أول ما بنتي حكايات صابرين محمد الفصل الثالث


 العمر كله.

وبعدها بكام شهر، وفي أول الخريف، كان المفروض تبدأ أول جلسة في المحكمة، وكل حاجة كانت ماشية في طريقها الطبيعي بعد ما التحقيقات خلصت والأدلة بقت قدام الكل، لكن قبل معاد الجلسة بأيام، كبار العيلة طلبوا يقعدوا معانا، وقالوا إنهم مش جايين يبرروا، ولا يغطوا على اللي حصل، لكن جايين يحاولوا يصلحوا قبل ما الشرخ يكبر أكتر، وإن مهما كان اللي حصل، دول في الآخر أبو أحمد وأمه، وإن لو فيه باب للصلح يتفتح من غير ما يضيع حق حد، يبقى ده خير.
بصراحة... أول ما سمعت الكلام ده، حسيت إن قلبي اتقبض، وكأن كل اللي حواليا نسيوا في لحظة عين الدبدوب، ونسيوا الرعب اللي عشته وأنا واقفة ببص على كاميرا مستخبية جوه لعبة بنتي، ونسيوا اللي سلمى مرت بيه وهي طفلة مالهاش أي ذنب، فكان جوايا رفض كبير، لأني كنت حاسة إن أي حد بيطلب مني أسامح، كأنه بيطلب مني أنسى، وفي فرق كبير بين التسامح والنسيان.
لكن أحمد قعد جنبي في الليلة دي، ومسكني من إيدي، وقال بهدوء عمره ما اتكلم بيه قبل كده
يا سارة... أنا أول واحد اتوجع، ويمكن وجعي كان مضاعف، لأني شوفت الحقيقة بعيني، لكن مهما حصل، دول أبويا وأمي، وربنا أمرني أبرهم، وما أمرنيش أسلم بيتي للأذى... لو هما اعترفوا بغلطهم قدام الكل، ووافقوا على كل الضمانات اللي تحمي بيتنا، ووعدوا إن اللي حصل عمره ما يتكرر، أنا مستعد أعفو عن حقي لوجه الله، لكن من غير ما أفرط في حقك إنتِ أو حق بنتنا.
بصيتله وقتها، وشوفت قد إيه الحرب اللي جواه أكبر من أي حرب كنت عايشاها، لأنه كان واقف بين حق مراته وبنته، وبين بره لوالديه، وساعتها فهمت إن أصعب امتحان ممكن يقف فيه

الإنسان، إنه يحاول يرضي ربنا من غير ظلم، لا لنفسه، ولا لغيره.
وافقت...
مش لأن اللي حصل كان سهل، ولا لأن الجرح خف، لكن لأني كنت مؤمنة إن العفو شيء عظيم لما يكون بإرادتك، ولما يكون بعد اعتراف بالذنب، ومن غير ما يضيع حق، ولا يفتح باب يتكرر منه الأذى مرة تانية.
وفي اليوم اللي اتحدد للقعدة، اجتمعنا قدام عدد من كبار العيلة، وبحضور المحامين، وبعد ما اتكتبت كل التعهدات القانونية اللي تمنع أي تدخل في حياتنا، أو اقتراب من سلمى، أو دخول بيتنا، أو التواصل مع بنتنا من غير علمنا وموافقتنا، دخلت خديجة وهي مكسورة بطريقة عمري ما شوفتها بيها، لا صوتها عالي، ولا عينيها فيها التحدي اللي كنت متعودة أشوفه، بالعكس... كانت باصة في الأرض، وكل شوية تمسح دموعها بطرف طرحتها، كأنها لأول مرة شايفة نتيجة اللي عملته.
أما عبد الله، فكان واقف جنبها، وظهره محني، ووشه شاحب، وكأنه شال فوق كتافه سنين عمره كلها مرة واحدة.
فضل المكان ساكت كام ثانية...
وبعدين خديجة رفعت عينيها ناحية أحمد، وقالت بصوت متقطع من العياط
سامحني يا ابني... والله ما كنت متخيلة إن الأمور هتوصل لكده... غلطت، وافتكرت إني بخاف على حفيدتي، لكن خوفي خلاني أتعدى حدود ربنا وحدودكم، وأنا ندمانة.
ولأول مرة...
ما حاولتش تبرر.
ولا رمت الغلط عليا.
ولا قالت إني السبب.
اعترفت...
وبس.
وبعدها رفع عبد الله راسه، وقال بصوت واطي كله انكسار
وأنا غلطان زيها... يمكن ما كنتش صاحب الفكرة، لكني شاركت، وسكت، والساكت عن الغلط شريك فيه، وكان المفروض أوقف كل ده من أول لحظة، وأنا أستغفر ربنا على اللي عملته.
ساعتها حسيت إن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور، وإن الاعتراف بالغلط ساعات بيكون أصعب على الإنسان من أي عقوبة، لأن الكبرياء لما يقع، بيبقى وقعه موجع.
فضل أحمد ساكت وقت طويل...
لدرجة إن الكل كان مستني يسمع هيقول إيه.
وأنا كنت سامعة أنفاسه، وحاسة قد إيه قلبه بيتشد في ألف اتجاه، ولما أخيرًا اتكلم، كان صوته هادي، لكنه كان مليان وجع السنين كلها.
قال
أنا مسامحكم لوجه الله... لأني نفسي أقابل ربنا وقلبي مش شايل على حد، لكن السماح غير الثقة، والثقة لما تتكسر، بترجع ببطء شديد، ويمكن عمرها ما ترجع زي الأول، ومن حقي أحمي مراتي وبنتي، ومن حقهم يعيشوا في بيتهم وهم مطمنين، ومن النهارده، كل حاجة هتبقى بحدود واضحة، لا ظلم ليكم، ولا ظلم لينا.
سكت المكان كله...
وماحدش عرف يقول كلمة.
واتكتب تعهد واضح وصريح، إن مفيش أي تدخل في حياتنا، ولا زيارة إلا بموافقتنا، ولا اقتراب من سلمى، ولا أي تصرف يمس خصوصية بيتنا، وبعدها، وبناءً على اعترافهم، وتعهدهم، وإلحاح كبار العيلة، وإرادتنا الكاملة، تنازلنا عن حقنا الشخصي لوجه الله، وسيبنا باقي الإجراءات القانونية تمشي بالشكل اللي يحفظ النظام العام، من غير ما يبقى في ظلم لحد.
ولما خرجنا من المكان، بدأت الرسايل والتليفونات تشتغل، ناس كانت شايفة إننا عملنا الصح، وناس كانت شايفة إننا كان لازم نكمل للآخر، لكن أحمد ما دخلش مع حد في جدال، وكل ما حد يحاول يقلل من اللي حصل، كان يرد بجملة واحدة
اللي عاش الرعب ده هو اللي يعرف قيمة الأمان.
ولأسابيع بعد كده، فضلت العيلة تحاول تفسر اللي حصل، مرة يقولوا إن خديجة كانت خايفة على حفيدتها، ومرة يقولوا إن الوحدة لعبت بعقلها، ومرة يفتكروا أدوية القلب اللي عبد الله بياخدها، لكن أحمد بقى لأول مرة ثابت، لا بيرفع صوته، ولا بيدافع، ولا بيهاجم، كان بس بيرفض إن حد يخلط بين الرحمة والتفريط.
وفي يوم، بعتله واحد من قرايبهم رسالة بيقوله
يا ابني، افتح صفحة جديدة، دول في الآخر أبوك وأمك.
قرأ أحمد الرسالة، وكتب رد طويل، وقبل ما يبعته ورّاهولي.
كان كاتب
بر الوالدين فرض عليا، وهفضل أزورهم بالمعروف، وأدعيلهم، وأقوم بواجبي اللي أمرني بيه ربنا، لكن حماية مراتي وبنتي أمانة هتحاسب عليها، وحرمة بيتي وحدود أسرتي مش هتكون محل تفاوض مع أي حد، وربنا سبحانه أمرنا بالبر، وما أمرناش نقبل الأذى أو نكرر الغلط.
لما خلصت قراية الرسالة، بصلي بعين كلها تعب وقال
يا سارة... والله كنت أتمنى عمري كله ما أوصل لليوم ده.
ابتسمت ابتسامة كلها وجع، ومسكت إيده، وقلت
وأنا كمان... لكن يمكن ربنا كشف الحقيقة بدري، قبل ما كانت تاخد مننا أغلى حاجة في الدنيا.
ومن اليوم ده...
ما رجعتش حياتنا زي ما كانت في يوم وليلة، لأن الجروح الكبيرة عمرها ما بتخف بكلمة، ولا باعتذار، ولا حتى بالوقت لوحده، لكنها بتبدأ تطيب لما الإنسان يحس إن ربنا حفظ له بيته، وإن الخطر اللي كان مستخبي اتكشف قبل ما يعمل مصيبة أكبر.
أول حاجة عملناها إننا غيرنا كالون الشقة، وغيرنا كل كلمات السر، وعدلنا بيانات الاستلام في مدرسة سلمى، وحتى دكتور الأطفال عرف إن أي معلومة تخص بنتنا ما تخرجش غير ليا أنا أو لأحمد، وراجعنا كل حاجة حوالينا بعين مختلفة، مش عين خوف، لكن عين اتعلمت إن الأخذ بالأسباب عبادة، وإن الثقة لازم يكون ليها حدود.
في الأول.. . كنت كل ما أشوف لعبة جديدة تدخل البيت، أو جهاز إلكتروني، أو حتى هدية ملفوفة بورق ملون، قلبي يدق بسرعة من غير ما أحس، وألاقي نفسي بقلبها
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات