أول ما بنتي حكايات صابرين محمد الفصل التانى


 يستخدمها.

ولما دخلوا مكتب عبد الله، لقوا جهاز مراقبة تاني لسه في علبته، ما اتفتحش أصلًا، فبدأت الصورة قدام المحققين تكبر أكتر وأكتر.
لكن كل ده...
ماكانش أقوى دليل.
أقوى دليل كان اللابتوب الخاص بحماتي، اللابتوب اللي كانت طول عمرها تقول إنها بتكتب عليه وصفات الأكل، وتبعت منه رسايل طويلة للقرايب عن أخبار العيلة، ولما فتحوه وراجعوا الملفات، لقوا فولدر مستخبي اسمه
ذكريات سلمى.
أول ما يوسف نطق الاسم قدامي، جسمي كله اقشعر، لأن حتى الاسم كان مستغل براءة بنتي.
فتحوا الفولدر...
فلقوا تسجيلات تجريبية طالعة من كاميرا الدبدوب، ولقطات شاشة لحساباتنا على مواقع التواصل، ونسخة من جدول سلمى المدرسي، ومواعيد خروجها ودخولها، وكأن كل تفاصيل حياتنا كانت بتتجمع في مكان واحد.
لكن أخطر حاجة كانت ملف منفصل...
عنوانه
مخاوف بشأن سارة.
بعد يومين، طلبتنا النيابة علشان نطلع على محتوى الملف.
أحمد مد إيده، وفتح أول صفحة، لكنه ما استحملش يكمل، وبعد كام سطر بس قفل الملف، وحطه قدامه، وقال بصوت مبحوح
مش قادر... والله مش قادر.
مديت إيدي أنا، وخدته منه، وابتديت أقرأ.
كل صفحة كانت أصعب من اللي قبلها.
ماكانتش مجرد ملاحظات متفرقة...
دي كانت خطة كاملة، مكتوبة بهدوء، ومترتبة بتاريخ، وكأنها ملف بيتجهز من شهور.
كل شوية ألاقي تاريخ...
وتحته تعليق.
وكل تعليق محرف عن الحقيقة.
مرة كاتبة
سارة بتبعد سلمى عن أهل أبوها.
ومرة
أحمد بقى يخاف يخالف مراته.
ومرة تالتة
لازم يبقى فيه دليل على إنها غير مستقرة نفسيًا.
واللي وجعني أكتر...
إن تحت كل اتهام كان فيه سطور فاضية، متساب مكانها بعناية، كأنها مستنية تتملّى بعد ما الدبدوب يرجع بالتسجيلات

اللي كانوا مستنيينها، علشان الصورة اللي رسموها في خيالهم تبقى كاملة.
رفعت عيني للمحقق، وقلت بصوت مخنوق
دي كانت بتجهز كلام تستخدمه ضدنا.
هز راسه بهدوء وقال
واضح إن الملف كان بيتجمع بهدف استخدامه لو حصل أي نزاع أسري بعد كده.
بصيت على أحمد...
كان قاعد جنبي، لكن كأنه بعيد عن الدنيا كلها.
وشه شاحب...
وعينه ثابتة في الأرض.
وفجأة همس، بصوت عمره ما هيطلع من وداني
أمي... حطت كاميرا في لعبة بنتي.
الجملة دي وقعت على قلبي قبل ما تقع على وداني.
لأن أصعب حاجة في الدنيا...
إن الإنسان يكتشف إن الأذى جاله من الناس اللي كان فاكر إنهم أمانه.
بعدها بدأت التحقيقات، واتسمعت أقوال حماتي وحمايا كل واحد لوحده.
عبد الله حاول من أول دقيقة يبعد نفسه عن الموضوع، وقال إن خديجة هي صاحبة الفكرة، وهي اللي طلبت الجهاز، وهو كل اللي عمله إنه ساعدها في تشغيله لأنها ما كانتش تعرف تتعامل مع التكنولوجيا.
لكن المستندات كانت بتقول غير كده.
الفواتير كانت باسم بطاقته.
وحساب تشغيل الجهاز متسجل ببريده الإلكتروني.
وأول تجربة للبث كانت معمولة من موبايله.
وساعتها...
ما بقاش ينفع حد يرمي الحمل كله على التاني، لأن كل واحد فيهم كان شريك في الغلط بطريقته.
أما خديجة...
فدخلت وهي بتعيط، وتتكلم بصوت متقطع، وتكرر إنها مجرد جدة كانت خايفة على حفيدتها، وإنها ما كانتش تقصد تؤذي حد، وإن كل اللي عملته كان بدافع الخوف.
وقالت إني عصبية...
وقالت إني بمنعهم من سلمى...
ولما المحقق طلب منها موقف واحد يثبت كلامها، فضلت ساكتة ثواني طويلة، وماعرفتش تقول غير إني كنت برفض تدخلها في حياتنا، وبطلب منها تحترم حدود بيتي.
وبعدين قالت إن أحمد اتغير بعد الجواز، وبقى يسمع كلام مراته أكتر ما يسمع كلام أمه، وإن الدبدوب...
كان بس علشان أطمن على سلمى.
رفع المحقق عينه، وبصلها بمنتهى الهدوء، وسألها
وإنتِ كنتِ عايزة تطمني عليها من إيه؟
سكتت...
ولأول مرة من أول ما دخلت التحقيق، ما لقتش إجابة جاهزة.
فضلت باصة في الأرض ثواني، وبعدين قالت بصوت واطي يكاد ما يتسمعش
من إنها تبعد عننا.
الجملة دي فضلت ترن في وداني طول طريق الرجوع، وكل ما أفتكرها أحس إني بفهم الحقيقة أكتر، لأنها ما قالتش كنت خايفة عليها من خطر... ولا قالت كنت شاكّة إنها بتتعرض لأذى... كل اللي كانت خايفة منه إن حفيدتها تكبر ويبقى ليها بيتها، وأبوها وأمها، وحدودها اللي محدش له حق يتخطاها، وكأن سلمى كانت بالنسبة لها حق مكتسب، مش طفلة ربنا رزقنا بيها إحنا، وأمانة في رقبتنا إحنا.
بعدها التحقيقات كملت، وكل واحد فيهم اتسمعت أقواله، والأدلة كانت بتتكلم لوحدها، والقضية بدأت تاخد طريقها القانوني، لكن اللي كان بيحصل جوا بيتنا وقتها كان أصعب بكتير من أي ورقة أو محضر.
أحمد...
ما بقاش يعرف طعم النوم.
كل ليلة تقريبًا كان يصحى على الساعة اتنين أو تلاتة، يلف على الشبابيك، ويتأكد إن باب الشقة مقفول كويس، ويبص على الباب أكتر من مرة، وبعدها يروح يقف قدام أوضة سلمى، يبصلها وهي نايمة، ويقف يدعي ربنا في سره إنه يحفظها، وكأنه بيحاول يعوضها عن لحظة واحدة حس فيها إنه ما قدرش يحميها.
وفي ليلة، صحيت ملقتوش جنبي.
خرجت أدور عليه، فلقيته واقف قدام مصباح صغير على شكل دبدوب كانت سلمى اختارته بعد ما أخدوا الدبدوب الأول، وكان باصص له بشرود، كأنه بيحاسب نفسه على كل السنين اللي فاتت.
من غير ما يلف ناحيتي، قال بصوت كله وجع
كان المفروض أكون حاسم من زمان. .. كان المفروض أحط حدود من أول مرة اتدخلوا في حياتنا.
قربت منه، ومسكت إيده، وقلت بهدوء
إنت اتربيت طول عمرك على إن اللي كانوا بيعملوه طبيعي، وإن رضاهم أهم من راحتك.
هز راسه وقال وهو بيغمض عينه
وده مش عذر.
قلت وأنا ببصله
لأ... مش عذر، لكنه تفسير، وفي فرق كبير بين اللي بيفسر الغلط، واللي بيبرره، وإنت أول واحد وقف لما عرف الحقيقة، وأول واحد اختار يحمي بيته.
سكت...
لكن من نظرته عرفت إن فيه جروح عمرها ما هتخف بالكلام، وإن الإنسان ساعات بيحتاج يسامح نفسه قبل ما يعرف يكمل حياته.
أما سلمى...
فإحنا اتفقنا من أول يوم إننا مش هنحمل قلبها الصغير فوق طاقته.
ما حكينالهاش كل اللي حصل، ولا قولنالها عن التحقيقات، ولا عن المحاضر، ولا عن اللي اكتشفته الشرطة.
كل اللي قولناه إن الدبدوب كان جواه كاميرا، وإن مفيش أي كبير من حقه يخبي كاميرا جوه لعبة طفل، وإن جدو وتيتة غلطوا غلطة كبيرة، وعشان كده هيبقى فيه فترة مش هنشوفهم فيها لحد ما الأمور تهدى.
بصتلنا ببراءة وقالت
هما زعلانين مني؟
في اللحظة دي أحمد نزل على ركبته بسرعة، ومسك إيديها بين إيديه، وقال وهو بيبوس راسها
لا يا روح قلب بابا... إنتِ معملتيش أي حاجة غلط، والله ما ذنبك خالص.
بصتله تاني وسألته
أمال عملوا كده ليه؟
أحمد بصلي، وعرفت من عينه إنه مش لاقي الكلمات اللي تشرح لطفلة عندها ست سنين حاجة الكبار نفسهم مش قادرين يفهموها.
فقعدت جنبها، ومسحت على شعرها، وقلت بهدوء
عشان في ناس كبيرة ساعات بتغلط لما تفتكر إن الحب معناه إنها تسيطر على كل حاجة، لكن يا حبيبتي، ده عمره ما كان بسببك، وإنتِ ملكيش أي ذنب في اللي حصل.
فضلت سلمى ساكتة شوية، وكأنها بتحاول تستوعب الكلام بطريقتها الصغيرة، وبعدين قالت جملة وقعت على قلبي كأنها حجر
يبقى أنا مش عايزة أي هدايا مفاجئة تاني.
وساعتها...
حسيت إن بنتي اتعلمت درس أكبر بكتير من سنها، درس كنت أتمنى يفضل بعيد عنها سنين طويلة، لكن الحمد لله إن ربنا كشف الحقيقة قبل ما تتحول براءة لعبة صغيرة... لوجع كان ممكن يفضل معاها
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات