بقلم امانى سيد ابو ولادى الفصل الثالث

 


دق، بس المرة دي عرفت أتحكم في ملامحي تماماً. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي بكامل أناقته، والابتسامة السخيفة والغرور مالين وشه، وكأنه داخل قصر فتح خيبر. دخل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وقال بنبرة كلها ثقة أهو أنا جيت يا ستي، جهزتي نفسك وظبطي أمورك ولا لسه؟

بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله أهلاً يا ابن الناس، نورت.. ادخل اقعد علبال ما أعملك حاجة تشربها.
اتصدم من هدوئي، كان متوقع إني هعيط، أو هصرخ في وشه، أو على الأقل هعاتبه على السنين اللي فاتت. مكنش فاهم إن السكوت ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن الابتسامة دي مش رضا، دي ابتسامة الشماتة في المغفل اللي مش دريان إن حبل المشنقة القانونية بدأ يلف حوالين رقبته. دخل قعد وهو حاطط رجل على رجل ومطمن لآخره، وأنا دخلت المطبخ وأنا بقول في بالي عيش اللحظة يا سيّد الناس، واشبع بغرورك كام يوم دول.. لحد ما المحضر يخبط على بابك ويفوقك من الوهم اللي أنت عايش فيه!
طلعت من المطبخ شايلة صينية الشاي، وبمنتهى الثبات حطيتها قدامه. قعدت على الكنبة اللي في الوش، وربعت إيدي وأنا ببص له ونظراتي ثابتة في عينه. هو أخد كباية الشاي، ورجع ضهره لورا بكل غطرسة، وبدأ يتكلم بنغمة الصوت اللي كان متخيل إنها هتكسرني
أهو أنا جيت وجنبك يا ستي.. قوليلي بقى، إيه موضوع الطلاق والجواز اللي كنتِ بتهرتلي بيه في الرسائل؟ لسه برضه مصممة على الأوهام دي، ولا عقلتِ وعرفتي إن مالكيش غير بيتك وجوزك اللي هيستر عليكي وعلى عيالك؟
كنت سامعة الكلمات وهي طالعة من بقه مليانة سم واستحقار، بس العجيب إني متهزتش. بالعكس، كنت ببص له وأنا حاسة بشفق عليه! الراجل ده عايش في غيبوبة نرجسية مخلية مش شايف غير خياله. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقولتله بنبرة هادية جداً
والله يا ابن الناس، أنت قولت اللي عندك وأنا سمعتك.. ودلوقتي أنت جيت، يعني خلاص مفيش داعي للكلام والكلام المعاد.
بصلي باستغراب، عينيه كانت بتدور في الوش عايز يلمح أي أثر للكسرة أو الغل، بس لقى جبل واقف قدامه. هدوئي ده جننه ولخبط كل حساباته، مكنش ده رد الفعل اللي مرتبه في دماغه. هو كان جاي مستني ست بتعيط وبتندب حظها، أو ست بتخانق عشان تاخد منه يوم زيادة في الأسبوع. لما لقاني باردة ومش مدياله حجم، بدأ يتوتر، نزل رجله من فوق الرجل التانية وقال بحدة
هو إيه اللي مفيش داعي للكلام؟ إنتي فاكرة الموضوع بمزاجك؟ أنا قولتلك التقسيمة اللي هتمشي من هنا ورايح، تلات أيام هنا وأربعة هناك، والعيال دول خط أحمر، راجل غريب مش هيدخل عليهم سامعة ولا لأ؟
هزيت رأسي بالراحة وقولتله سامعة.. سامعة كل كلمة بتقولها. قومت من مكاني بكل هدوء وقولتله اسيبك بقى تشرب شربك براحتك، وادخل أشوف العيال عشان وراهم مذاكرة.
سيبته قاعد في الصالة لوحده بياكل في نفسه من الغيظ، ودخلت أوضة ولادي. قفلت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفس طويل وببتسم من كل قلبي. المحامي قالي الصبح إن الأوراق هتتجهز في خلال أيام، والإعلان هيروح له على بيته التاني وعلى مكان شغله عشان نضمن إنه يستلمه بنفسه.
بصيت لولادي وهم قاعدين على مكتبهم، وقولت في سري خلاص يا حبايب قلبي.. هانت قوي. الكابوس ده هيتهي، والراجل اللي فاكر نفسه إله بيتحكم في مصايرنا، هيفوق على قلم القانون اللي هيجيبه الأرض. خليه يعيش الكام يوم دول في دور العنتر اللي مفيش منه.. مسيره يعرف إن الله حق، وإن الست اللي هانت عليه تلات سنين، هي اللي هتكتب سطر النهاية في غروره ياترى رد فعله ايهولما يعرف
مرت الأيام وهو عايش في وهمه، بييجي يومين في الأسبوع يدخل البيت كأنه فندق، يتعامل بتعالي وبرود، وفاكر إن السكوت بتاعي ده علامة استسلام وإني خلاص اتلميت ورضيت بالأمر الواقع. مكنش يعرف إن السكوت ده كان السكون اللي بيسبق العاصفة، وإني كنت بعدّ الأيام والثواني مستنية اللحظة اللي المحامي قالي عليها.
وفي يوم، كان قاعد في بيته التاني، وسط حياته اللي اختارها، مطمن لآخره ومرتاح البال.. لحد ما جرس الباب رن.
فتح الباب وهو مربع إيده، لقى المحضر واقف قدامه وبيقوله بمنتهى الرسمية حضرتك الأستاذ فلان؟ اتفضل استلم إعلان دعوى طلاق للضرر مرفوعة من مدام أماني سيد.
في اللحظة دي، الدنيا لفت بيه. الصدمة نزلت على وشه كأنها قلم فّوقه من غيبوبة تلات سنين. المحامي حكالي بعد كده إن ملامحه اتخطفت تماماً، الضحكة الساخرة والبرود اللي كان بيقابلني بيهم اتمسحوا في ثانية، وحل مكانهم ذهول ورعب حقيقي. عينيه كانت بتتحرك على الورق وهو مش مصدق السطور اللي قدامه.. كلمة طلاق للضرر كانت بتضرب في نرجسيته وكبريائه ميت قلمين.
مشاعره في اللحظة دي كانت خليط من الغل الأعمى والإحساس بالإهانة. هو؟ سيّد الناس؟ الراجل اللي قال أعلى ما في خيلك اركبيه، تطلع الست اللي مستضعفها وراكنها على الرف وتسبقه بخطوة؟ وتججره في المحاكم من غير ما تديله علم؟ حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه، وغروره اتمهك تماماً في الطين. التفكير المريض اللي كان مخليه يفسر طلبي للطلاق على إنه حيلة عشان يرجعلي اتقلب عليه، وعِرف إنه كان مغفل، وإن الست اللي سابها تلات سنين مكنتش بتموت في غيابه، دي كانت بتبني سجن قانوني تقفل بيه صفحته للأبد.
تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت اسمه. المرة دي مكنش بيتصل ببرود، التليفون كان بيزن بهستيريا، كأنه عيل صغير تاه في الضلمة. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة وعشرة ومردتش. كنت شامة ريحة شياط كبريائه من ورا الشاشة.
لما زهق، بعت رسالة طويلة كلها شتيمة ووعيد، بس نبرة الخوف والتهديد الفاضي كانت واضحة بين السطور إنتي بتلعبني يا أماني؟ بترفعي عليا قضايا ومحاكم من ورايا؟ وعزة جلال الله لأسففك التراب وأحرمك من العيال!
مسكت الموبايل، وبكل برود الدنيا، بعتله رسالة من كلمتين اتنين بس
أعلى ما في خيلك اركبه.. ونقعد في المحكمة يا ابن الناس.
قفلت الموبايل وأنا باخد نفس عميق، وحسيت بنصر ملوش مثيل. الراجل اللي دخل بيتي من كام يوم وهو حاطط رجل على رجل وفاكر نفسه بيمّ عليا بوجوده، قاعد دلوقتي بياكل في نفسه من الغيظ، وشه أحمر، وعروقه بارزة، ومش عارف ياخد احتياطاته ولا يهرب فلوسه لأن الفأس وقعت في الرأس خلاص. القضية اتسجلت، والأدلة اتثبتت، وهو دلوقتي في نظر القانون مدعى عليه، بعد ما كان فاكر نفسه الآمر الناهي. دورت وشي لولادي، وبستهم، وقولت لنفسي النهاردة بس.. حقي وحقكم بدأ يرجع.
الرسالة دي كانت بمثابة رصاصة الرحمة اللي نسفت البقية الباقية من ثباته المزيف. تخيلت شكله وهو بيقرأ الجملة اللي هو نفسه قالهالي من كام يوم، وهي بتترد له زي السهم في قلبه. النرجسي مبيستحملش حد يغلبه بلعبته، ومبيقدرش يعيش في دور الضحية اللي القانون هيحاسبها، هو متعود دايما يكون القاضي والجلاد.
تليفونه مبطلش رن طول الليل، بعت قرايب وأصحاب، وناس مكنتش بشوف وشهم من سنين فجأة افتكروا إن لينا بيت وعيال، وبدأوا يتدخلوا ويقولوا عيب يا أماني، المحاكم بتخرب البيوت، والراجل شاري وعايز يرجع ويعدل. كنت برُد بكل برود وكلمة واحدة البيوت اتخربت من تلات سنين مش من النهاردة، والكلام بقا مع المحامي.
لما لقى كل المحاولات دي فشلت، وجِه ميعاد الجلسة الأولى، جِه بنفسه المحكمة. كنت واقفة مع المحامي بتاعي في الطرقة مستنيين دورنا، ولمحته جاي من بعيد. ملامحه كانت متغيرة تماماً، الوش المبتسم المستهزئ اختفى، وحل مكانه وش باهت، وعيون مليانة غل وقلق في نفس الوقت. كان بيحاول يمشي وسط الناس بنفس الهيبة القديمة، بس خطوته كانت مهزوزة.
أول ما وصل عندي، وقف وربع إيده وقال بصوت واطي ومخنوق عشان محدش يسمع
برافو يا أماني.. برافو عليكي، لعبتيها صح وضبطتيها من ورايا. فاكرة نفسك كسبتي؟ المحاكم دي حبالها طويلة، وأنا هقعدك فيها سنين وموراياش حاجة، والطلاق ده مش هتنوليه غير لما تطلعي من المولد بلا حمص!
بصيت في عينيه مباشرة، ومفيش أي شعور بالخوف جوايا، بالعكس، كنت حاسة إني ببص لشخص غريب تماماً ملوش أي سلطة عليا. قربت منه خطوة وقولتله بنبرة واطية بس حادة وزي الموس
الحبال الطويلة دي أنا قعدت فيها تلات سنين لوحدي مع ولادك يا ابن الناس، يعني متعودة على النفس الطويل. أما بخصوص الحمص.. فأنا كسبت
تابع الفصل التالى من هنا
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات