ابني اختفى ليلة عيد ميلاده التمنتاشر حكايات صابرين محمد الفصل الاول


 ابني اختفى ليلة عيد ميلاده التمنتاشر وست سنين كاملة وأنا كل ما أسمع خبطة على باب البيت أجري وأنا قلبي بيقولي يمكن يكون رجع، لكن يوم ما رجع فعلًا، أول حاجة عملها إنه بعد إيدي عنه، وبص لجوزي وقال قدامي اتكلم ولا أتكلم أنا؟ والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن الأرض بتميد بيا لأن ابني اللي خرج من البيت وهو مكسور رجع شايل في عينيه سر أنا عمري ما تخيلت إن جوزي يكون طرف فيه.

ست سنين كاملة، ما كانش فيه يوم يعدي من غير ما أقف عند باب الشقة أول ما أسمع أي خبطة، ولا ليلة أنام فيها من غير ما أحط الموبايل جنبي وأقول لنفسي يمكن المرة دي يرن... يمكن يكون زهق من الغربة، يمكن يكون قلبه وجعه عليا، ويمكن ربنا يكتبلي قبل ما أموت إني أسمع صوته وهو بيناديني يا أمي. لكن الأيام كانت بتمشي من غير رحمة، والباب كان بيفضل مقفول، والتليفون ساكت، وأنا كل يوم أموت حتة صغيرة، وأصحى تاني على أمل جديد، أمل كنت متمسكة بيه رغم إن كل حاجة حواليا كانت بتقولي إنه مستحيل.
لحد صباح واحد صباح عمره ما هينمحى من ذاكرتي مهما عشت.
بعد أذان الفجر بشوية، وأنا لسه قاعدة على سجادة الصلاة، برفع إيدي لربنا وبادعي يرجعلي ضنايا ولو بعد العمر كله، سمعت خبطة خفيفة على باب الشقة.
في الأول افتكرتها واحدة من الجيران، أو حد غلطان في الدور، خصوصًا إن حسام كان نازل يتمشى بعد الصلاة زي عادته، وأنا ما كنتش مستنية أي حد في الوقت ده.
قمت بهدوء، وعدلت إسدال البيت، ومشيت ناحية الباب وأنا لسه بين النوم والصحيان، ولما فتحته...
اتجمدت مكاني كان فيه راجل واقف قدامي.
طويل، عريض الكتفين، لابس هدوم بسيطة،

لكن كان فيه هيبة غريبة في وقفته، وفي أول شعره خصلتين بيضا سبقوا سنه بسنين، كأن الأيام عدت عليه أسرع من عمره، ووشه بقى أشد وأقسى من آخر مرة شفته فيها، أما عينيه... فكان واضح إنهم شافوا من الوجع أكتر بكتير مما يتحمله شاب لسه في أول حياته، ووقفته كانت وقفة واحد اتعلم يخبي كل اللي جواه، وما يوريش الناس غير الهدوء.
افتكرته في البداية غلطان في العنوان.
لكن أول ما رفعت عيني وبصيت في عينيه...
قلبي وقع نفسي اتقطع.
وحسيت إن الدنيا كلها وقفت حواليا.
مديت إيدي ناحية وشه بالعافية، وأنا خايفة ألمسه فيختفي، أو أصحى من النوم وأكتشف إن اللي قدامي مجرد حلم كنت بعيشه كل ليلة قبل ما أنام.
وهمست بصوت بالكاد خرج
كريم...؟
بلع ريقه، وبصلي بنفس العيون اللي كنت أعرفها وهو طفل، لكن كان جواها وجع سنين طويلة، وقال بهدوء، كأن كل كلمة بتخرج منه بعد معركة قاسية مع نفسه
السلام عليكم يا أمي.
شهقة خرجت مني قبل حتى ما أقدر أمنعها.
يا الله...
أنا كنت برسم اللحظة دي في خيالي كل يوم.
مرة أشوفه داخل عليّ وأنا راجعة من السوق، ومرة ألاقيه واقف بعد صلاة الجمعة مستنيني قدام المسجد، ومرة أسمع حد بينادي اسمي في الشارع فأجري وقلبي بيقولي يمكن يكون هو، وأوقات كنت أتخيله لسه بنفس ملامح الولد الصغير اللي خرج من بيتي، وأوقات أتخيله راجل، لكن والله العظيم... عمري ما تخيلت إن العمر كله ممكن يبان في عينين شاب بالشكل ده.
جريت عليه من غير ما أفكر، وفتحت له حضني وأنا بعيط.
ضنايا... حتة مني...
لكن قبل ما أوصل له، رفع إيده بهدوء، من غير عصبية ولا قسوة، ووقفني مكاني.
وقال بصوت واطي وجعني أكتر من أي صراخ
لو سمحتي يا أمي... بلاش دلوقتي.
الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة.
ما كانش بيزعق.
ولا كان بيبعدني لأنه بيكرهني.
أنا أمه... والأم مهما حاول ابنها يخبي وجعه، بتعرفه من أول نظرة، بتعرف إذا كان نام مرتاح ولا فضل صاحي طول الليل، وإذا كان ضحك من قلبه ولا كان بيضحك علشان يخبي اللي جواه، وفي اللحظة دي فهمت إن ضنايا شايل فوق كتافه حمل أكبر من عمره بكتير.
فضل واقف محافظ على المسافة اللي بينا، وبصلي مباشرة، وقال بهدوء ثابت
أنا رجعت النهارده... علشان حسام يقولك الحقيقة بنفسه.
حسيت رجلي ما بقتش شايلاني.
وبصيتله بعدم فهم، وقلت بالعافية
حقيقة إيه يا ابني؟
لف بعينه ناحية الصالة، وسأل بنفس الهدوء
هو فين؟
بلعت ريقي، والفرحة اللي كانت مالية قلبي من لحظة، بدأت تتحول لخوف أنا مش قادرة أفهم سببه.
وقلت وأنا بحاول أثبت صوتي
نزل وشوية وهيجي دلوقتي.
هز راسه بهدوء، وقال وهو بيدخل الشقة بخطوات ثابتة
خلاص... هستناه.
وسكت لحظة، قبل ما يكمل من غير ما يبصلي
المرة دي... مش هخرج من البيت ده غير لما تسمعي الحقيقة كلها.
ودخل الشقة من غير ما يستأذن، كأنه عمره ما خرج منها أصلًا، أو كأن البيت ده، مهما حاول يبعد عنه، فضل ساكن جواه، وفضلت ريحة الحيطان، وصوت الأرضية، وكل ركن فيه متعلق بروحه، حتى وهو بعيد عنه.
قفلت الباب وراه، لكني ما قدرتش أبعد عيني عنه.
كنت ببص له كأني بحاول أحفظ ملامحه من أول وجديد، يمكن الزمن سرق منه حاجات كتير، لكن قلبي كان بيدور على الولد الصغير اللي كان أول ما يخاف يجري يستخبى في حضني.
كبر ووشه بقى أشد، وخطوط التعب رسمت نفسها بدري حوالين عينيه، لكن مهما اتغيرت ملامحه، فضلت عينيه هي نفس عيون كريم... نفس النظرة اللي كنت أعرف منها وهو طفل إنه زعلان قبل حتى ما ينطق، بس المرة دي كانت شايلة وجع سنين، وجع أكبر بكتير من عمره.
يمكن طول الوقت كنت فاكرة إني أنا أكتر واحدة اتعذبت في غيابه...
لكن أول ما بصيت في عينيه، فهمت إن اللي عاشه هو كان أقسى بكتير من كل اللي تخيلته.
لاحظ إني سرحانة فيه، فابتسم ابتسامة صغيرة، ما وصلتش لعينيه، وقال بهدوء
الناس دايمًا بتحكم على اللي قدامها من شكله... قبل ما تسمع حكايته.
الجملة نزلت على قلبي كأنها عتاب متشال من ست سنين.
وطيت راسي، وقلت بصوت كله ندم
سامحني يا ضنايا...
هز راسه بهدوء وقال
أنا ما رجعتش النهارده علشان نتكلم عن شكلي.
وسكت لحظة، كأنه بيحارب نفسه قبل ما ينطق، وبعدين قال وهو ثابت مكانه
أنا رجعت... لأن حسام فضل يكذب ست سنين، والنهارده جه الوقت إنه يبطل.
بدأت دقات قلبي تعلى بشكل خوّفني.
قلت وأنا ببصله، وحاسة إن فيه مصيبة مستخبية ورا كلامه
يكذب في إيه يا كريم؟
رفع عينه ناحيتي، وقال بنفس الهدوء اللي كان مرعب أكتر من أي صراخ
هتعرفي... أول ما يرجع.
واتحرك ناحية الصالة ووقف في نصها، ولف بعينه في المكان كله، كأنه بيودع ست سنين ضاعوا من عمره بين الحيطان دي، أو يمكن بيدور على الشاب اللي خرج منها زمان وما رجعش أبدًا.
ما قعدش فضل واقف كأن البيت بقى غريب عليه...
أو يمكن هو اللي بقى غريب عن البيت.
أما أنا فكان جوايا ألف سؤال بيتصارعوا مع بعض.
كان فين طول السنين دي؟
مين كان بيطمن عليه لو تعب؟
مين كان بيحضّر له أكله؟
مين كان بيسأله إذا كان رجع ولا لسه؟
كان بينام فين؟
وكان بيفكر فيا؟
ولا كان مقتنع إن أمه هي كمان خانته؟
كل سؤال
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات