كانت زيارة الحاج إبراهيم لأخيه مليئة بالسعادة والابتهاج، فالأخوة مترابطان بقوة وزوجاتهم متحابتان بصدق. كان صهيب يجلس في بلكونة بيت الحج حامد بعد تناول الغداء، فقد طلب الجلوس هناك. وطلب أيضاً كوب قهوة من زهرة، وها هي تحضره له وهو جالس يفكر ماذا سيقول لها، وكيف يبدأ الكلام. دخلت إليه زهرة وبين يديها كوب صغير من القهوة وهي تقول بصوت خفيض: "اتفضل القهوة يا سيدي."
لم يجيبها، ولكن قطب جبينه وهو يتذكر أنها حين قابلته وقت ما أتى لم تقل له تلك الكلمة، فظن أنها لن تقولها مرة أخرى، وذلك أراحه، ولكن أن تقولها الآن هذا معناه أنها تلتزم بالاتفاق بينهم بألا أحد يعلم ما اتفقا عليه، وعلى ذلك الأساس هي تقول له ذلك بما أنهما بمفردهما. ابتسم ابتسامة شحيحة وهو يقول: "تسلم إيدك يا زهرة." صمت لثانية ثم قال: "ممكن تقعدي؟ محتاج أتكلم معاكي."
كان يعرف جيدًا أين موضع الكرسي الآخر، حيث أنه بحث عنه وعرف زاويته وأين هي الطاولة الصغيرة. وعرف أيضًا أين موضعه من سور البلكونة. فتحركت وحفيف فستانها يخبره كيف تتحرك وإلى أي اتجاه. ولكنها كالعادة وقفت أمامه وانحنت لتجلس أرضًا، ولكنه لن يقبل تلك المرة. فقال: "لأ يا زهرة، مكانك هنا على الكرسي جمبي." وأشار بيديه إلى الكرسي على جانبه الأيمن. نظرت له باندهاش وقالت بصوت خفيض: "ليه؟ مش أنت قولتلي إن مكاني دائمًا تحت رجلك؟
وبعدين هو في خدامة بتقعد جمب سيدها؟ أغمض عينيه ونفخ أنفاسه الساخنة في الهواء وقال: "انسى أي حاجة أنا قولتها قبل كده. زهرة، أنا عندي كلام كتير عايز أقوله ليكي ومش هقوله طول ما أنتِ قاعدة كده." ظلت على جلستها لبعض الوقت وهو صامت تمامًا. اعتدلت واقفة ثم تحركت وجلست بجانبه صامتة. تنهد بصوت عالٍ وهو يقول: "أول حاجة أنا عايز أعتذرلك عن كل كلمة قولتها والاتفاق الغريب اللي اتفقتوا معاكي. أنا... أنا كنت بحاول...
قاطعته وهي تقول: "تبعدني عنك." ابتسم بتهكم وهو يقول: "مش هستغرب إنك فهماني يا زهرة. بس هي دي الحقيقة. أنا قبل الحادثة كنت مقرر إنه بعد ما أخلص المشروع هتقدملك وتبقى ليا أنا وبس. لكن بعد الحادثة حسيت إني كده بظلمك. ليه واحدة زيك أحسن واحد في الدنيا يتمناها؟ ليه تعيش مع واحد زي؟ ليه تعيش في ضلمة طول عمرها؟ أنا عايش في ضلمة يا زهرة، ضلمة ملهاش آخر، مش هتنتهي أبدًا. ليه...
ليه أخليكي تعيشي معايا في الضلمة دي أنتِ كمان طول عمرك؟ زهرة... زهرة أنا بحبك من وأنتِ لسه بضفاير. بحبك حب يخليني أفضلك على نفسي في كل حاجة، يخليني أضحي بحبي عشان تعيشي سعيدة. وعشان كده أنا النهاردة جاي أقولك انسي أي اتفاق، انسي أي كلام، فكري أنتِ عايزة إيه وأنا موافق عليه. أنتِ بس صاحبة القرار. لكن أحب أقولك إني بحبك ومحتاجك وبتمناكي، لكن انتي قبل أي حاجة... صمت وهو يأخذ نفسًا عميقًا كأنه لأول مرة يتنفس.
