رواية صدمة عمر الفصل السابع 7 بقلم خديجة احمد
#صدمه_عُمر
البارت السابع
إلهام
الحمدلله…
غرام خرجت من العملية بعد ساعتين.
ولما شفتها…أول نفس رجعلي كان الحمدلله.
اتنقلت للرعاية…والدكتور وقتها قال إن لازم تتحول لمستشفى تانية.
مستشفى متخصصة في جراحة المخ والأعصاب…
عشان تعمل العملية التانية.
وبالفعل…قعدنا كام يوم في المستشفى.
يومين…
كل ساعة فيها كانت بتعدّي على قلبي بصعوبة.
لحد ما جه يوم النقل ...غرام راحت بعربية إسعاف.
الدكاترة والممرضين كانوا بيجهزوا كل حاجة بسرعة…
أجهزة…محاليل…وأوراق.
وخلال ساعة تقريبًا…كانت بتتنقل.
طلع معاها دكتور وممرضة…
وأنا وفؤاد كنا ماشيين وراهم بعربيتنا.
وأعتقد…إن ده كان من أصعب الأيام اللي عدّت عليا.
لما شوفتهم شايلينها من على سرير…وبيحطوها على سرير تاني.
لما شوفت بنتي…اللي طول عمرها بتجري وتتحرك وتضحك—
نايمة ساكنة بالشكل ده.
ولما دخلت عربية الإسعاف…وقفلوا الباب عليها.
في اللحظة دي…حسّيت بغصّة خنقتني.
كأن الباب دا ....قفل على قلبي معاها.
كنت ببص لها من الإزاز…
وهي نايمة.
مش دريانة بحاجة حواليها.
وكل اللي جوايا كان بيصرخ:
"يارب ترجعلي زي الأول."
بعد شوية وصلنا المستشفى الجديدة.
بدأوا ينقلوها لأوضة عزل مؤقتة…
لحد ما يعملوا التحاليل ويتأكدوا إنها مش ناقلة أي عدوى من المستشفى التانية.
كنت واقفة جنب سريرها…
ببصلها ...كل شوية ألمح وشها…
وأقول الحمدلله إنها لسه قدامي.
الممرضة دخلت علينا…
وسألتني:
__بقالها كام يوم في المستشفى؟
رديت بتعب:
__تلات أيام.
وفجأة—
غرام انتفضت من مكانها.
وبصّت لنا بصدمة حقيقية وقالت:
__تلات إيه؟
أنا كنت فاكرة إني جاية من امبارح!
قلبي وجعني وقتها.
لأنها فعلًا…ماكانتش حاسة بالوقت.
الأيام كانت بتضيع منها…
وهي بين تعب، وأدوية، وعمليات.
حتى الزمن نفسه…بقى مش واضح بالنسبة لها.
____________
ليان
الأيام كانت بتعدّي ببطء…
وغرام لسه محجوزة في المستشفى.
ماما كانت تيجي كل يومين البيت…
تعمل أكل بسرعة…
ترتب أي حاجة…وبعدين ترجع تاني عشان تبات معاها.
أما بابا…فكان واخد إجازة من الشغل أسبوعين كاملين.
رغم إن أصلًا الإجازات كانت ممنوعة وقتها…بسبب الحرب اللي كانت دايرة.
ولو حصل أي تصعيد وهو مش موجود…
كان ممكن يعتبروا غيابه هروب من العمل.
بس بابا…مافكرش في أي حاجة من دي.
ضحّى بكل حاجة…عشان يفضل جنبها.
عشان يطمن إنها بخير.
عشان لما تفتح عينيها…
تلاقيه موجود.
وكان كل يوم بنستنى معاد العملية…
وبعدين تتأجل.
مرة الدكتور يأجلها ....ومرة الجهاز يبقى فيه عطل.
وكل تأجيل…كان بيزود خوفنا أكتر.
لحد ما في مرة…الدكتور قعد مع بابا وفهمه الوضع بهدوء.
وقال:
__إحنا على قد ما نقدر بنحاول نطوّل المدة…
لأن المية اللي على المخ لسه ماوقفتش.
قلبي اتقبض أول ما سمعت.
كمل الدكتور:
__ولو استمرت…
هنضطر نركبلها شنط.
الكلمة نفسها خوفتني.
___جهاز تحت الجلد…
من الرقبة للبطن…
عشان يصرف الضغط.
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
__وده غالبًا هتعيش بيه طول عمرها.
سكت لحظة…
وبعدين بص لبابا وقال بحزن:
__بس أنا بحاول أدي فرصة للماية تقف…
عشان غرام لسه صغيرة.
والعمر قدامها طويل.
أول ما عرفت…
إن ممكن أختي تعيش طول عمرها بجهاز جوا جسمها—
قلبي وجعني بشكل ماعرفتش أوصفه.
إزاي؟
إزاي هتتأقلم؟
إزاي هتعيش وهي حاسة إن في حاجة جوا جسمها طول الوقت؟
كنت بخاف عليها من الإحساس نفسه…
إحساس إنها مختلفة.
أو ناقصة.
أنا عمري ما كنت عايزاها تحس بالعجز.
ولا للحظة.
غرام طول عمرها قوية…
حيوية…
بتجري وتضحك وتزعق وتملأ البيت صوت.
فكرة إنها تبقى مربوطة بجهاز طول عمرها…
كانت بتوجعني أنا شخصيًا.
قعدت أصلي وفي كل ركعة…
كان عندي دعوة واحدة بس:
"يارب…
متحتاجش تركب الجهاز ده."
كنت بدعي بحرقة…
كأن الدعوة دي آخر أمل متعلقة فيه.
ودائمًا…كنت أعيّط وأنا بصلي.
لأن خوفي عليها…
كان أكبر من قدرتي على الاحتمال.
عدّت الأيام…
واخترت يوم أكون فاضية فيه عشان أشوفها.
كنت مأجلة اللحظة دي ....يمكن خوف.
يمكن لأني مش مستعدة أشوف أختي بالشكل ده.
لكن قلبي ماكانش مستحمل أكتر من كده.
طلبت من بابا ياخدني أنا وأخويا نشوفها…
ووافق.
طول الطريق للمستشفى…
قلبي كان مقبوض بشكل مرعب.
إيدي ساقعة…ونفسي متلخبط.
كان في سؤال واحد بس بيلف في دماغي:
"يا ترى أول ما أشوفها…
هقدر أمسك نفسي؟"
__هعيّط؟
هانهار؟
ولا هتظاهر إني قوية عشان هي ما تعيطش؟
كنت خايفة من اللحظة…
وخايفة منها أكتر لما تقرب.
وأخيرًا وصلنا.
طلعنا للدور…ووقفنا قدام أوضتها.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسّيت إنهم سامعينه.
فتحنا الباب…ودخلنا.
وأول ما شفتها…اتجمّدت.
غرام كانت نايمة.
وشها شاحب بطريقة خوفتني.
باهت…كأن التعب سحب كل الروح اللي فيه.
أجهزة كتير حواليها…أصواتها مالية الأوضة.
وأنبوب طالع من راسها.
عينيها كانت نص مفتوحة…
بس واضح إنها نايمة من الإرهاق.
المنظر كله…كان أكبر من قدرتي على التحمل.
غرام…
اللي كانت بتملأ البيت حركة وصوت…
بقت ساكنة بالشكل ده.
جسمها بان عليه التعب جدًا.
خسّت…
وبقت هزيلة بطريقة كسرت قلبي.
وقفت أبصلها…ومش قادرة أتحرك.
كأن رجلي اتثبتت في الأرض.
في اللحظة دي…
كل حاجة كنت محضّراها في دماغي اختفت.
لا عرفت أبان قوية ...ولا عرفت أتكلم
بس حسّيت بدموعي وهي بتتجمع في عيني بسرعة.
وحاجة جوايا كانت بتصرخ:
"دي أختي؟"
وفجأة…غرام فاقت.
فتحت عينيها بالعافية…
وكانت بتقول كلمتين بس، تكررهم بصوت مرهق:
"Hurtbeat…
"Headache…
كل كلمة كانت طالعة منها بالعافية.
صوتها ضعيف…متكسر…
وفيه وجع خلّى قلبي ينقبض.
دموعي نزلت فورًا ...من غير حتى ما أتكلم.
مشهدها وهي تعبانة بالشكل ده…
كان فوق احتمالي.
بابا قرب منها بسرعة…
وحاول يهديها وهو بيملّس على شعرها بحنان:
__إخواتك أهم…
مش عايزة تسلمي عليهم؟
بصّت لنا بعينيها المرهقة…
وردت وهي بتنهج:
__شايفاهم يا حبيبي…
بس مش قادرة.
الكلام كان تقيل على لسانها.
كل حرف كان خارج بصعوبة.
بابا نادى الممرضة بسرعة…وجت أدّتها مسكن.
وأنا؟
كنت واقفة في الركن…دموعي بتنزل في صمت.
مش عارفة أساعدها ...ولا أخفف عنها.
بس ببص لها…وقلبي بيتوجع عليها.
بعد شوية…حاولنا نضحكها.
نقول أي كلام خفيف…
أي حاجة تخرجها من الوجع اللي هي فيه.
وكانت تحاول تبتسم لنا بالعافية…
وبعدها بابا خدنا…ورجعنا البيت.
لكن قلبي…كان هناك.
جنبها ..في أوضتها.
عدّى الوقت…وأخيرًا اتحدد يوم العملية.
اليوم اللي كنا خايفين منه كلنا.
دخلت العملية الصبح.
وكل دقيقة بعدها…كانت بتمر كأنها ساعة.
العملية طولت ...ست ساعات تقريبًا.
وأنا طول الوقت…ماعرفتش أقعد ثابتة.
كل شوية أمسك الموبايل…
وأتصل بماما:
__خرجت؟
وفي كل مرة…
كانت الإجابة:
__لسه.
الكلمة دي كانت بتخنقني أكتر كل مرة.
كنت أتخيل كل حاجة ...وأخاف من كل حاجة.
أمشي شوية…أقعد شوية…
أدعي…
وأرجع أتصل تاني
لحد ما في آخر مرة…اتصلت بماما.
وقلبي كان بيدق بعنف…وأنا مستنية ترد.!!!
