تعب أبويا فجأة.
دخل المستشفى يومين لإجراء فحوصات.
أنا وأختي مكناش بنسيبه لحظة.
كنا بنتبادل السهر جنبه.
وفي ليلة، وهو نايم، بصتلي أختي وقالت:
ـ “فاكرة اليوم اللي كنت بزعقلك فيه؟”
ابتسمت وقلت:
ـ “عدى خلاص.”
هزت رأسها وهي تبكي.
ـ “أنا كل ما أفتكره أزعل من نفسي. إنتِ سامحتيني بسهولة وأنا ما كنتش أستحق.”
مسكت إيدها.
وقلت:
ـ “إحنا أخوات… والبيت اللي يعرف يسامح، عمره ما يتفرق.”
حضنتني وهي بتعيط.
ولأول مرة من سنين…
رجعت أختي تبقى أقرب واحدة لقلبي.
الحمد لله، خرج أبويا من المستشفى بعد ما طمنّا الدكتور إن حالته مستقرة، وكل اللي محتاجه راحة واهتمام.
وأول يوم رجع فيه البيت…
جمعنا كلنا.
وقال وهو بيبص لوشوشنا واحد واحد:
ـ “أنا كنت دايمًا خايف أسيبكم وأنتم مختلفين.”
ردت أختي بسرعة:
ـ “اطمن يا بابا… خلاص بقينا سند لبعض.”
ابتسم.
وقال:
ـ “إذن أنا أغنى راجل في الدنيا.”
في تلك الليلة…
أعددنا عشاءً بسيطًا.
لا كان فيه أكلات فاخرة…
ولا مائدة كبيرة.
لكن كان فيه شيء افتقدناه سنوات طويلة…
الدفء.
ضحكاتنا كانت تملأ البيت.
وابني كان يجري بين جده وخالته، يضحك من قلبه.
ونظرت إلى أبي، فوجدته يراقبنا في صمت، وعلى وجهه ابتسامة رضا.
وقتها أيقنت…
أن بعض البيوت لا تنجو لأن ظروفها سهلة…
بل لأنها، مهما انكسرت، تعرف كيف تجتمع من جديد حول المحبة والرحمة.مرت خمس سنوات…
والبيت الصغير بقى مليان حياة.
ابني كبر، وبقى في أولى إعدادي.
وأختي بقت تزورنا كل أسبوع، هي وجوزها وولادها.
أما أبويا…
رغم إن شعره كله شاب، لكنه كان لسه كل صباح يصحى قبل الكل.
يفتح الشبابيك، ويسقي الزرع اللي زرعه قدام البيت.
وفي صباح شتوي…
صحيت على صوت الباب بيخبط.
فتحت…
لقيت راجل كبير واقف.
قال باحترام:
ـ “الحاج محمود موجود؟”
قلت:
ـ “اتفضل.”
دخل وقعد.
أول ما أبويا شافه، قام حضنه.
واضح إنهم أصحاب من زمان.
بعد شوية، الراجل طلع ظرف من جيبه.
وحطه قدام أبويا.
قال:
ـ “فاكر يوم ما استلفت مني علشان عملية أم العيال؟”
ابتسم أبويا.
ـ “أنسى إزاي؟”
قال الراجل:
ـ “أنا جيت أرجعلك الورقة.”
استغربنا كلنا.
قال أبويا:
ـ “بس أنا سددت الدين من زمان.”
ابتسم الرجل وهو يهز رأسه.
ـ “عارف… بس الورقة دي احتفظت بيها علشان كل ما أشوفها أفتكر إن فيه راجل شريف، رغم ضيق حاله، عمره ما اتأخر يوم عن قسط، ولا حاول يهرب من حق.”
تابع الفصل التالى من هنا
