بإيديا، وأراجعها حتة حتة، وبعدها أبص لنفسي وأتنهد، وأقول اللهم لا تجعل الخوف يسكن قلوبنا بعد ما نجيتنا.
وساعتها كنت أفتكر إن الابتلاء مش دايم، وإن بعد كل ضيق فيه فرج، وإن ربنا لما كشف الحقيقة، ما كانش بيكشفها علشان يوجعنا، كان بيكشفها علشان يحمينا.
أما سلمى...
فكانت أكتر واحدة دفعت تمن اللي حصل، رغم إنها أصغرنا.
بقت أول ما حد يديهالها هدية، وبعدين تبصلي بعينيها الصغيرين وتسأل
ماما... نشوفها الأول؟
كنت آخدها منها، وأفحصها قدامها بهدوء، وأرجعهالها وأنا أبتسم، وأقول
اطمني يا روح ماما... دي سليمة.
كانت تبتسم، لكني كنت شايفة في عينيها سؤال عمره أكبر من سنها.
وفي أول كام أسبوع، رفضت تنام جنب أي لعبة محشية، وكل ما أحاول أحط دبدوب أو عروسة جنبها، كانت تزقهم بعيد وهي تقول
أنا مش بحبهم.
وكان قلبي يتقطع، لأن الطفلة اللي كانت بتنام لعبتها، بقت تخاف منها.
لكن الأطفال...
ربنا رزقهم بقلب بيعرف يطيب أسرع من الكبار.
ومع الأيام، رجعت الضحكة تملأ وشها واحدة واحدة، ورجعت الألوان تشدها، ورجعت تطلب نحكيلها حواديت قبل النوم، وبعد شهر تقريبًا، اشترينا لها أرنب صغير لونه بنفسجي، وما ضغطناش عليها تحبه، سبناه قدامها وخلاص.
وفي ليلة، لقيتها
هو ده صاحبي.
ساعتها حسيت إن ربنا بيطمن قلبي، وإن الخوف أخيرًا بدأ يخرج من قلب بنتي، ويرجع مكانه الطبيعي... بره بيتنا.
أما أحمد...
فكان هو كمان بيحارب معركة محدش شايفها.
قرر يروح لطبيب نفسي، مش لأنه ضعيف، ولا لأنه انهار، لكن لأنه فهم إن الإنسان ساعات بيحتاج حد يساعده يفك العقد اللي اتربطت جواه من سنين.
وكان كل ما يرجع من جلسة، أحس إن حمل جديد اتشال من فوق كتفه.
وفي مرة، قعد جنبي وقال
عارفة يا سارة... أنا طول عمري كنت فاكر إن السكوت راحة، وإن الواحد يرضي الكل علشان المشاكل تخلص، لكن اكتشفت إن السكوت على الغلط بيكبره، وإن الحدود مش قسوة... الحدود رحمة.
ومن يومها...
بقى يعرف يقول لأ من غير ما يحس بالذنب.
وبقى يزور أبوه وأمه في المناسبات بالقدر اللي يرضي ربنا، يسلم عليهم، ويبرهم بالمعروف، ويسأل عنهم، لكنه ما بقاش يسمح لحد يتدخل في بيته، ولا في قراراته، ولا في تربية بنته، وكل زيارة كان ليها وقتها وحدودها، ومن غير ما سلمى تفضل معاهم لوحدها، ومن غير ما يرجع أي مفتاح لبيتنا، ومن غير ما تتكرر الغلطة اللي دفعتنا تمنها غالي.
وساعتها فهمت إن صلة الرحم عمرها ما كانت معناها إن الإنسان يلغي عقله، ولا يفتح باب الأذى بإيده، وإن البر ممكن يجتمع مع الحزم، وإن الرحمة ممكن تمشي جنب الحدود من غير ما يناقضوا بعض.
أما أنا...
فبطلت أصحى كل يوم وأنا شايفة عين الدبدوب قدام عيني.
فضلت فترة طويلة، كل ما أغمض عيني، أشوف الدائرة السودة الصغيرة اللي كانت مستخبية مكان عينه، وأتخيل إيه اللي كان ممكن يحصل لو سلمى ما كانتش لاحظتها، ولو اللعبة دخلت أوضتها، ولو الكاميرا اشتغلت من غير ما حد يحس.
لكن بعد كل مرة كنت أستعيذ بالله من الشيطان، وأقول
الحمد لله.
الحمد لله إن ربنا ستر.
الحمد لله إنه كشف الحقيقة قبل ما تكبر.
الحمد لله إنه حفظ ضنايا.
ولما جه عيد ميلاد سلمى السابع...
طلبت حفلة بسيطة في جنينة البيت.
تورته صغيرة عليها شخصياتها الكرتونية المفضلة...
وفقاقيع مالية المكان...
وقلعة نط، وضحك أطفال، وأغاني بريئة كانت طالعة من سماعة صغيرة في الركن.
وجالي أخويا يوسف، وكان أول واحد يساعد أحمد يعلق الزينة، وكل ما يبص لسلمى وهي بتضحك، يبتسم من غير ما يقول كلمة، كأنه هو كمان كان بيشكر ربنا في قلبه.
وقبل ما الحفلة تخلص، قعدت سلمى تفتح الهدايا.
طلعت كتب...
وألوان...
وشنطة جديدة...
ولعبة تركيب...
وفي الآخر طلعت دمية ثعلب محشية، فروها برتقاني، ووشها كله براءة.
بصتلها شوية...
وبعدين رفعت عينيها ناحيتي وقالت بابتسامة صغيرة
ماما... تبصي عليها الأول؟
ابتسمت...
وخدتها منها، وراجعت الخياطة، والعينين، وكل تفاصيلها، وأنا حاسة إن بنتي ما بقتش بتسأل من خوف، قد ما بقت بتعمل اللي اتعلمته.
ولما خلصت، ناولتهالها، وقلت وأنا بابتسم
اطمني يا روح قلبي... دي سليمة.
ولأول مرة من سنة كاملة...
شفتها لعبة محشية، من غير ما يمر في عينيها ظل خوف واحد.
ساعتها حسيت إن بابًا كاملًا من الوجع اتقفل.
مسك أحمد إيدي بهدوء، وبص لبنتنا وهي بتجري وسط أصحابها، والثعلب تحت دراعها، والشمس كانت بتغيب على مهل، وصوت ضحك الأطفال كان مالي المكان بطريقة خلتني أحس إن الحياة، مهما اتكسرت، ربنا قادر يرجع يبنيها من جديد.
ابتسم وقال بصوت كله رضا
الحمد لله... ربنا عوضنا.
بصيتله...
وبعدين بصيت لسلمى...
وقلت وأنا قلبي لأول مرة من شهور حاسس بالسكينة
أيوه... لأن اللي حصل ما هدمش بيتنا... بالعكس، كشف لنا الشر قبل ما يكبر، وعلمنا إن الأمان نعمة، وإن الحدود رحمة، وإن البيت اللي يبنيه الصدق، ويحفظه التوكل على ربنا، عمره ما يهزه مكر حد، مهما كان قريب.
ومن ساعتها...
كل ما أشوف دبدوب في محل ألعاب. ..
ما بقيتش أفتكر الخوف.
بقيت أفتكر إن ربنا، سبحانه، أحيانًا يكشف لنا الحقيقة في أبسط الأشياء... علشان ينقذ لنا أغلى الناس.
والحمد لله...
إن الدبدوب دخل حياتنا يومها، علشان يخرج منها الخطر... للأبد.
