رواية جاريتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة مجدي

 


كان حذيفة جالسًا يشاهد التلفاز بعد أن أنام أواب في سريره. ظل يفكر ويتذكر أشياء متفرقة من حياته مع ماري. حين قابلها أول مرة، كان قد لمح بها شبهًا من جودي بشعرها الذهبي الطويل وعينيها التي كانت تشبه العسل. ابتسم في داخله وهو يتذكر مجنونته زيردة الصغيرة وكم كانت تناكفه. وكيف سافر وهي تخاصمه. لقد طلبت منه ألا يسافر. أرادته بجانبها ولكنه لم يستطع، كان لابد من سفره لأكثر من سبب.

الأول: الهروب من تلك المشاعر التي تتملكه لصغيرته الخرقاء. هو لا يستطيع خسارة سفيان والسيدة نوال مهما حدث. ثانيًا: حتى يكمل حلمه ويعود ومعه الدكتوراه من أشهر جامعة أجنبية. لكنه من وقت ركوبه الطائرة وهو لا يرى غير عينين الصغيرة الباكية ورفضها أن تودعه، وصوت بكائها العالي في غرفتها قبل سفره بيوم واحد. كان يجلس مع سفيان والسيدة نوال، فهم الأقرب إليه بعد وفاة والدته وزواج والده ورجوعه لبلدهم.

استمع لصوت بكائها. قطب جبينه حين وقف سفيان ليذهب لها ويرى ما سبب ذلك النحيب. أشارت له السيدة نوال بالانتظار وتحركت هي إليها. كان يشعر من داخله أنه هو سبب كل ذلك البكاء. وتأكد من ذلك حين ذهب لتوديعهم قبل سفره مباشرة، حين رفضت أن تقترب منه خطوة أو تقول له جملة. عيناها مملوءة بالدموع ونظرة عينيها كلها لوم. حين وصل إلى تلك البلد، ذهب مباشرة إلى المكان الذي أعطاه له أستاذه في الجامعة حتى يستطيع السكن فيه.

ومن الصباح الباكر كان في الجامعة. وهناك رآها تقدم سريعًا كأنه يلحق بسراب يخشى أن يختفي. ولكنها لم تكن هي، هي مجرد فتاة أجنبية ولكن بها لمحة من محبوبته الصغيرة. تعرف عليها ووجد فيها عقلاً واعيًا، صديقة وفية. وبعد بعض الوقت شعر بها قلبه في محاولة لنسيان حب من الصعب الوصول إليه. تزوجها وكانت أسعد أيام حياته تلك السنة الأولى حتى اكتشفت ماري أنها حامل.

حين أخبرته بحملها، كاد يطير فرحًا. ما أجمل تلك المفاجأة. ولكنها صدمته بأنها تريد الإجهاض. قالت له بكل برود: "أنا لا أريده." نظر إليها بعدم فهم ثم قال: "ماذا تقولين؟ أجابت ببرود: "أريد أن أجهضه." شعر بالدم يفور في عروقه غضبًا وهو يقول: "هل جننت؟ مستحيل أقبل ما تقولين." لتقول له بهدوء بارد: "لن أضيع حياتي من أجل خطأ كهذا." قال بزهول: "خطأ؟ أنا لا أصدق. لماذا؟

وأنا وأنت نحب بعضنا كثيرًا. نحن زوجين جيدين، ما المشكلة في وجود طفل؟ كتفت يديها أمام صدرها وهي تقول: "أنا لا أريده. أنا ما زلت صغيرة وأريد أن أحيا بجنون وأن أتمتع بحياتي. وذلك الطفل سوف يعيق كل أحلامي." ظل ينظر إليها باندهاش غاضب وصدمة ثم قال: "حسنًا، لنعقد اتفاق." لتقول ببرود: "ماذا؟ ليجلس ويضع قدمًا فوق الأخرى وقال: "أنا أريد الطفل. حين يولد سوف أخذه أنا. ما رأيك؟ لتقول ببرود قاتل: "حسنًا، اتفقنا."

فاق من ذكرياته المؤلمة على صوت هاتفه. ابتسم حين وجد اسم صديقه. "يا أهلا." استمع لصوت صديقه الذي شعر في صوته بالضيق. "إيه يا ابني مالك؟ صمت قليلًا ثم قال بصوت عالٍ: "إيه اتجوزت؟ إيه يا ابني سلق البيض ده؟ أنت مش قلت كمان شهر؟ اعترف وقولي أنت غلطت معاها ولا إيه؟ أظن الحكاية فيها إنّ على فكرة." صمت قليلًا ثم ضحك بصوت عالٍ وهو يقول: "طيب خلاص خلاص أنا آسف. كنت بهزر يا أخي. أنت إيه مبتهزرش؟

على العموم يا سيدي مبروك على فكرة." صمت لبعض الوقت ثم قال: "خلاص بكرة إجازة. إيه رأيك نوال حبيبتي تعزمني على الغدا؟ نفسي أوي في مكرونة بالباشاميل وبامية باللحمة الضاني. يا سلاااام." استمع لرد صديقه ثم ضحك بصوت عالٍ وقال: "يا ابني راعي إني راجل وحداني وابني يتيم. محتاجين حد يعطف علينا بوجبة دسمة." استمع لكلمات سفيان ثم قال وهو يضحك من جديد: "طول عمرك أبو الكرم يا صاحبي. بكرة هتلاقيني عندك من النجمة على فكرة. سلام."

وأغلق دون أن يستمع لكلمات سفيان الحانقة. ظل صهيب طول الليل يفكر في كلمات والده. هو يعلم جيدًا حب زهرة له، وهو أيضًا يعشقها منذ صغرهم. كم تشاجر مع أصدقائه بسببها. وأيضًا أولاد الجيران. أنه يكبرها بخمس سنوات. كانت وهى صغيرة تجلس بجانبه وهو يدرس بالساعات دون أن تصدر صوت أو تمل. كانت دائمًا تراقبه في صمت. كان يلاحظ عليها بعض التصرفات التي تشبه تصرفاته هو. كان يستمع دائمًا لكلمات والدته وزوجة عمه يقولون:

"زهرة بتقلد صهيب في كل حاجة. تحسيها كده ظله." كان دائمًا يراها كظله ملتصقة به تقلد كل حركاته. حتى أتى الوقت الذي لم يعد بمقدورهم البقاء سويا طوال الوقت، ووضعت الموانع والعادات والدين بينهم. ولكن في أي وقت يلتقي بها يجدها ما زالت متمسكة بتلك الأشياء التي تعلمتها منه.

تنهد بصوت عالٍ يشعر بالخوف حقًا. لا يعرف ماذا عليه أن يفعل. تحرك من على ذلك الكرسي الذي كان جالس عليه من وقت تحدثه مع والده واتجه إلى السرير. جلس على طرفه ومد يده للكومود ليفتح الدرج. ظل يبحث بيده قليلًا ثم أخرج سلسال فضي. كان لها ذات يوم، وكانت دائمًا تفقده وهو يجده. وفي آخر مرة فقدته كالعادة وظلت تبحث عنه طويلًا. كان هو يمسك به من البداية ولكنه اقترب منها سائلًا: "بدوري على إيه يا زهرة؟ قطبت جبينها وجعدت

أنفها كالأطفال وقالت: "السلسلة بتاعتي ضاعت تاني. وبدور عليها." رفع حاجبه وهو ينظر إليها: "تاني؟ هو أنت مبتعرفيش تحافظي على حاجتك أبدًا؟ تجمعت الدموع في عينيها وقالت: "والله القفل بتاعها بايظ. علشان كده على طول بيقع. أنا مش مهملة." اقترب خطوة أخرى وهو يقول: "طيب يا زهرة أنا هلاقيهالك كالعادة يعني. بس المرادي مش هديهالك. هخليها معايا أصلحلها القفل. ماشي؟ ابتسمت في سعادة وقالت:

"موافقة​‌‍⁠ جدًا. أصلًا طالما هو معاك كأنه معايا." ومن وقتها وظل السلسال معه. أصلح له القفل لكنه لم ير زهرة بعينيه من جديد حتى يعطيها السلسال. رفع قدميه من الأرض وتمدد على السرير وهو يقول: "بكرة هتكلم معاها بصراحة ضروري."

ظل سفيان جالسًا على الكرسي في غرفته ينظر إلى تلك النائمة بعد بكاء مرير وذكريات مؤلمة. هي لم تنم في الواقع، هي فقدت وعيها من كثرة البكاء. لم يستطع تخطي ما قالته تلك الطفلة البريئة، صغيرته اللذيذة. ما قالته صدمة لا يستطيع عقله استيعابها في أبعد خياله. لم يتوقع أن يستمع لتلك الكلمات منها. أن تكون مرت بكل ذلك. كيف يصدق أن حبيبته تعرضت لمحاولة اعتداء جنسي وحشي كادت أن تنهي حياتها ومن والدها. هو لا يصدق.

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات