شيمو الفصل التاسع


 ـ “يا بابا…”

 

ما ردش.

 

قربت أكتر…

 

ومسكت إيده.

 

كانت باردة.

 

صرخت.

 

واتجمع البيت كله.

 

الدكتور جه بسرعة…

 

وبعد دقائق قال الكلمة اللي كنت خايفة أسمعها طول عمري:

 

ـ “البقاء لله… توفي إلى رحمة الله.”

 

حسيت إن الدنيا وقفت.

 

مش بس فقدت أبويا…

 

حسيت إني فقدت السند، والضهر، والأمان.

 

يوم الجنازة…

 

الشارع كله كان مليان ناس.

 

رجالة وستات وشباب.

 

واحد بيقول:

 

ـ “عمره ما رد محتاج.”

 

وواحد تاني:

 

ـ “كان يصلح بين الناس من غير ما ياخد أجر.”

 

ورجل مسن وقف قدامي وقال:

 

ـ “أبوك زمان دفع مصاريف علاج ابني، وما قالش لحد. أنا عرفت بالصدفة بعد سنين.”

 

بصيت لأختي.

 

هي كمان كانت مصدومة.

 

إحنا كنا فاكرين إننا عارفين كل حاجة عنه…

 

لكن طلع خيره أكبر بكتير من اللي كنا نعرفه.

 

بعد الأربعين…

 

وأنا برتب دولابه، لقيت صندوق خشب صغير.

 

فتحته.

 

لقيت فيه ورقة مكتوب عليها بخط إيده.

 

فتحتها، وإيديا بترتعش.

 

كان مكتوب:

 

“يا بنتي… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا سبت الدنيا.”

 

“أوعي تزعلي عليا كتير… أنا عشت راضي، وربنا كرمني أشوفكم متجمعين.”

 

“ولو عايزة تبريني، متعيطيش كل يوم… ساعدي أي حد محتاج على قد استطاعتك، وربي ابنك على الأخلاق قبل أي نجاح.”

 

“وافتكري دايمًا… الإنسان لما يمشي، الناس مش بتفتكر كان معاه كام جنيه… الناس بتفتكر كان بيسيب في قلوبهم إيه.”

 

ما قدرتش أكمل القراءة.

 

حضنت الورقة، وفضلت أبكي.

 

دخل ابني بهدوء.

 

شافني، وقعد جنبي.

 

قال:

 

ـ “دي رسالة جدو؟”

 

هززت رأسي.

 

أخد الورقة، وقرا آخر سطر بصوت متهدج.

 

ثم بص لي وقال:

 

ـ “ماما… إحنا لازم نكمل اللي بدأه.”

 

سألته وأنا أمسح دموعي:

 

ـ “إزاي؟”

 

ابتسم وقال:

 

ـ “كل سنة في يوم وفاته… نعمل أكل ونوزعه، ونساعد حد محتاج، ونفتكره بالدعاء.”

 

ابتسمت رغم وجعي.

 

وقلت:

 

ـ “دي أحسن هدية ممكن نوصلها له.”

 

ومن يومها…

 

بقى يوم رحيل أبويا مش يوم حزن وبس…

 

بقى يوم خير.

 

يوم ندعي له، ونتصدق عنه، ونحكي لأولادنا وأحفادنا عن رجل بسيط، لم يكن يملك الكثير…

 

لكنه ترك وراءه قلوبًا امتلأت حبًا، وبيتًا تعلّم أن الرحمة هي أثمن ميراث يمكن أن يتركه أب لأبنائه.مرت عشرة أعوام…

 

وأصبح البيت الذي تعب أبي من أجله عامرًا بالأحفاد.

 

كان ابني قد تخرج، وبدأ يعمل، وصار كلما قبض أول راتب في الشهر، يفعل شيئًا واحدًا قبل أي شيء.

 

يفتح درجًا صغيرًا في الصالة…

 

ويضع فيه ظرفًا أبيض.

 

سألته مرة:

 

ـ “إيه الظرف ده؟”

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات