رواية عمر و عشق الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة الحلواني

 

جلست ريم مع أمها وحبيبة. الأولى كتمت غيظها من ابنتها كي لا تكسر رأسها اليابس بعدما أخبرتها بتقدم ذلك الحقير لخطبتها، ورأت علامات السعادة جليّة على وجهها. أما الثانية، فتحلّت بالحكمة التي عُرفت بها كي تحاول ثنيها عن الموافقة. حبيبة: ريم حبيبتي، إحنا كل اللي يهمنا سعادتك، بس تكون مع راجل بجد ويستاهلك. أنا معرفش أيهم، بس سمعته وسمعة أبوه سبقوهم. لا تربيتنا ولا أخلاقنا.

ريم: يا خالتو، والله أيهم كويس، بس هو كان طايش شوية. أمل بغيظ: شوية؟ ده صايع يا بنتي، مش هقولك كل يوم مع واحدة. كفاية إنه فاشل في التعليم، غير إنه شحط ومفكرش يشتغل. لما يتجوزك أبوه هيصرف عليكم انتو الاتنين. ريم: لا طبعًا، هيشتغل مع باباه. هو بس كان مستني يخلص جامعة. أمل: يا بنتي، ده داخل على الستة وعشرين سنة تقريبًا، يخلص إيه؟

مانتي شايفة إخواتك، الله أكبر عليهم، من صغرهم بينزلوا الشركة مع أبوكي وعمامك، والحمد لله نجحوا في شغلهم وتعليمهم. أمل بغل: يا شيخة، ده حتى تيم وتميم اللي في ثانوية عامة بيروحوا الشركة من وقت للتاني. وانهاردة كان عندهم درسين لغوهم عشان هاشم طلب الكل يكون عنده. وبرغم كده، تفتكري لو قصّروا في دراستهم هيسكت؟ حبيبة بغلب: يا لهوي، مين اللي يسكت؟ انتي مش فاكرة عمل إيه في حكم لما كان في ثانوي؟

كان فاحتو في المشروع الجديد، ولما الولد جاب خمسة وتمانين في المية بهدله. أمل: وعمر تقريبًا من إعدادي وهو ناقل كتبه وكل حاجته في الشركة لحد ما خلص جامعة.

نظرت لابنتها وأكملت: ما كانش بيسيب عمر أبدًا من وهو صغير، علمه كل كبيرة وصغيرة. وبعد ما كبر وفهم الشغل، قالوا إخواتك مسؤولين منك تعلمهم اللي اتعلمته. وأديكي شايفة، بسم الله ما شاء الله، كلهم من أصغر واحد لأكبرهم رجالة تشرف وقد المسؤولية، ناجحين في دراستهم وفي شغلهم، والكل بيعملهم ألف حساب. رغم كل ذلك، لم تقتنع. صمّت أذانها عن الحقيقة، وأغلقت عينيها حتى لا ترى الكارثة التي ستوقع نفسها بها.

ريم: يا ماما يا حبيبتي، إحنا عيلة استثنائية، سواء الرجالة الكبار أو الشباب. مش ذنب أيهم إنه معندوش أب زي خالو هاشم ولا بابا ولا عمو إبراهيم. الغلط على أهله مش هو. بس والله هو حد كويس جدًا وعايز يتغير. حتى مامته فرحانة جدًا إنه بدأ ينزل الشركة مع باباه. أمل بغيظ: ميادة... ميادة اللي طول اليوم من نادي لحفلة لمش عارف إيه، عندها وقت لابنها أصلًا؟ أنتي مصدقة نفسك؟

ريم: عادي يا خالتو، كل الناس كده. انتو بس عشان منغلقين على نفسكم ومش بتحبوا الاختلاط. أمل: مين قال كده؟ إحنا لينا أصحابنا ومعارفنا، بس اخترنا ناس محترمة ونفس أخلاقنا. ريم بحزن: أنا مش عارفة أقنعكم إزاي إنه كويس. كفاية إنه ساب كل البنات اللي يعرفها عشاني وهيشتغل عشاني. نظرت حبيبة لأمل بمغزى ثم قالت: خلاص يا حبيبتي، دي حياتك وإنتي حرة فيها. إحنا علينا النصيحة، يا تقبليها يا لأ.

