بقلم امانى سيد ابو ولادى الفصل الثانى

 


حبها وبيتها. مش عارف إني كبرت، وإني في التلات سنين دول اتولدت من جديد، وعرفت قيمتي وقيمة نفسي، وعرفت إن ولادي محتاجين راجل بجد يسندهم، مش خيال مآتة بيفتكرهم بالريموت كنترول وقت ما يحب.

فوقت من أفكاري على صوت خطوت ولادي في الطرقة. بصيت لهم وهم داخلين عليا بضحكتهم الصافية، وببراءة سألوني في إيه يا ماما؟ بابا قالك إيه؟
حسيت بغصة في حلقي، بس بلعتها بسرعة ورسمت على وشي ابتسامة قوية. مكنش ينفع يشوفوا في عيني أي انكسار. بصيت في عيونهم وقولت في بالي وعز جلال الله يا ابن الناس، ما هتشوف المرة دي الست الضعيفة اللي كنت بتلعب بدموعها. أنت جاي وفاكر إنك داخل تفرض شروطك وتكسر مناخيري بكلمتين الاستعلاء بتوعك.. بس أنت هتيجي تلاقي سد منيع، تلاقي ست تمنها غالي قوي، ومبقاش يرضيها فُتات من وقتك ولا من حياتك. وزي ما قولتلي أعلى ما في خيلك اركبيه.. أنا بقى هوريك خيلي أنا هتوصلني لفين!
قومت من مكاني ودخلت المطبخ أعمل لنفسي كبّاية شاي دافي، كنت محتاجة أي حاجة تهدّي النار اللي قايدة في صدري. وقفت قدام البوتاجاز وأنا بتابع حركة المية وهي بتغلي، وحسيت إن الغليان ده هو بالظبط اللي بيحصل جوايا. تلات سنين كاملين وأنا عاملة زي الهدوم المركونة في الدولاب، مستنية فرج ربنا، ومستحملة نظرات الشفقة من القرايب، والأسئلة المخنوقة في عيون ولادي. تلات سنين وأنا بدفن شبابي بالحيا عشان المركب تمشي، وهو كان عايش دور العازب اللي ملوش رابط ولا ضابط، ودلوقتي فجأة افتكر إنه رب عيلة وله بيت وعايز ييجي يمارس عليا دور السيادة!
سمعت صوت عربية بره في الشارع، قلبي انقبض للحظة وقولت مش معقول يكون جه بالسرعة دي!، بس لما ركزت لقيتها عربية حد من الجيران. أخدت نفس طويل وطلعت قعدت وسط ولادي في الصالة. كنت ببص لهم وهم بيذاكروا وبيتكلموا، وبقول في بالي العيال دول كبروا طول تلات سنين من غير ما يلمحوا ضله في البيت، كبروا وأنا الأب وأنا الأم، وأنا اللي بتابع وبشيل وبحل المشاكل. جاي دلوقتي يقول راجل غريب يدخل على ولادي؟. طب ما أنت كنت غريب عنهم تلات سنين يا ابن الناس! الغريب مش اللي ملوش صلة دم، الغريب هو اللي هان عليه لحمه ورمى ولاده للدنيا ومسألش فيهم.
المشكلة إنه مش باصص غير لنفسه، مش شايف غير كبريائه اللي اتهز لما عرف إن في احتمال ييجي راجل تاني ياخد مكانه ويصلح اللي هو أفسده. التفكير المريض ده هو اللي مخليه مش شايف الحقيقة؛ فاكر إن الدنيا لسه واقفة في يوم ما سابنا ومشي. مش قادر يستوعب إن المركب مشيت من غيره، وإننا اتعلمنا نعوم في البحر الغريق اللي رمانا فيه، ودلوقتي لما وصلنا للشط وجايين نتنفس، عايز يرجع يغرقنا تاني في أنانيته وتحكماته.
بصيت في الموبايل اللي كان محطوط على الترابيزة قدامي، وكأني مستنية رسالة تانية منه أو مكالمة يكمل فيها وساخته واستفزازه. مسكته ودخلت على الشات بتاعه، كنت عايزة أكتبله كلام يوجعه، كلام يخليه يعرف حجمه الحقيقي في حياتنا دلوقتي. كتبت أنت ملكش مكان هنا، والبيت ده اتقفل في وشك من يوم ما بعتنا عشان نزوتك، بس قبل ما أدوس إرسال، مسحت الكلام كله. قولت لنفسي لأ، الكلام مع اللي زيه خسارة، والاستفزاز بالرسائل هيخليه يحس إنه لسه مؤثر عليا وإنه لسه قادر يحرك مشاعري حتى لو بالغل. الزهد هو أعلى درجات العقاب، وأنا هسيبه ييجي، هسيبه يخبط على الباب وهو فاكر إنه الداخل المنتصر، وعايزة أشوف وشه لما يتصدم بالواقع الجديد.
التفتّ لولادي وقولتلهم بنبرة هادية بس ثابتة بابا كلمني وبيقول إنه جاي يزوركم. العيال سكتوا وبصوا لبعض، ومكنش في عيونهم الفرحة اللي أي عيل بيشوفها لما يعرف إن أبوه جاي بعد غياب؛ كان في عيونهم علامات استفهام، ووجل، كأنهم ضيوف مستنيين حد غريب يدخل عليهم. المنظر ده كسر قلبي بس قسّاني أكتر، وأكدلي إن طريقي اللي بدأته مش هيرجعني فيه لا تهديد ولا وعيد. يا أنا يا هو في الأيام اللي جاية، وكرامتي اللي عشت أحميها تلات سنين، مش هفرط فيها عشان ليلة سخرية ولا كلمتين برود من شخص مبيعرفش يعني إيه مسئولية ولا يعني إيه بيت.
