مرات أخويا اتصلت بيا وهي بتصيف حكايات صابرين محمد الفصل الثانى

 


درج المكتب.
ولقوا ملف مليان أوراق.
في الأول افتكرت إنها أوراق بنك.
لكن أول ما بصيت...
لقيت اسمي مكتوب بخط كبير.
مريم...
وتحته كلام عني...
تاريخ من القلق... عدم استقرار نفسي... وخلافات مستمرة مع خديجة.
الهوا انقطع من صدري.
كان فيه صور شاشة من منشورات قديمة ليا...
وصورة من سنين...
يوم ما كنت منهارة بعد طلاقي... وكأن حد كان بيجمع كل حاجة عني من زمان.
رن موبايلي.
كان رقم خديجة.
بصيت للظابط، فأشارلي أرد وأسيب السماعة مفتوحة.
أول ما رديت، سمعت صوتها الهادي... الهدوء اللي كان يخوف أكتر من أي صريخ.
قالت
مريم... يوسف فين؟
حسيت ريقي نشف.
قلت
في المستشفى.
سكتت كام ثانية.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة.
إنتِ مدركة إنتِ عملتي إيه؟
بصيت للظابط قبل ما أرد.
أنا أنقذته من أوضة كانت مقفولة عليه.
قالت بنبرة كلها سم
إنتِ اقتحمتي بيتي من غير إذن، وخدتي طفل قاصر. وده اسمه خطف يا حبيبتي.
الظابط أشارلي أكمل.
قلت
إنتِ بنفسك طلبتي مني أروح البيت.
ردت بسرعة
عشان أطعمي صخر... مش عشان تفتشي في أوضي. يوسف كان بيتعاقب. ده ابني... وإنتِ ملكيش أي صفة.
حسيت الدم بيغلي في دماغي.
قلت
إنتِ سيبتيه من غير مية.
ضحكت باستخفاف.
إنتِ دايمًا بتكبري المواضيع. وده السبب إن طارق مبقاش عايزك تدخلي حياته. وده السبب إنه مضى على أمر يمنعك تقربي مننا.
الظابط بصلي باستغراب.
وقال بصوت واطي
أمر إيه؟
أنا كمان اتصدمت.
خديجة سكتت نص ثانية...
بس النص ثانية دي كانت كفاية إنها تكشف إنها بتكدب.
رجعت قالت بثقة مصطنعة
هتعرفي قريب. رجعيلي يوسف... قبل ما تدمري حياتك بنفسك.
خدت نفس طويل وقلت بكل هدوء
خديجة... الدكتور بلغ رسمي عن إهمال وتعذيب طفل. والنيابة دلوقتي في بيتك... والشرطة جاية تقبض عليكي.
لأول مرة...
سمعت الخوف في صوتها.
مش صريخ...
ولا شتيمة...
خوف حقيقي.
قالت وهي بتحاول تتماسك
إنتِ مش عارفة إنتِ واقفة قدام مين.
قلت
عارفة كويس... الست اللي حبست ابنها في أوضة تلات أيام.
وفجأة.. .
قفلت الخط.
الظابط أخد موبايلي فورًا عشان يحفظ تسجيل المكالمة ضمن الأدلة.
بعد حوالي عشر دقايق، وصلتني رسالة من صاحبتي سارة.
خديجة خرجت من القرية السياحية ومعاها رنا وصخر. بتسوق العربية بسرعة جنونية.
رديت عليها فورًا
بلغي أمن القرية يكلموا المرور. هي راجعة ناحية المستشفى.
بس جوايا كنت متأكدة...
أنا عارفة هي رايحة فين.
رايحة تاخد يوسف.
ركبت عربيتي ورا عربية الشرطة.
قلبي كان تقيل كالحجر.
أنوار العربيات الزرقا والحمراء كانت منعكسة على إزاز العربيات، وعلى يافطات الشوارع، وعلى واجهات المحلات.
عدينا جنب ناس ماشية بتاكل آيس كريم...
وأطفال بيضحكوا...
ولا حد فيهم يعرف إن جحيم كامل بيجري في الشوارع.
