مرات أخويا اتصلت بيا وهي بتصيف حكايات صابرين محمد الفصل الثالث
ذنب عمره ما كان ذنبهأنا كنت عارفة إن يوسف محبوس في البيت.الكلمة نزلت على قلبي كأنها حجر.بصيتلها، ولسه مش مستوعبة اللي سمعته، وقلت بالعافيةإيه؟رفعت عينيها ليا، وكانت الدموع متعلقة في رموشها.وقالتماما قالتلي لو قولت لأي حد... هتحبس صخر هو كمان. وقالت إن يوسف ولد وحش، وإن بابا تعبان بسببه، وإن أي حد هيحاول يساعده هيبوظ العيلة كلها. كنت عايزة أقولك يا عمتي... والله كنت عايزة... بس كنت خايفة.قعدت جنبها من غير ما أتكلم، وضميتها لحضني، وحسيت جسمها كله بيرتعش، كأنها أخيرًا لقت مكان يسمح لها تعيط فيه من غير ما تخاف.قلت وأنا بمسح دموعهااسمعيني كويس يا رنا... اللي شيلتيه على كتفك ماكانش حمل طفلة عندها تمن سنين. إنقاذ يوسف ماكانش مسؤوليتك، واللي حصل ماكانش ذنبك، والوحيدة اللي لازم تتحاسب هي اللي خوفتكم وخدت طفولتكم.هزت راسها وهي بتعيط.وقالتبس إنتِ أنقذتيه.بصيت ناحية الصالة.كان يوسف قاعد على السجادة، ملفوف في بطانية دافية، وحاطط طبق مية قدام صخر، والكلب كان بيشرب بهدوء، وبعدها قرب منه ولحس صوابعه، بينما الديناصور الأخضر مرمي بينهم، كأنه الحارس الصغير اللي رفض يسيبه لحظة واحدة.ابتسمت، وبصيت لرنا.وقلتأنا ما أنقذتوش لوحدي.بصتلي باستغراب.فابتسمت أكتر، وكملتإنتِ كمان أنقذتيه... في اللحظة اللي سيبتي فيها سلسلة صخر. لو ماكنتيش عملتي كده، كان ممكن يوسف يفضل في إيدها، وكان ممكن كل حاجة تنتهي بشكل تاني.دفنت وشها في حضني، وفضلت تعيط، لكن المرة دي كان عياط بيرمي خوف سنين، مش خوف لحظة.العصر...طارق جه بإذن من النيابة.قعد في جنينة بيت أمي تحت شجرة الجهنمية، وماحاولش يبرر، ولا دافع عن نفسه، ولا قال إنه ضحية، ولا طلب حد يسامحه.فضل ساكت...يسمع يوسف...ويسمع رنا...ويسمعني...وكأن السكوت المرة دي كان أصعب عليه من أي اعتراف.ولما أمي حطت طبق شوربة فراخ بالرز قدام يوسف، فضل يبصله ثواني طويلة، وبعدها رفع عينيه وسأل بتردد كسر قلبنا كلناينفع... آكل الطبق كله؟أمي حطت إيديها على قلبها، ولفت وشها عشان تخبي دموعها.أما طارق، فقفل عينيه بقوة، وكأنه بيتمنى لو يقدر يرجع الزمن دقيقة واحدة بس.وأنا حطيت المعلقة في إيد يوسف، وابتسمتله.وقلتمش بس تاكله كله يا حبيبي... ولو خلص ولسه جعان، هنملاهولك تاني... وتالت... وكل مرة هتجوع فيها هتلاقي اللي يشبعك.يوسف ابتدى ياكل بالراحة، كأنه مستني في أي لحظة يسمع حد يزعقله ويقوله كفاية.لكن محدش زعق.ومحدش خد الطبق من قدامه.وبعد شوية...ابتدى ياكل أسرع، ولأول مرة من أيام طويلة، شفت في عينيه لمعة طفل بدأ يصدق إنه بقى في مكان آمن.وصخر كان نايم عند رجليه.. .والديناصور الأخضر بين إيديه...