عشان كده كانت اول خطوه اللى ربيته بيها
مسحت المحادثة كلها من قدامي وأخدت نفس طويل، وعرفت في اللحظة دي إن الكلام ملوش أي لازمة، وإن المواجهة مع شخص بالعقلية دي والنرجسية دي في التليفون أو في الصالة عندي مش هتجيب غير حرق الدم. هو فاكر إنه ماسك كل الخيوط في إيده، ومطمن قوي لدرجة الاستهزاء، وفاكر إن مفيش ست تقدر تكسر كلمته أو تخرج برة طوعه.
بس أنا خلاص، الست اللي كانت بتخاف من كلام الناس ومن المحاكم ومن لقب مطلقة ماتت من تلات سنين.
قومت من وسط ولادي ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليا وبدأت أفكر بترتيب وعقل بارد، بعيد تماماً عن العاطفة أو الغل. قولت لنفسي هو جاي وفاكر إنه هيدخل البيت يفرض شروطه ويقسم الأسبوع على مزاجه؟ لاء، ده بُعده. أنا مش هستناه لما ييجي يمارس عليا الأستاذية بتاعته، ولا هدخل معاه في خناقة يلم فيها علينا الجيران ويهز فيها صورتي قدام عيالي. أنا هتحرك في الساكت، ومن وراه.
فتحت الموبايل وكلمت قريبتي اللي كنت عارفة إنها بتتعامل مع محامي شاطر وكبير في قضايا الأحوال الشخصية. أخدت منها الرقم والعنوان، وكل ده وأنا حريصة إن نبرة صوتي تكون عادية ومفيش أي حاجة تبان عليا. اتفقت مع المحامي على ميعاد تاني يوم الصبح علطول.
الخطة في دماغي كانت واضحة وزي الشمس هرفع قضية طلاق للضرر. أنا معايا كل الأدلة اللي تثبت إنه هجرني وهجر ولاده تلات سنين، معايا رسايله اللي بيعترف فيها إنه متجوز وعايش حياته ومقصر في حقنا، ومعايا شهادة الشهود من أهلي ومن الجيران اللي عارفين إنه عتبة البيت دي مداسهاش من سنين. والأهم من كل ده، إني مش هنطق بحرف واحد قدامه.
مش هعرفه إني رايحة لمحامي، ولا هقوله إني هرفع قضية. هسيبه عايش في وهمه وغروره، فاكر إن الفيلم ده كله لعبة عشان أجرجله يرجعلي. لو عرف إني ناوية على المحاكم، هيبدأ يخطط ويفكر ويشيل الفلوس اللي في البنك أو يتهرب من النفقة، أو يروح يعمل حوارات ويلعب بالأوراق عشان يلوّي دراعي بالعيال. النرجسي لما بيحس بالخطر بيتحول لوحش ومبيسمّيش على حد، وأنا مش هيداله الفرصة دي أبداً عشان ياخد احتياطاته أو يسبقني بخطوة.
أنا هخليه ييجي، ويخبط، ويتكلم براحته ويهدد بأعلى ما في خيله.. وأنا هقابه بابتسامة باردة وهادية تقتله من جواها. هسيبه غرقان في ثقته المريضة لحد ما يصحى في يوم على إعلان المحكمة نازل فوق دماغه زي الصاعقة. وقتها بس هيعرف إن الست اللي استضعفها واستخف بوجعها تلات سنين، هي هي الست اللي هتنهي حكايته بالقانون، وبمنتهى الشياكة والنظافة
نمت الليلة دي وأنا حاسة براحة غريبة مكنتش حساها من تلات سنين. النوم هرب من عيني شوية، بس مكنش بسبب الخوف، كان بسبب الأدرينالين اللي بيجرى في عروقي وأنا برتب خطواتي في دماغي خطوة بخطوة. الصبح صحيت بدري، جهزت فطار العيال ونزلتهم، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميكب خفيف يخبي إرهاق السنين، وكنت ببص لنفسي في المراية وبقول يا واد يا ثقيل، جه اليوم اللي هتاخدي فيه حقك وتنهي المهزلة دي.
وصلت مكتب المحامي في الميعاد بالظبط. دخلت وكنت متخيلة إني هبقى متوترة، بس لقيت نفسي بتكلم بمنتهى الثبات والقوة. حكيتله الحكاية من طقطق لسلام عليكم؛ عن جوازه، وعن هجره لينا تلات سنين، وعن الرسايل والمكالمة الأخيرة اللي قالي فيها أعلى ما في خيلك اركبيه. المحامي كان بيسمع وهو بيهز رأسه ويدون الملاحظات، وفي الآخر ابتسم وقالي متقلقيش يا مدام، موقفك القانوني قوي جداً. طالما اتجوز عليكي وإنتي رفضتي الوضع، ومعانا إثبات الهجر والتقصير في النفقة، قضية طلاق للضرر مضمونة بإذن الله. بس أهم حاجة زي ما اتفقنا مش عايزينه يحس بأي حاجة لحد ما الإعلان يوصله في إيده.
طمنّي كلامه وخلاني أحس إن القانون واقف في ضهري. دفعتله الأتعاب وطلعت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة، كأن جبل كان كاتم على نفسي واتشال.
رجعت البيت، ومفيش ساعتين ولقيت جرس الباب بيرن برنة كلها غشم واستعلاء. قلبي
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات