ظلت صامته تنتظر سماع شرطه الذي مهما كان هي ستوافق عليه، مادامت ستحقق حلمها بالزواج من صهيب حب الطفولة والشباب. تكلم أخيراً، قاطعاً عليها تأملها لملامحه التي تعشقها. -لو مصرة أنك تربطي نفسك بعاجز زيي فأنا معنديش مانع، لكن شرطي إننا بعد ما نكتب الكتاب ويتقفل علينا باب واحد هنفضل ولاد عم وبس. نظرت إليه في تركيز، تحاول استيعاب ما سمعت، فقالت مستفهمة: -هو بجوازنا مش هنبقى ولاد عم؟ ضحك باستخفاف وهو يقول:
-لأ، المفروض أنك هتكوني بنت عمي ومراتي.. لكن أنا بقول أنك هتفضلي بنت عمي وبس، عمرك ما هتكوني مراتي. وخيم الصمت عليهم، هي تفكر كيف هو يشعر بالعجز ويخرج هذا العجز في شكل نوبات غضب كالأطفال، وهو يفكر أنها الآن سترفض وأنه وضعها في خانة ضيقة، ولكن ما لم يكن في حسبانه أنها تعشقه بجنون، وقربه واسمه فقط حلم بعيد، كانت ترتعد خوفاً من عدم حصولها عليه. ابتسمت وهي تقول: -طيب، وصفتي في البيت هتكون إيه؟
قطب بين حاجبيه، لكنه عاد إلى تلك الابتسامة المستفزة وهو يقول: -خدامة، ممرضة... كان نفسي أفرحك وأقول أنك ممكن تكوني جارية في سريري.. لكن أنا مليش في الجواري. حاولت كتم ضحكتها، هو يريد أن يهينها، يقلل من شأنها حتى تبتعد، ولكنها أبداً لن تبتعد. فوقفت من جلستها لتقف أمامه مباشرة، ثم جثت على ركبتيها وهي تقول: -وأنا موافقة يا سيدي.. هكون خدامتك والممرضة الخصوصية بتاعتك.. ولو في يوم بقيت ليك في الجواري...
أنا جارتك وملك يمينك. ثم ربتت على يديه وهي تقف وتنادي على أبيها وعمها بصوت عالٍ حتى لا تسمح له بقول أي جملة أخرى. وحين دخلَ إلى الغرفة... قالت: -صهيب وافق خلاص، تقدروا تقعدوا كده مع بعض وتتفقوا على كل حاجة. ثم خرجت حتى لا يلاحظ أحد تلك الدموع التي تجمعت في عينيها. كان صهيب بداخله يشعر بالسعادة لتمسكها به... ويشعر أيضاً بألم كبير من جرحه لها بكلامه الجارح وقسوته.
عاد سفيان إلى البيت بعد أن جلس لأكثر من ثلاث ساعات مع حذيفة، هو يعرف صديقه جيداً. صديقه يتألم بسبب ما عاناه من الحب والكذب، لديه رحلة طويلة حتى تعود ثقته في النساء من جديد. كان يتمنى أن يكون حذيفة لديه بعض المشاعر تجاه جودي، كما هي تحمل له المشاعر، نعم هو يعلم بحب أخته لصديقه، هي لم تخبره، ولكن عينيها تحكي قصصاً وحكايات عن عشق يتوارى خلف خجل وحياء.
لكن الآن ليس لديه ما يقوله أو يفعله سوى التمني أن ينال صديقه الراحة الحقيقية... وأن تستطيع جودي الخروج من حب حذيفة وتجد من يحبها بصدق حقيقي ينسيها ما كان. كانت السيدة نوال جالسة أمام ولدها تتابع كل المشاعر المتتالية على ملامحه، هي الآن قلقة عليه جداً بعد أن غادر المنزل كالملسوع... وعاد في تلك الحالة، نادت عليه فانتبهت كل حواسه وهو يقول: -أمريني يا أمي. ابتسمت وهي تقول له: -ميأمرش عليك ظالم... ربتت على يديه وهي تقول:
-مالك يا ابني شايل هم الدنيا فوق راسك ليه؟ بقا معقول ده شكل واحد، كلها أسبوعين ويتجوز. ابتسم سفيان وهو يقول: -أنا كويس يا أمي متقلقيش... صحيح نسيت أقولك، مش حذيفة رجع من السفر؟ وكمان شغال في الجامعة... هو الدكتور اللي حكت عنه جودي... النهاردة كنت عنده في البيت... واتعرفت على ابنه كمان. كانت سعادة السيدة نوال لا توصف، فهي تحب حذيفة كسفيان تماماً... ولكن هناك قلب تحطم من تلك الكلمات التي قالها سفيان دون أن ينتبه...
أو كان منتبه لتلك التي تقف على باب غرفتها تستمع لحديثه. قالت السيدة نوال: -وده لحق اتجوز وخلف امتى الواد ده؟ ومراته بقا مصرية ولا أجنبية؟ حكى لها كل شيء وهو ينظر إلى تعابير أخته في المرآة... وبعد أن استمعت لكل ما قال عادت إلى غرفتها وهي محملة بهم كبير. إذا هذا ما حدث من أكثر من ثلاث سنوات... وهذا هو سر حزن عينيه الدائم. وقفت أمام النافذة تنظر إلى الشارع الخالي الآن من المارة وهي تقول لنفسها: -حبيت واتجوزت وخلفت...
وأنا هنا مستنياك... آه يا وجع قلبي اللي ملوش دوا. ثم رفعت عينيها الممتلئة بالدموع وقالت: -يارب... يارب ارحمني... وارحم قلبي.. أنا خلاص مش قادرة... والله ما قادرة. كانت السيدة نوال تنظر إلى ابنها بحزن وهي تقول: -يا عيني يا ابني... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الواد ده من يومه وهو مفيش فرحة بتدوم له أبداً... ربنا يجعله في ابنه أحسن عوض.. ويرزقه بزوجة طيبة تعوضه وتشيل ابنه في عنيها.
أمن سفيان خلفها وهو يدعو في قلبه بالسعادة لصديقه وأيضاً بالراحة لصغيرته المتألمة. اخفض بصره وهو يقول: -أمي، بكرة إن شاء الله هنروح نخطب مهيرة، أنتِ فاكرة صح؟ ابتسمت وهي تقول: -طبعاً فاكرة، وهى دي حاجة تتنسى.. ده بكرة هيتحقق فيه أحلى أحلامي لما أخطب لابني البنت اللي بيحبها. رفع عينيه إليها باندهاش وهو يقول: -هو حضرتك كنتِ عارفة؟ ضحكت بصوت عالٍ وهي تقول: -وهل معقول محسش بقلب ابني العاشق؟
يارب يا حبيبي تكون زوجة العمر وتسعدك وتهنيك. كانت زينب تحضر ثياب مهيرة التي سترتديها غداً وهي تدعو في نفسها على ذلك الأب القاسي. نظرت إلى مهيرة الجالسة بالقرب من النافذة، عيونها تبكي في صمت، فتذكرت ما حدث من نصف ساعة فقط حين أتى السيد راجي إلى مهيرة في غرفتها، ظنت أنه أتى ليطمئن على صحتها ولكنه كان له رأي آخر. كانت جالسة على سريرها تقرأ. حين وقف أمامها وهو يقول: -بكرة سفيان وعيلته جاين علشان الخطوبة...
عايزك بكرة تكوني ولأول مرة على قد المستوى. وخرج دون كلمة أخرى. ظلت تنظر إلى الباب بصدمة، هل بعد أكثر من ثلاث أيام مريضة يأتي إليها ليقول ذلك فقط؟ وها هي جالسة في صمت تبكي وفقط. مرت ساعات الليل طويلة على القلوب المتعبة وسريعة على من سكن قلبه ولا يشعر بها، كمن ينغمس في الملذات المحرمة. كان كل من بالقصر على قدم وساق استعداداً لزيارة سفيان وعائلته.
كانت مهيرة في غرفتها تساعدها زينب في ارتداء ملابسها وتسريح شعرها، كانت وكأنها جثة لا حياة فيها. استمعت لصوت طرقات على الباب وصوت الخادمة تقول: -راجي باشا بيقول الضيوف وصلوا. انقبض قلب مهيرة خوفاً، وشعرت بها زينب. فربتت على كتفها وهي تقول: -بكرة تعرفي أن دي أحسن حاجة حصلتلك. وامسكتها من كتفيها وأوقفتها وهي تقول: -يلا يا حبيبتي.... ربنا يتمملك على ألف خير.
كانت السيدة نوال وجودي وسفيان يجلسون مع السيد راجي، وفي ظهرهم السلم الداخلي للمنزل. كانت مهيرة تنزل السلم خلف زينب وتقدمت منهم ببطء وسلمت على السيدة نوال بهدوء وجودي أيضاً، ولم تنظر إلى سفيان وجلست على الكرسي الذي خلفها مباشرة. كان السيد راجي يتحدث مع سفيان والسيدة نوال متجاهلاً مهيرة تماماً، ليس لها رأي وكأن من ستتزوج ليست هي. انتبهت السيدة نوال لذلك فنظرت إليها وقالت: -إيه يا مهيرة ساكتة ليه؟
قوليلي يا حبيبتي لو عايزة حاجة، كل اللي تقوليه أوامر. نظرت إليها مهيرة بشجن وحزن واضح، ثم نظرت إلى والدها وقالت: -حضرتك عارف إن عاجزة. انتفض سفيان في جلسته وهو ينظر إليها وقلبه يؤلمه، قطبت السيدة نوال حاجبيها وهي تقول: -يا حبيبتي، هو انت مش واخدة بالك إن أنا مشلولة ولا إيه؟ شعرت مهيرة بأنها آلمت السيدة التي شعرت من نظرة عينيها بحنان لم تراه في حياتها، حاولت الاعتذار، لكن السيدة نوال ابتسمت وهي
تربت على قدم مهيرة وقالت: -مين فينا يا بنتي ليه في نفسه حاجة؟ وبعدين أنتِ مفيش منك... وأنا حبيتك وعايزاكي النهارده قبل بكرة مرات ابني. نظرت إليها مهيرة وعيونها ممتلئة بالدموع ولم تستطع أن تتحدث.
تابع الفصل التالى من هنا