قلت باستغراب:
ـ “رايح فين يا بابا؟”
ابتسم وقال:
ـ “تعالي معايا.”
ركبنا المواصلات، ونزلنا قدام بيت صغير في آخر الشارع.
كان بيت متواضع، لكنه نضيف.
بصلي وقال:
ـ “فاكرة زمان لما كنتي تقولي نفسي يبقى عندي بيت يحميني أنا وابني؟”
هزيت راسي، وأنا مش فاهمة.
طلع ورقة من جيبه، واداهالي.
بصيت فيها…
ولقيت اسم ابني مكتوب.
اتلخبطت.
قلت:
ـ “إيه ده؟”
قال وهو بيبتسم:
ـ “ده عقد ابتدائي للبيت. دفعت مقدم من الفلوس اللي كنت بحوشها، والباقي أقساط بسيطة.”
شهقت.
ـ “يا بابا… إنت عملت ده كله إمتى؟”
قال:
ـ “من يوم ما قولتي إن نفسك تأمني مستقبل ابنك. قلت لازم أساعدك وأنا لسه قادر.”
حضنته وأنا بعيط.
وقلت:
ـ “أنا مش عارفة أرد جميلك إزاي.”
ربت على كتفي وقال:
ـ “الأب عمره ما بيستنى مقابل.”
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها أختي وجوزها.
قربوا مننا.
أختي كانت ماسكة شنطة فيها ستارة ومفرش.
وقالت وهي مبتسمة:
ـ “قولنا أول حاجة تدخل البيت الجديد تكون هدية مننا.”
أما جوزها، فمد إيده لأبويا وقال:
ـ “سامحني يا عمي… اتعلمت الدرس متأخر، بس وعد مني عمري ما هسيب حمل البيت كله على حد تاني.”
ابتسم أبويا، وصافحه.
ولأول مرة من سنين…
اتصورت العيلة كلها قدام البيت.
مكنش أكبر بيت…
ولا أفخم بيت…
لكن كان أول مكان حسيت فيه إن التعب، والصبر، والنية الطيبة، ممكن يجمعوا شمل أسرة كانت على وشك تتفرق.
وأنا ببص لابني وهو بيجري في فناء البيت الصغير، همست لنفسي:
“يمكن الحياة أخدت مني حاجات كتير…
لكن في المقابل، ادتني عيلة عرفت أخيرًا إن المحبة مسؤولية، وإن البيت الحقيقي بيتبني بالرحمة قبل الطوب.”بعد ستة شهور…
بدأت أجهز البيت واحدة واحدة.
مكنتش بشتري كل حاجة مرة واحدة.
كل مرتب أجيب حاجة.
مرة ستارة.
ومرة سجادة.
ومرة طقم أطباق بسيط.
وأبويا كان كل ما يشوف حاجة جديدة، يبتسم ويقول:
ـ “بالراحة… البيت بيتبني حتة حتة.”
وفي يوم جمعة…
بعد الغدا، رن جرس الباب.
فتحت…
ولقيت طليقي واقف.
بص لابنه قبل أي حد.
وقال بصوت واطي:
ـ “ممكن أشوفه؟”
ابني جري عليه وحضنه.
وقفت أتفرج من بعيد.
مكنش عندي كره…
ولا رغبة إني أرجع الزمن.
كان كل اللي يهمني إن ابني يفضل شايف أبوه باحترام.
بعد شوية، بصلي وقال:
ـ “سمعت إنك اشتريتي بيت.”
قلت بهدوء:
ـ “الحمد لله.”
سكت ثواني، وبعدين قال:
تابع الفصل التالى من هنا