أول ما وصلنا المستشفى، كانت الأخصائية الاجتماعية أمل واقفة عند باب الطوارئ، ووشها شاحب.
قالت بسرعة
ست جت من شوية، قالت إنها أم يوسف. كانت لابسة نضارة شمس، ومعاها بنت صغيرة.
جريت من غير ما أستنى.
ريحة المطهرات والقهوة والقلق كانت مالية المكان.
الممرضة أشارت ناحية قسم الأطفال.
وقالت
منعناها تدخل... لكنها جريت على هناك.
جريت بكل قوتي.
ولما وصلت آخر الممر...
شوفت خديجة.
كانت واقفة بكامل أناقتها.
فستان أبيض شكله غالي.
صندل شيك.
وشعرها متظبط كأنها خارجة من جلسة تصوير.
جنبها كانت رنا، واقفة بتعيط في صمت، وماسكة سلسلة صخر.
أول ما صخر شافني، هز ديله وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل.
أما خديجة...
فكانت ماسكة يوسف من دراعه بعنف.
المحلول كان متشال من إيده، والدم نازل مكان الإبرة.
وكان حافي.
صرخت بكل صوتي
سيبيه يا خديجة!
لفت ناحيتي.
وعينيها...
ماكنتش نفس العينين اللي كانت بتضحك في الصور.
كانت مليانة قسوة...
وفاضية من أي رحمة.
قالت ببرود
ده ابني.
يوسف انفجر في العياط.
عمتي...
قربت خطوة.
خديجة... مينفعش تاخديه بالحالة دي. هو لسه تعبان ولسه جسمه فيه جفاف.
صرخت في وشي
هو تعبان بسببك إنتِ! طول عمرك بتحشري نفسك في كل حاجة. فاكرة نفسك البطلة! تعرفي يعني إيه تعيشي مع طفل بيعيط على كل حاجة؟ ومع راجل ضعيف مش عارف يربي ابنه؟ أنا كان من حقي أرتاح شوية!
رنا بدأت تعيط أكتر.
وقالت برجاء
يا ماما... خلاص.
خديجة بصتلها بغضب وقالت
اسكتي.
في اللحظة دي...
صخر طلع صوت زمجرة واطية.
صخر...
الكلب الهادي اللي عمره ما أذى حد...
وقف بين رنا وخديجة، وسنانه بدأت تظهر.
خديجة شدت السلسلة بعنف.
وفي نفس اللحظة...
يوسف اختل توازنه.
جريت ناحيته.
وفي نفس الوقت، دخل الظابط من آخر الممر وهو بيصرخ
خديجة... ابعدي عن الطفل فورًا!
لكن خديجة مسكت يوسف بقوة أكتر.
صرخت
لأ!
ويوسف صرخ...
مش صرخة عالية...
كانت صرخة طفل اتكسر من جواه.
وفي اللحظة دي...
رنا سابت سلسلة صخر...
وزقت إيد أمها بكل قوتها وهي بتعيط.
كفاية يا ماما!
خديجة بصتلها وكأنها أول مرة تشوفها في حياتها.
الصدمة اللي ظهرت على وشها لثانية واحدة كانت كفاية.
استغليت اللحظة، وجريت ناحية يوسف، وشدّيته لحضني بكل قوتي.
جسمه كان مولع من السخونية.
في نفس اللحظة، الظابط مسك خديجة من دراعاتها.
انفجرت تصرخ
هي خطفته! دي حرامية! كلكم هتندموا! طارق مضى على كل الأوراق! معندكوش أي دليل!
وفجأة ظهرت الأخصائية الاجتماعية أمل وهي ماسكة الملف الأزرق.
بصتلها وقالت بمنتهى الثبات
لأ... عندنا.
خديجة اتجمدت مكانها.
الظابط لبسها الكلبشات قدام باب قسم الأطفال، وفي نفس الوقت كانت ممرضة بتلف يوسف في بطانية دافية.
الناس كلها وقفت تتفرج.
ولا حد نطق بكلمة.
