كان سفيان جالسًا على الكرسي ويضع رأسه بين يديه، يتذكر كلماتها المتألمة والجريحة. كانت كلماتها كخنجر تقطع قلبه وتمزق روحه. تذكر بداية حديثهم. كان ينظر لها بتركيز وقال: -أنتِ إيه؟ أنتِ مهيرة الكاشف، بنت أغنى رجل أعمال. ليه بتعملي كده؟ ليه؟ نظرت إليه وعيناها تمتلئ بالدموع وقالت: -حقيقي عايز تعرف؟ حقيقي يهمك؟ ليه؟ ده أنت اشتريتني عمياني. هيفرق معاك الماضي في إيه؟ أبويا باعني، يبقى أنت هتكون شاري. ليه الاهتمام؟
كانت نظرات الذهول والاندهاش من تلك الكلمات تملئ عيني سفيان. كان يتألم من أجلها، ولكنها لم تنتبه له وأكملت كلماتها بمرارة ووجع: -عايز تعرف الجارية اللي باعها لك أبوها تاريخها إيه؟ عايز تعرف إيه؟ عايز تعرف إنه هو السبب في الإعاقة اللي عندي وخلتني ناقصة عن كل البنات؟ عايز تعرف إنه حرمني من أمي طول عمري؟ عايز تعرف إنه ديماً كان بيضربني؟ عايز تعرف إني بخاف منه وبترعب؟
وهو عمره ما حسسني إنه أبويا. عمره ما طبطب عليا ولا أخدني في حضنه. عمري ما حسيت بالأمان وهو موجود. عمره ما كلمني كويس إلا لو عايز حاجة. مصلحته أهم من كل حاجة وأي حد. عايز تعرف؟ أنا هعرفك.
جلس سفيان على الكرسي الجانبي، كان يشعر أن ما سيسمعه الآن ليس أمرًا هينًا أبدًا. نبرة صوتها، حركاتها الهستيرية، وصوتها العالي، كل ذلك يدل على أنها تتألم بقوة. أراد أن يدعمها، أن يأخذها بين ذراعيه، ولكنه لا يستطيع. لكنه نظر إليها بتركيز وتشجيع حتى تتكلم بحرية وراحة. توجهت إلى زاوية الغرفة وجلست أرضًا وهي تضم قدميها إلى صدرها وأغمضت عينيها. صوت أنفاسها عالٍ. صمتت قليلاً ثم قالت:
-كنت لسه صغيرة. صحيت من النوم ومش عارفة أرجع أنام تاني. وفي الوقت ده كنت برسم. كنت ديماً برسم ملامح أمي، وكان ديماً كل ما يشوفها يقطعها. وأرجع أرسمها تاني. كنت ديماً بحاول أخبي الرسومات، لكن لما كان يدخل الأوضة وأنا برسم، يتنرفز ويتعصب ويضربني ويقطعها. فتحت عينيها ودموعها تغرق وجهها، قالت بصوت متقطع:
-كنت بستخبى منه في الأوضة ديماً. في يوم كنت صاحية بليل وسمعت صوت عربيته. طفيت النور ووقفت جمب الشباك. شفته نازل من العربية وواحدة ساندّاه. معرفهاش، أول مرة أشوفها. لبسها غريب، مكشوف أوي. دخلوا القصر وطلعوا الأوضة بتاعة بابا. خرجت من الأوضة براحة ووقفت ورى الباب. لأول مرة أعملها. فضول طفلة لسه تمّت العشر سنين من أسبوعين. وسمعت أصوات غريبة، أصوات تؤوهات وكلام غريب مفهمتوش. خوفت وجريت رجعت أوضتي وكنت حاسة بقرف إن اللي بيحصل ورا الباب ده قرف. ومن بعد اليوم ده، كل يوم. كل يوم واحدة. كل يوم كل يوم كلام غريب وأصوات بشعة تخليني خايفة، خايفة جدًا.
ونظرت له وهي تقول: -أنا ما وقفتش ورا الباب تاني. هما ساعات. ساعات ما كانوش بيدخلوا الأوضة. كانوا بيعملوا كده في صالة الدور الثاني. لحد في يوم، بعد ما بابا رجع هو والست اللي بتيجي معاه، حسيت إني عطشانة. نزلت للمطبخ أجيب ميه. سمعت دوشة جامدة جدًا وحاجات كتير كانت بتتكسر.
