شيمو الفصل العاشر


 ابتسم وقال:

 

ـ “سميته صندوق جدو.”

 

استغربت.

 

قال:

 

ـ “أي حد في العيلة يتزنق، أو حد من الجيران يحتاج مساعدة، نطلع منها من غير ما يعرف مين اللي دفع.”

 

وقفت أنظر إليه طويلًا.

 

نفس الفكرة…

 

لكن بروح جديدة.

 

وفي إحدى الليالي…

 

رن جرس الباب.

 

فتحت، فوجدت سيدة كبيرة في السن.

 

قالت بتردد:

 

ـ “هو ده بيت الحاج محمود؟”

 

ابتلعت غصتي، وقلت:

 

ـ “أيوه… حضرتك تعرفيه؟”

 

ابتسمت وهي تمسح دموعها.

 

وقالت:

 

ـ “من أكتر من خمسة عشر سنة، بنتي كانت هتسيب المدرسة علشان مقدرناش ندفع المصاريف.”

 

سكتت لحظة.

 

ثم أكملت:

 

ـ “أبوك دفعها كلها، وقال لمدير المدرسة: أوعوا البنت تعرف مين دفع.”

 

نظرت إليها في دهشة.

 

قالت وهي تشير إلى فتاة تقف خلفها:

 

ـ “دي بنتي… بقت دكتورة النهارده.”

 

تقدمت الفتاة، وقبّلت رأسي.

 

وقالت:

 

ـ “لو لا ربنا ثم جدك، كان زمان حياتي انتهت وأنا طفلة.”

 

لم أتمالك نفسي.

 

دعوتها للدخول.

 

وجلست تحكي لنا مواقف لم نكن نعرفها.

 

كل حكاية كانت تجعل صورة أبي تكبر أكثر في قلوبنا.

 

بعد أن غادرت…

 

نظرت إلى صورة أبي المعلقة على الحائط.

 

وقلت بصوت خافت:

 

ـ “كنت بتعمل كل ده، وإحنا مش عارفين.”

 

ابتسم ابني وهو ينظر إلى الصورة.

 

وقال:

 

ـ “يمكن علشان كده ربنا ستره في حياته… وخلّى الناس تدعيله بعد وفاته.”

 

وفي مساء ذلك اليوم…

 

أخرجت الرسالة التي تركها أبي.

 

لكن هذه المرة لم أقرأها وحدي.

 

جمعت أحفاده حولي.

 

وقرأت لهم كل كلمة.

 

ولما انتهيت…

 

رفع أصغر حفيد رأسه وقال ببراءة:

 

ـ “هو جدو في الجنة دلوقتي؟”

 

نظرت إليه، وابتسمت والدموع في عيني.

 

وقلت:

 

ـ “إحنا ندعو له، ونرجو من ربنا أن يكرمه برحمته الواسعة. والله وحده هو الذي يعلم مصير عباده.”

 

هز الطفل رأسه.

 

ثم جرى إلى حصالة صغيرة كانت على الرف.

 

أخرج منها عملة معدنية.

 

ووضعها في “صندوق جدو”.

 

وقال:

 

ـ “دي أول صدقة عن جدو.”

 

ساد الصمت في البيت.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن صمت حزن.

 

كان صمتًا مليئًا بالامتنان.

 

امتنان لرجلٍ عاش بسيطًا…

 

ورحل بصمت…

 

لكنه ترك خلفه عائلة تعلّمت أن أعظم ميراث ليس المال، ولا البيوت، ولا الأراضي…

 

بل أن يظل الخير جاريًا بعد رحيل صاحبه، في كل قلبٍ أحبه، وكل يدٍ امتدت لتساعد محتاجًا اقتداءً به.بعد أعوام طويلة…

 

أصبح شعري يميل إلى البياض.

 

وأصبحت أنا الجدة التي يجلس حولها الأحفاد كل مساء جمعة.

 

وكان هناك سؤال لا يتغير أبدًا.

 

ـ “يا تيتا… احكيلنا حكاية جدو محمود.”

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات