزلت غصب عني.لكن هو كمل.بس كنت كل ما أفتح الموبايل وأقرا الرسائل... أقول لنفسي لأ... لو رجعت هتتوجع بسببي من تاني.نزل بعينه شوية.سافرت... واشتغلت أي شغل ييجي قدامي... ونمت أيام في أوض ما كانش فيها غير مرتبة على الأرض... واتعلمت، وذاكرت، واتخرجت، وربنا كرمني، وعملت مشروع من الصفر، وبقيت مسئول عن ناس بتسترزق من الشغل معايا.رفع عينه وبصلي.كنت كل ما أنجح في حاجة... أقول لسه. لسه وقت رجعوك مجاش.. كنت عايز أرجعلك وأنا راجل... راجل محدش يقدر يكسره تاني... ولا يخليه يحس إنه أقل من حد..ولما بقيت كده... عرفت إن مابقاش فيه حاجة أخاف منها. لا كلامه. وبص لحسام ولا كدبه...وبعدين رجع بصلي.الحقيقة لازم تبان يا أمي... حتى لو اتأخرت ست سنين.بصيت لحسام ولأول مرة أشوفه صغير بالشكل ده. ولا لقيت في قلبي كلمة واحدة أدافع بيها عنه.قلت بهدوء امشي.اتجمد مكانه.وقال بالعافيةبعد العمر ده كله يا هناء؟قلت وأنا ببص لكريم، وما حولتش حتى أبصلهالعمر اللي فات... مات يوم ما قررت تحرم أم من ابنها، ويوم ما خلت ابن يعيش فاكر إن أمه استغنت عنه.فضل واقف ثانية.يمكن كان مستني أضعف. يمكن كان مستني أبص للعِشرة. لكن العِشرة اللي خرجت منها أم ست سنين كل يوم بتموت على ابنها... ما بقتش عِشرة.لف ومشي وأول ما الباب اتقفل حسيت إن الحمل اللي كان فوق صدري من ست سنين نزل مرة واحدة.لفيت لكريم كان واقف بيبصلي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي وهو صغير لما كان يخاف.مديت إيدي ناحيته وأنا بعيط.قلت تعالى يا ضنايا...المرة دي ما بعدش.جري عليا.وارتمى على صدري بكل قوته.وساعتها بس...فهمت إن العمر كله ممكن يرجع في ثانية... لما ابنك يختارك هو يكون أمانه.