كانت تنظر إليه ودموعها تغرق وجهها في صمت. ظلت صامتة لبعض الوقت ثم أمسكت يده وقالت: "يعني بعد ما أخيرًا اعترفتلي بحبك ممكن تتخيل إني أسيبك؟ أنا بحلم باليوم ده من زمان أوي يا صهيب. حرام عليك بجد، ده أنت وجعت قلبي وجننتني. وبعدين ليه أعيش في الضلمة؟ ما أنا ممكن أعيشك في النور يا صهيب. ليه مكنش أنا النور اللي في حياتك زي ما أنت كل حاجة في حياتي؟ هقولهالك تاني يا صهيب... أنا بحبك."
ابتسم وهو يعتدل في جلسته لتكون عيناه التي لا تراها في عينيها التي تراه وقال: "عندي ليكي مفاجأة." قفزت من على الكرسي وهي تقول: "مفاجأة بجد؟ إيه هي يا صهيب؟ قال لها أمرًا بصوت عالٍ: "كفاية بقا." جلست مكانها في صدمة وقالت بصوت متقطع: "كفاية إيه؟ نفخ أنفاسه الحارة وكأنه تنين ينفث النار وقال: "أنتِ عارفة قولتي كام مرة صهيب في دقيقة واحدة؟ أربع مرات. وكل مرة بتقوليها بتخلي الشيطان يلعب في دماغي بأفكار لو طبقتها...
مش عارف هيحصل فيكي إيه." كتمت ضحكتها بيديها. ثم قالت: "طيب أنا آسفة. إيه بقا المفاجأة؟ ابتسم ثم مد يديه في جيب الجاكيت وأخرج السلسال وقال: "ده فكراه؟ ابتسمت وهي تمسك بالسلسال بين يديها وهي تقول: "ياه، هو لسه معاك؟ ابتسم هو الآخر وقال: "كنت ناوي أصلحه وأرجعهولك يوم ما أطلب إيدك للجواز. لكن الحادثة سبقت كل حاجة." قالت وهي تضع السلسال حول رقبتها: "تصدق إن أنا من بعد ما أخدته مني ملبستش غيره."
مد يده في إشارة لها أن تضع يدها في حضن يديه، فنفذت من فورها. وحين شعر بنعومة بشرة يديها على يديه رفعها إلى فمه ليقبلها. ولأول مرة قبلة جعلت كل ذرة من كيانها تذوب شوقًا وعشقًا. وجعلت كل خلية منه تتحرك بغريزة رجولية. ثم قال لها دون أن يبعد يدها عن فمه كثيرًا، وأنفاسه الدافئة تداعب بشرتها لتزيد من عذاب سعادتها وشوقها له: "أوعدك إني أحافظ على حبك زي ما حفظت طول عمري على السلسلة دي."