المكان كله كان مليان بصوت نباح صخر...
وعياط رنا.
الغريب...
إن خديجة ماعيطتش.
وده كان أكتر حاجة خوفتني.
كل اللي عملته إنها فضلت باصة ناحيتي بكل الكره اللي في الدنيا.
وقالت
إنتِ دمرتي عيلتي.
حضنت يوسف أكتر، وقلت من غير ما أرمش
لأ... إنتِ اللي ضيعتي عيلتك من اللحظة اللي قفلتي فيها باب الأوضة عليه.
الساعة كانت حوالي تسعة بالليل لما لقوا طارق.
بابا هو اللي اتصل بيا.
كان صوته مكسور.
قال إنهم راحوا بيت أهل خديجة، وإنهم في الأول رفضوا يفتحوا الباب، لكن لما الشرطة وصلت اضطروا يفتحوا.
ولقوا طارق جوه أوضة.
كان تايه...
مش مركز...
وجسمه فيه جفاف.
والدكاترة قالوا إنه تحت تأثير مهدئات، وهو نفسه ماكانش عارف أخدها إمتى.
ماكانش مربوط...
وماكانش محتاج يتربط.
أوقات الكذبة، لما تتقال بثقة كفاية...
بتبقى أقوى من أي قفل.
وصل المستشفى قبل نص الليل.
وعمري ما هنسى شكله.
دقنه كانت طالعة.
هدومه مكركبة.
وعينيه حمرا من التعب.
أول ما شاف يوسف نايم، والمحلول راكب في إيده من تاني...
غطى وشه بإيديه الاتنين.
وقال بصوت متقطع
مريم...
ماكنتش قادرة أحضنه.
كان بينا وجع أكبر من أي كلام.
بصيتله وقلت بهدوء
إنت ماكنتش شايفه يا طارق؟ ماخدتش بالك كان عامل إزاي؟
ابتدى يعيط...
من غير صوت.
وقال
خديجة كانت بتقول إنه بيتدلع... وإن الدكتور قال إن ده طبيعي. يوم الخميس حاولت آخده للدكتور، قالتلي إني مبالغ... وبعدها ادتني برشامة. ومن ساعتها... كل حاجة عندي ضباب.
كان نفسي أكرهه.
وجزء مني فعلًا كان بيكرهه.
لكن في اللحظة دي...
يوسف فتح عينيه، وبص ناحيته.
وهمس
بابا...
طارق وقع على ركبته جنب السرير.
وقال وهو بيبكي
سامحني يا ابني... سامحني.
يوسف مد إيده الصغيرة، وحطها على شعر أبوه.
وقال بهدوء
ماما قالت إنك مش هتيجي.
في اللحظة دي...
طارق انهار تمامًا.
بصيت من شباك المستشفى.
المدينة كانت لسه منورة.
العربيات ماشية.
والناس عايشة يومها عادي.
وافتكرت كل مرة يوسف كان بيستأذن عشان ياكل...
أو يلعب...
أو حتى يتكلم.
وافتكرت إن فيه أطفال كتير بيتعلموا يهمسوا...
عشان يقدروا يعيشوا.
تاني يوم الصبح، النيابة أصدرت أوامر بحماية الأطفال.
يوسف ورنا راحوا يقعدوا مؤقتًا معايا ومع أمي، لحد ما التحقيقات تخلص، ويتم تقييم حالة طارق.
أما خديجة...
فماخرجتش من الحجز لا الليلة دي...
ولا اللي بعدها.
رنا فضلت ساكتة ساعات طويلة.
وفي اليوم التالت...
كانت رنا قاعدة في مطبخي، قدامها كوباية شوكولاتة سخنة بقى عليها طبقة خفيفة من البرودة، وقطعة فطيرة فضلت مكانها زي ما هي، ولا حتى حاولت تقرب منها، وكانت كل شوية تلف الكوباية بين إيديها الصغيرة من غير ما ترفع عينيها من عليها، كأنها بتجمع شجاعة كانت أكبر من سنها بكتير.
وفجأة قالت بصوت واطي، صوت طفل شايل

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات