كان يتحرك في صالة المنزل بعصبية. كيف يتعامل معها؟ كيف يجعلها تفهمه؟ كيف يجعلها تتخلى عن فكرة أنه وحش وشخص سيء شرير؟ ويمحي كلمات والدها لها؟ أنها تتعامل معه كسبية، جارية لا قيمة لها. كانت نوال تقف تشاهده وهو على هذه الحالة، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. إن مهيرة بحالة انهيار. من أين أتت بتلك الأفكار عن ابنها الحنون صاحب القلب الكبير؟ وقفت أمامه فانتبه إليها، وجلس على الكرسي أمامها وهو يقول: -أعمل إيه يا أمي؟
أنا محتار ومش عارف أتصرف. ثم نظر إليها وهو يكمل: -أنتي شفتي قالت إيه؟ أنا هضربها؟ وهتنام على الأرض؟ أرض إيه؟ أنا هخليها تنام على الأرض ليه؟ هو أنا إيه؟ تكلمت السيدة نوال قائلة: -اهدى يا ابني. هي محتاجة طولة بال. يا ابني باين إن البنت دي في جواها حاجات كتير. طول بالك وخدها براحة وواحدة واحدة. بعد قليل من الوقت، خرجت جودي ممسكة بيد مهيرة وتوجهت بها إلى حيث يجلسون. وقالت: -إيه يا أمي مش هناكل النهارده ولا إيه؟
أنا جعانة جدا. ابتسمت السيدة نوال وهي تتحرك في اتجاه غرفة الطعام وتمسك بيد مهيرة وتقول: -تعالي تعالي، ده النهاردة على حسك هناكل كباب. ثم قالت بصوت عالٍ يملؤه المرح: -كبااااااااب. ابتسمت مهيرة بخجل وهي تتحرك معها بهدوء.
كان يتابعها وعينيه تلتهمها شوقاً وحباً. على كرسيها المدولب كانت تجلس على رأس المائدة، وأجلست مهيرة على الكرسي الذي بجانبها. وجلست جودي بجانب مهيرة. أتى سفيان وجلس على الكرسي المواجه لمهيرة، فاخفضت رأسها تلقائياً. تكلمت جودي بمرحها المعتاد وقالت: -ربنا يخليكي لينا يا مهيرة، أهو بسببك أكلنا كباب. هي اللي بتأكلنا.
فضحك الجميع بسعادة. مرت دقائق الأكل بطيئة جداً على مهيرة. لم تشعر بطعم الأكل خوفاً من سفيان، ولكن ما كان يهون عليها حقاً خفة دم جودي، وحنان وطيبة السيدة نوال. مرت الساعات الباقية من اليوم على الجميع، بحلوها ومرها. بكل من شغله الفكر، وكل من أحب وتألم. حذيفة يشعر بوحدة قاتلة، وخوف كبير على أواب. وزاد ذلك الخوف بخوفه على جودي. وجودي بعد أن أخبرت سفيان بما حدث في الجامعة، وطمأنها أنه بجانبها ولن يسمح لأحد أن يؤذيها.
جالسة الآن تفكر في حذيفة وما عاناه مع زوجته وابنه. ألمها قلبها وهي تتذكر أنه لم يفكر بها يوماً تزوج وأنجب. وهي لم تمر يوماً على خياله. هو من سكن قلبها منذ كانت صغيرة بضفيرة واحدة دائمة على جانبها الأيمن. تنهدت بصوت عالٍ وهي تقول: «آه يا حب حياتي وأملي اللي ضاع. آه يا حلم عمره ما هيتحقق. آه يا أيام عمري اللي راح واللي جاي.»
زهره جالسة تشاهد صورها هي وصهيب منذ صغرهم. تتذكر مزحهم سوياً. كم كان يخاف عليها. كم من مرة تشاجر مع الأولاد في شارعهم بسببها. كيف كان ينظر لها. كان قلبها يرقص داخل صدرها فرحاً بحبه وغيرته. والآن كيف يتعامل معها؟ هي تشعر به، تفهم ما بداخله، تعلم أنه يحبها ولكن تلك الحادثة اللعينة هي السبب.
تذكرت منذ أكثر من سنتين، كان صهيب يعمل بشركة كبيرة. كان سعيداً جداً بذلك العمل لأنه كان قد انتهى من أول مشروع له. والشركة أقامت حفلة كبيرة لتكريمه على مجهوده وعمله المتقن. شعر بعدها حين استلم ذلك العمل الجديد أنه تحدٍ ليأكد إمكانياته ويزيد من تأكيد الشركة لقدراته. كان يقف في وسط المشروع ويعطي تعليماته للعمال حين وجد إحدى العمال يقف على سطح إحدى المباني غير المكتملة يلملم بعض الأغراض ويوشك على السقوط. ركض سريعاً ليصعد لذلك العامل وهو يأمر باقي العمال بعمل حمالة كبيرة حتى إذا لم يلحق به قبل سقوطه يقع على هذه الحمالة.
ركض سريعاً وصعد الثلاث طوابق بسرعة بفضل قوته البدنية وتدريبه المستمر. وحين وصل للعامل بالفعل كاد أن يسقط، فأمسك به وسحبه إلى الداخل، ولكن اختل توازنه هو وسقط. لم يكن العمال يتوقعون سقوطه بعد أن رأوه يسحب العامل، فاخفضوا الحمالة أرضاً، فسقط واظلمت الدنيا أمامه وإلى الأبد. حين نقل إلى المستشفى قال الطبيب:
-إن نجاته من الموت معجزة حقيقية. فهناك كسور كثيرة جداً، ساقه اليمنى وشرخ في كاحله اليسرى وكسر في كتفه الأيسر وشرخ مضاعف في عظمة الحوض وثلاث ضلوع وجرح قطعي في الرأس. ومنذ ذلك الحادث وقد تبدل صهيب من ذلك الشاب المرح المنطلق إلى ذلك المنطوي العدواني. استفاقت من ذكرياتها على صوت طرقات على الباب ودخلت الحاجة فضيلة وهي تبتسم قائلة: -لسه صاحية يا زوزو؟ ضحكت زهره وهي تنهض وتقف أمام والدتها قائلة:
-لأ طبعاً نايمة. وروحي هي اللي بتكلمك دلوقتي. ضربتها الحاجة فضيلة على جانب رأسها وقالت: -هو إنتي على طول غلبوية كده؟ احتضنتها زهره وهي تقول: -ربنا ما يقطعلي عادة. ربتت الحاجة فضيلة على كتف ابنتها وقالت: -طيب يا غلبوية. نامي بقى عشان تصحي بدري تنظفي البيت عشان خطيبك جاي بكرة. تشنج جسد زهره للحظة وسألت بخفوت: -صهيب جاي بكرة؟ غريبة. ضربتها أمها على ذراعها وهي تقول: -إيه الغريب يا هبلة إنتي؟ إن خطيبك وبيت عمك يزورونا.
ابتسمت زهره وهي تقول: -أبداً يا ماما بس صهيب من ساعة الحادثة مش بيخرج، فعلشان كده استغربت. هزت الحاجة فضيلة رأسها في يأس من تلك المجنونة وقالت: -طيب يا حضرة المستغربة. نامي بقى عشان يومك بكرة طويل. وتركتها وخرجت. جلست زهره على طرف سريرها وهي تقول: -ربنا يستر. كان سفيان جالس في غرفته يفكر كيف يتعامل معها. هل يظهر لها حبه؟ أم يجعلها تتعرف عليه أولاً وعلى شخصيته وطباعه؟
هو لا يعلم. هو لم يتعامل يوماً مع أي امرأة. وقت جامعته كان رجال فقط، فبالتأكيد كلية الشرطة لن يكون بها بنات، وحين تخرج تعين في مكان نائي حتى تم نقله إلى القاهرة بعد أكثر من ثلاث سنوات. وجاء نقله للآداب. وهناك كان يتعامل مع النساء، ولكنهم ليس أي نساء، نساء رخيصات، تبيع نفسها لمن يدفع أكثر. وهناك سمع ورأى الكثير، وكثيرات حاولت استمالته ولكنه كان كالصخر لا يلين. حتى أتت تلك الإصابة بساقه وعينيه، وعلى أثرها أرادوا نقله للأعمال الإدارية ولكنه رفض واستقال وعمل مع صديق له في شركة الحراسات الخاصة التي منها تعرف على السيد راجي ومهيرة.
مهيرة، آه يا مهيرة. قالها بألم حقيقي على تلك الفتاة البريئة التي تألمت كثيراً. وانتبه لطرقات على الباب فتوجه سريعاً وفتحه ليجدها أمامه منكسة الرأس. تحرك خطوة حتى يسمح لها بالمرور، ولكنها لم تتحرك. فقال: -اتفضلي. وبعد أن دخلت وأغلق الباب قال: -وبعد كده مش محتاجة تخبطي عشان تدخلي. دي أوضتك زي ما هي أوضتي.
لم تجبه ولكنها حركت رأسها بنعم. ظلت واقفة في مكانها، فتحرك هو ليجلس على أحد الكرسيين ومدد قدميه أمامه. حركة عادية لشخص طبيعي، ولكن تلك التي تظن الظنون في ذلك العاشق فهمت تلك الحركة غلط. فتوجهت إليه، سعد هو كثيراً بحركتها تلك ظناً منه أنها ستجلس على الكرسي المجاور له، ولكن تفاجأ بها تجثو أمامه وتمسك بقدمه تخلع عنه حذائه. سحب قدمه بقوة من بين يديها وهو يقول بذهول: -إنتي بتعملي إيه؟ لم ترفع عينيها عن
الأرض وهي تقول بصوت خفيض: -بقلع لحضرتك الجزمة. مد يده ليمسكها من كتفيها لتقف أمامه وهي منكسة الرأس وقال: -بصيلي. لم ترفع عينيها. فقالها مرة أخرى بصوت أعلى: -بصيلي. رفعت رأسها لتقابل عينيها بعينيه لأول مرة وترى ذلك الجرح عند عينيه. عينيها، إنها رأيتها قبل ذلك، تلك العيون الخضراء، خضار مميز، خضار زرعي. لكن ما هذا الجرح؟ فاقت من تأملها له وهو يقول: -مين طلب منك تعملي كده؟ ليه؟
ظلت تنظر إليه بتأمل، فانتبه أنه بدون نظارته الآن. رأت الجرح عند عينيه. اخفض بصره عنها دون أن يفلتها ثم قال: -متعمليش كده تاني يا مهيرة. إنتي مراتى مش جارتي. وتركها وعاد ليجلس في نفس مكانه، ولكنه خلع حذائه وجوربه ووضعهما جانباً. ولبس خفه المنزلي وتحرك ليلتقط حقيبتها التي كانت ما زالت بجوار الباب ووضعها على السرير. ثم تحرك إلى الخزانة وفتحها وأخرج بعض من ملابسه ليضعها في الناحية الأخرى ثم قال لها بهدوء:
-رتبي هدومك هنا. وغيري هدومك عشان تنامي. قالت سريعاً: -طيب في أي حاجة أفرشها على الأرض؟ نظر لها ببلاهة وقال: -ليه؟ قالت بطيبة شديدة: -عشان أنام عليها. كان الآن يشعر بأن بداخله نار. هل ما تقوله حقيقة؟ هل تظن للحظة أنه سيتركها تنام أرضاً؟ تقدم منها ووقف أمامها وقال: -وإنتي فاكرة إني هخليكي تنامي على الأرض؟ لو إنتي مش عايزاني أنام جنبك على السرير، على الرغم من إنه شيء عادي بما إننا متجوزين، يبقى أنا اللي هنام على الأرض.
نظرت له ببلاهة وقالت: -لأ طبعاً إزاي حضرتك تنام على الأرض؟ ده بيتك ودي أوضتك وده سريرك. لكن أنا... أنا... كان ينظر لها بتركيز وقال: -إنتي إيه؟ إنتي مهيرة الكاشف، بنت أغنى رجل أعمال. ليه بتعملي كده؟ ليه؟ نظرت إليه وعينيها تمتلئ بالدموع وقالت: -حقيقي عايز تعرف؟ أنا هحكيلك.
تابع الفصل التالى من هنا