كان حازم جالسًا في نفس المكان المعتاد الذي يحدث به كل المبيقات. تكلم إحدى أصدقائه قائلاً: "متقلقش، أول ما هتنزل الجامعة هتلاقي كل حاجة مستنياها." نظر له حازم بتركيز ثم قال: "وأنت وصلت للصور دي منين؟ ضحك ذلك الصديق ضحكة الواثق وقال: "ليا طرقي الخاصة. هو أنت يهمك إيه غير النتيجة؟ تكلم حازم بحزم قائلاً:
"طبعًا يهمني. يهمني إن كل حاجة تكون برفكت عشان تجيلي راكعة وتبوس جزمتي عشان بس أرضى عنها. يهمني إنها متعرفش ترفع راسها ولا تلاقي أي حاجة أو حد يساعدها." ضحك صديقه مرة أخرى وهو يقول: "متقلقش يا ريس، كل في التمام التمام. أنا مش أي حد." في تلك اللحظة اقتربت إحدى الفتيات التي يعملن في ذلك المكان وهي تتمايل في مشيتها بتلك الملابس التي تكشف أكثر مما تستر، وجلست على الكرسي الذي بجانب حازم وهي تقول:
"مساء الفل على عيونك يا حازم باشا. منور الدنيا كلها. تتآمر بإيه؟ نظر لها حازم نظرة كلها شهوة وهو يقول: "كل اللي عندك يا مزة." ضحكت تلك الفتاة ضحكة خليعة وقالت: "وكل اللي عندي تحت أمرك." وأمسكت يده وتحركت معه في اتجاه الغرف الداخلية للمكان. ضحك صديقه وهو يقول: "لازم تشرفنا وترفع راسنا." كان سفيان جالسًا في صالون منزل والدته هو وحذيفة. وكانت السيدة نوال تجلس أواب على قدميها وهي تقبله وتلاعبه وهو يضحك بصوت عالٍ.
كان حذيفة يتابع ما يحدث وهو بداخله يتألم من حرمان ابنه من تلك النعمة، وجود عائلة تحبه ويحبها. ويقفوا بجانبه يساندوه ويدعموه دائمًا. انتبه من شروده على صوت سفيان وهو يقول: "يا ابني إيه؟ أنت سافرت فين؟ يلا الغدا جهز." ابتسم حذيفة وهو يتبع سفيان الذي كان يقول: "مش عارف أنا إيه كل الأكل اللي اتعمل ده؟ آل إيه عشان حذيفة؟ مين حذيفة ده؟ أجابه أواب سريعًا وببراءة: "يبقى بابا." ضحك الجميع واقترب منه سفيان وهو يقول:
"عشان خاطرك أنت، وهو أبوك يشرف ويؤانس حذيفة ابن الست أمينة." ضحك الجميع على كلمات سفيان، وخاصة بعد أن ضربه حذيفة في كتفه وساد الجو بعض المرح بين الأصدقاء. كانت مهيرة تتابع كل حركة ولو بسيطة من سفيان. كانت تبتسم إذا ابتسم، وكانت ترفع حاجبها إذا رفع حاجبه. كان كل تركيزها على ذلك الوحش التي كانت تظنه واتضح أنه حمل ذو قلب طيب.
أنها تعشق النظر إلى عينيه بلونها الغريب، تشعر أنها داخل مرج كبير. وخاصة ذلك الجرح فوق عينيه اليسرى مباشرة، الذي يعطيه مظهرًا خشنًا جذابًا. وخاصة أنها تشعر أنها كانت تراها طوال حياتها ولكن لا تتذكر أين. هل عشقته بتلك السرعة لمجرد أنه استمع إليها ولم يحاسب ولم يبتعد؟ هل هي كانت كالأرض الجافة العطشى لقطرة ماء ترويها وتحييها؟
حقًا حرمت من حنان الأم وحضن كبير يضمها ويمحو عنها مخاوفها. وكانت تشتاق إلى المشاكل اللذيذة التي تحدث أحيانًا بين الأخوات، مهما حدث تتمنى أن تظل هنا.
كانت جودي في قمة سعادتها بأواب، ذلك الطفل العبقري الصغير. إنه مرح، لطيف، مثقف. إنه باختصار طفل لذيذ جدًا. كانت تلعب معه حين مر من جانبها حذيفة. شعرت أن قلبها تركها مرة أخرى وركض لذلك الصنم القريب منها الذي أخذ قلبها من قبل وهي صغيرة ولم ينتبه له يومًا. والآن وبعد كل ما حدث ما زالت تتمنى أن يشعر بها يومًا.
ولكنها الآن ليس لديها أي أمل أو أحلام، كلها تحطمت على صخرة الواقع بزواجه وإنجابه لطفله الجميل. إذا هي ليست في حياته أي شيء سوى أخت صديقه المزعجة.
تابع الفصل التالى من هنا