كانت تشير بيديها ودموعها تنهمر أكثر وأكثر. وبدأ صوتها يتحشرج. وجسدها يهتز خوفًا. كان سفيان يراقبها وهو قلق عليها، خائف من انهيارها. وقف سفيان ليتقدم منها وجلس أمامها على ركبتيه وقال: -أهدي يا مهيرة، أهدي. خلاص بلاش تكملي. صرخت به وهي تقول: -لأ، هكمل. وأنت هتسمع. هتسمع للنهاية. هتسمع. أشار لها بيده لتهدأ وبدأت تكمل:
-قربت من باب المطبخ أشوف بيحصل إيه. لقيت بابا نازل بسرعة وهو ماسك الست اللي كانت معاه من شعرها وعمال يضربها ويجرجرها في الأرض وهو بيشتمها. ورماها بره باب القصر وفضل يقول كلام كتير أول مرة أسمعه. وبعدين. وبعدين. صدرت عنها شهقة عالية ثم قالت: -وهو راجع. وهو وهو راجع لمحني. رجعت استخبى ورا الباب، لكن هو كان شافني. شافني. دخل المطبخ جابني من ورا الباب من شعري. رفعت عينيها إليه وهي تقول:
-فضل يضرب فيها جامد ويشتمني ويقول كلام غريب. وقال على أمي خاينة وإنها عمرها ما قدرت حبه ولا كانت تستهله. وبعدين بدأ. بدأ يبوسني. ويقطع عني هدومي. فضلت أصرخ وأصرخ وأصرخ بس مفيش حد سمعني. الخدم كلهم بيباتوا في الملحق البعيد. وهو مش عايز يسبني. كنت بترجاه وأصرخ وأناديه. كنت صغيرة، كنت صغيرة أوي يا سفيان. مكنتش عارفة أدافع عن نفسي وهو بيلمسني في كل حتة. كانت دادة دايماً تقولي قولي دايماً يارب. فضلت أقول يارب يارب يارب يارب.
كانت حركتها زادت وعينيها تزداد اتساعًا ودموعها لا تتوقف. أكملت كلماتها الصارخة: -لمحت السكينة موجودة على الرخامة. مسكتها وضربته بيها مرة ومرة ومرة. بعد عني وهو بيتألم وبيصرخ. ساعتها طلعت أجري على أوضتي. وأنا خايفة موت. كنت فاكرة إني موته. فضلت حابسة نفسي في الأوضة وأنا خايفة. كنت عايزة أمي تبقى جنبي تحميني. أو دادة زينب. لكن كنت لوحدي.
جلست على ركبتيها وهي تمسك مقدمة ملابسه وهي تصرخ فيه ووجهها يزداد احتقانًا من كثرة البكاء، عيناها خائفة زائغة وهي تقول: -أنا مليش حد. أنا مفيش حد بيحبني. مفيش حد عايزني. أنا لوحدي يا سفيان، لوحدي. حتى جوازي اتغصبت عليه. لالالا. اتبع. هو قالي. هو قالهالي. وقفت وهي تكمل بصوت عالٍ: -قالي احمدي ربنا إن حد زي سفيان وافق يتجوزك. أنتِ معاقة فاشلة مالكيش لازمة. ده لو كان طلبك خدامة كنت وافقت وأنا مرتاح لأن هو ده كبيرك.
تحركت خطوتان للأمام ثم عادت بنظرها إليه. كانت تترنح في وقفتها وقالت: -أنا ولا حاجة يا سفيان، ولا حاجة. وسقطت مغشيًا عليها. وبسرعة كبيرة تلقفها سفيان بين يديه. استفاق من أفكاره على صوت أناتها. فوقف بجانبها ووضع يده على رأسها ليطمئن على حرارتها. تنهد براحة حين وجدها طبيعية. لكن لما كل ذلك العرق؟
ثم أخذ بعضًا من المناديل الورقية ومسح على جبينها آثار العرق. وجلس بجانبها يتأمل ملامحها البريئة الحزينة. أمسك يدها بين يديه وقربها من فمه وقبلها بتقديس وقال وهو ينظر لها: -أوعدك أنسيكي كل اللي فات. وأيامك اللي جايه كلها فرح وسعادة. وحياة حبك في قلبي، لعيش عمري اللي جاي كله ليكي وبيكي. وربنا يقدرني وأقدر آخد حقك من اللي ظلمك.
كانت السيدة نوال وجودي جالستين في صالة منزلهم حين استمعوا لصوت مهيرة وسفيان. كانوا في حالة ذهول مما سمعا. تلك الفتاة الرقيقة تعرضت لكل ذلك. كل ذلك الألم والوجع. كل تلك الندبات بروحها. إنها حقًا مسكينة. مرت بكل ذلك الألم وما زالت صامدة تحاول العيش. نظرت السيدة نوال إلى ابنتها وقالت: -جودي، ولا كأننا سمعنا حاجة. لا مهيرة تعرف ولا حتى سفيان. لو حست لحظة إننا عارفين هتتكسف جدًا ومش هتقدر تعيش معانا براحتها.
تنهدت جودي بصوت عالٍ وهي تقول: -أكيد طبعًا يا ماما. هو ده كلام يتقال. الله يكون في عونها. ده أنا من التخيل بس حسيت إن قلبي هيقف. ربنا يعين سفيان ويقدره إنه يعوضها عن كل اللي شافته. آمنت السيدة نوال على كلمات ابنتها وهي تدعو في سرها أن يقوي تلك الفتاة وأن تجد السعادة بجانب ابنها.
ظل سفيان جالسًا على كرسيه طوال الليل بجانب مهيرة قلقًا عليها، ويداها بين يديه. ومن وقت لآخر يقبل خديها ويعتذر لها. لا يعلم لماذا يعتذر بالتحديد، لكنه يشعر أنه مسؤول عن كل ما حدث. يلوم نفسه، لا يعرف لماذا، لكنه يشعر بالذنب. نظر إليها، ملامحها البريئة، ظل يتأملها حتى غلبه النوم وهو يحتضن يديها ووضع رأسه على طرف السرير.
سطع ضوء النهار وعلت الشمس السماء تنير الكون وأرواح كل البشر تذهب هم الليل وتمحي الألم من كل شيء حولها.
فتحت مهيرة عينيها ببطء وألم، تنظر حولها تحاول تذكر ما حدث أمس. حاولت رفع يديها ولكن شعرت بها مقيدة. رفعت رأسها تنظر إلى يديها لتجد سفيان يضع رأسه بجانبها على طرف السرير ويجعل من يدها وسادة لرأسه. ظلت تنظر إليه، لا تعلم هل تشعر بالخجل مما حدث أمس ومن كل تلك الحقائق التي عرفها عنها، أم تشعر بالسعادة باهتمامه. ظلت تنظر إليه حتى شعرت به يستيقظ. فعادت برأسها للوسادة من جديد، تنتظر استيقاظه، تنتظر ماذا سيقول ويفعل معها. هل سيعيدها إلى والدها أم سيتطردها من بيته؟
هل سيحتقرها؟ هل سيسامحها؟ هي تشعر بالخوف حقًا. رفع رأسه وحرك رقبته المتشنجة يمينًا ويسارًا. ثم نظر إليها ليجدها تنظر إليه بخوف. ابتسم وهو يقترب منها ويقبل جبينها وهو يقول: -صباح الخير. عاملة إيه النهارده؟ ظلت تنظر إليه في صمت. ابتسم وجلس بجانبها على طرف السرير وهو يقول: -تمام. أنا مش عايزك تردي. أنا بس عايزك تسمعيني كويس. زادت نظرات الخوف في عينيها وقالت لنفسها: أكيد هيطردني. ابتسم لها وهو يمسح على ظهر يدها
التي بين أحضان يديه وقال: -كل اللي حصل امبارح هننساه وكأنه محصلش. ومتقلقيش يا مهيرة. أنتِ مراتي. أوعي تخافي مني. أنا مستعد أسمعك طول عمري. ومستعد أداوي كل جروح روحك. مستعد أشيلك على ضهري العمر كله ومتعبش منك أبدًا. وأوعي في يوم تتكسفي أو تخجلي من أي حاجة حصلتلك. أنتِ ملكيش ذنب في أخطاء غيرك. ربت على يديها ثم وقف على قدميه وهو يقول:
-يلا بقى يا كسلانة قومي. أنا جعان جدًا. وأكيد نوال جهزت الفطار. أنا هسبقك وأنتي غيري هدومك وحصليني. وتحرك باتجاه الباب. وقبل أن يخرج التفت إليها وقال: -صحيح. صاحب عمري جاي يتغدى عندنا النهارده. أنا سعيد جدًا إني هعرفك عليه. وخرج دون كلمة أخرى، وترك تلك النائمة على سرير فارغة الفاه وعلامات السعادة تختلط مع الاندهاش. كان حذيفة يساعد أواب في ارتداء ملابسه وهو يقول له: -عارف أنا مبسوط أوي علشان هشوف نوال دي أمي التانية.
ثم نظر لابنه وهو يقول: -لما تشوفها تقولها يا تيته. نظر له أواب باندهاش وهو يردد خلفه: -تيته! ابتسم حذيفة وهو يشرح لابنه: -مش كل واحد بيكون له أب وأم. ولما الواحد يكون أب ابنه يقول لأبوه وأمه جدو وتيته. فهمت؟ كان أواب ينظر لأبيه باستخفاف ثم قال: -ما أنا عارف أصلًا. أنا بس مستغرب من إمتى عندي تيته. نظر له وهو رافع حاجبيه باندهاش وقال: -آه. لا ده موضوع كبير يطول شرحه. ابقى أحكيهولك بقى لما نرجع. يلا علشان اتأخرنا.
كان صهيب يرتدي ملابسه التي أخرجتها له أمه. كان يفكر كيف سيتكلم معها، كيف سيقول كل ما بداخله. كيف سيعري روحه أمامها. ولكن زهرة تستحق أن يكشف لها كل شيء، وهي لها القرار. ولكن مؤكد هو سيحترم قرارها مهما كان. ولكن إن بقت معه، سيكون لها كل شيء. لن يجرحها أو يؤلم قلبها من جديد. كانت زهره تساعد والدتها في تجهيز الغداء. كانت السيدة فضيلة تلاحظ شرود ابنتها الدائم. عيناها القلقة نادتها أكثر من مرة لم تسمعها.
ربتت على يديها وهي تقول: -مالك يا زهره؟ أنتِ تعبانة ولا في حاجة مضايقاكي؟ نظرت لها زهره وهي تتنهد: -أبدًا يا ماما. ولا حاجة. كل الموضوع إني قلقانة على صهيب. خايفة يكون عمي جايبه هنا غصب عنه. أنتِ عارفة هو مش بيحب يخرج. ابتسمت أمها وهي تربت على كتفها وتقول: -متقلقيش. وبعدين صهيب لازم يخرج من البيت. هو هيفضل يا بنتي طول عمره حابس نفسه في البيت. إن شاء الله خير. متقلقيش. ثم أمسكت من يد زهره السكين التي
تقطع بها السلطة وقالت لها: -يلا اتفضلي من غير مطرود على أوضتك وجهزي نفسك علشان خطيبك. يلا. ابتسمت زهره وقبلت يد أمها وقالت: -لو مكنتيش تحلفي بس. يلا حاضر. هروح أجهز نفسي. خرجت مهيرة من الغرفة لم تجد أحدًا بالصالة، لكن سمعت صوت سفيان وهو يقول: -ملكيش دعوة بمراتي. هي تصحى براحتها. وبعدين يا آنسة جودي، هي ضيفة كام يوم هنا. بعد كده هتطلع شقتها. فخليها تدلع براحتها. ابتسمت مهيرة وشعرت بسعادة حقيقية وراحة كبيرة.
تقدمت منهم وهي تقول بخفوت: -صباح الخير. أجابتها نوال قائلة: -صباح النور والهنا يا حبيبتي. وقالت جودي: -أهلاً يا ست مهيرة. حضرتك نايمة للظهر وأنا هنا قاعدة أقشر بصل. ضحك الجميع وتقدمت مهيرة إليها بعرجها الواضح وهي تقول: -خلاص متزعليش. كملي تأشير البصل وأنا هغسل المواعين. وغمزت لها بشقاوة وهي تمسك قشر بصلة وتضعه أمام أنف جودي. فضحك الجميع على نظرات جودي الحانقة.
تابع الفصل التالى من هنا