ولأول مرة...ابتسم يوسف من غير خوف.ماكنتش ابتسامة كبيرة...لكنها كانت كفاية تنور البيت كله.مرت شهور.القضية بقت في إيد المحكمة، وخديجة فضلت متمسكة بنفس الكذبة، وفضلت تقول إن كل اللي حصل مجرد سوء فهم، وإن الناس ضخمت الحكاية.لكن المرة دي...الكدب ماكانش لوحده.التقرير الطبي كان قدام النيابة.ورسائلها اتحفظت ضمن ملف القضية.وتسجيل المكالمة اللي هددتني فيها بقى واحد من أهم الأدلة.أما الكاميرا الصغيرة اللي كانت مخبياها في الممر، فالشرطة قدرت تستخرج التسجيلات اللي عليها، واللقطات أثبتت إن يوسف فضل محبوس لوحده، وإن محدش دخل الأوضة بعد ما خديجة خرجت من البيت.وكمان الملف اللي لقيناه في المكتب، واللي كانت مجمعة فيه صوري القديمة، وكلام عني، وتقارير مزيفة تحاول تثبت إني غير مستقرة نفسيًا...الظابط قفله قدامي يومها، وقال بهدوءدلوقتي الصورة اكتملت... هي ماكانتش عايزاكي تروحي عشان صخر، كانت عايزاكي تدخلي الشقة وبس، عشان لو احتاجت بعد كده تقول إنك آخر واحدة دخلت البيت، أو تلفقلك إنك خدتي الطفل. لكنها ماحسبتش إن يوسف هيسمع صوتك... ويستنجد بيكي.ساعتها...افتكرت أول مكالمتها.وافتكرت إصرارها إني أروح بنفسي.وإصرارها إنها تقولي مكان المفتاح.وفهمت إن حكاية صخر عمرها ما كانت الحقيقة...كانت مجرد طُعم.هي ماكانتش بتطلب مني خدمة...هي كانت بتنصبلي فخ.لكن ربنا خلى أول صوت أسمعه وأنا داخلة الشقة...يبقى صوت يوسف.أما يوسف...فابتدى ينام من غير ما يطلب مننا نسيب باب أوضته مفتوح.ورنا رجعت مدرستها، ورجعت تضحك بالتدريج.وطارق كمل جلسات العلاج النفسي، واعترف لنفسه قبل أي حد، إن الأب اللي يقفل عينيه عن وجع ابنه، حتى لو كان مخدوع، لازم يواجه الحقيقة ويتحمل مسؤوليته.وفي يوم من الأيام...خرجنا نتمشى سوا.كان يوسف ماسك الديناصور الأخضر في إيد، وإيدي في الإيد التانية.وفجأة وقف، وبصلي بابتسامة صغيرة.وقاليا عمتي مريم...ابتسمت وقلتنعم يا حبيبي؟قال وهو بيبصلي بثقة أول مرة أشوفها في عينيهلما ماما قالتلي إنك مش هتيجي... أنا كنت عارف إنك هتيجي.وقفت مكاني.وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أقدر أمنعها.ابتسمت وسألتهبجد؟هز راسه.وقالعشان إنتِ وعدتيني قبل كده... إن اللي بيحب حد، عمره ما يسيبه لوحده.نزلت على ركبتي، ومسكت وشه بين إيديا.وقلتوأوعدك... من النهارده... عمرك ما هتفضل لوحدك تاني.ارتمى في حضني بكل قوته.حضن طفل أخيرًا عرف يعني إيه أمان.وبينما الشمس كانت بتغيب، وتلون البيوت القديمة باللون الدهبي، فهمت إن الوجع ممكن يستخبى فعلًا ورا أجمل الأبواب...لكن عرفت كمان. ..إن الباب اللي بيتقفل على طفل من بره...مش دايمًا بيكون نهاية الحكاية...أوقات...بيبقى بداية النجاة.
تعليقات