نظرت لها بقوة ثم أكملت: إنتي اللي هتشيلي شيلتك، افتكري الكلمة دي كويس، وافتكري إن أنا وأمك بقالنا ساعتين بنحاول نقنع فيكي. براحتك، أنا هبلغ هاشم بموافقتك. بعد أن أعطت حارس العقار ورقة بها بعض الطلبات التي تحتاجها، كادت أن تغلق الباب إلا أنها وجدت علا تخرج من منزلها، ومن الواضح على وجهها الحزن والبكاء. اقتربت منها وقالت ببشاشة: صباح الخير يا أم يوسف، عاملة إيه يا حبيبتي؟ نظرت لها علا بحزن رغم الابتسامة

التي جاهدت لرسمها ثم قالت: صباح النور، الحمد لله. دينا: حضرتك عاملة إيه؟ دينا: إيه حضرتك دي؟ قوليلي أم أحمد على طول... إحنا جيران والباب في وش الباب. علا: حاضر يا أم أحمد. دينا: مالك يا حبيبتي؟ شكلك معيطة... كملت بغيظ: هو نكد عليكي تاني؟ دانا بيبقى هاين عليا أدخل أديله قلمين كل ما أسمعه بيبهدلك إنتي أو العيال. انتبهت لحديثها فقالت سريعاً: حقك عليا... أصل أنا دبش واللي في قلبي على لساني، والصراحة إنتي صعبانة عليا.

لم تقو علا على التحمل أكثر من ذلك... انفجرت في بكاء مرير وهي تقول: أعمل إيه؟ نصيبي كده. دينا بحزن: يقطعني! مكنتش أقصد أزعلك، حقك عليا... طب ما تكلمي حد من أهلك ييجي يتصرف معاه. نظرت لها من بين دموعها ثم قالت بقهر: أهلي شايفينه ملاك وأنا اللي مفترية... ولما بشتكيلهم بيطلعوني غلطانة والكل بيصدقه. دينا: ييجوا ويسألوني أنا... دانا ببقى سامعة صوته وقلة أدبه، بس أخاف أتدخل يحرجني وإنتي بتكوني صعبة عليا.

علا: ده العادي يا أم أحمد... مينفعش يقعد في البيت من غير ما ينكد علينا، غير إنه مش بيشوف نفسه غلطان أبداً. ابتسمت بهم وهي تكمل: تصدقي بالله... ساعات بصدق إني غلطانة فعلاً وأنا اللي ظلمته من كتر ما بيقدر يقنعك باللي عايزة واللي فيه، بيجيبه فيا أنا. دينا بذهول: يالهوي! هو فيه كده؟ ما إحنا كلنا بنغلط، محدش ملاك يعني. علا بهم: كلنا شياطين إلا هو الملاك الوحيد... مكانه مش على الأرض، كان المفروض يعيش في السما. مسحت

دموعها ثم قالت بإحراج: معلش صدعتك على الصبح... المهم، متعرفيش محل دهب يكون فاتح دلوقتي؟ أصل اللي بتعامل معاه مش بيفتح بدري. دينا: مفتكرش هتلاقي دلوقتي... معظمهم بيفتح بعد الضهر... سألتها بتردد: طب إنتي محتاجاه ضروري يعني؟ ترددت علا كثيراً أن تقول لها، ولكنها بحاجة لمن يسمعها. نظرت لها بحزن وخزي ثم قالت: كنت عايزة أبيع السلسلة بتاعتي ضروري قبل ما أروح للولاد. دينا: طب قوليلي محتاجة إيه؟

إحنا أخوات يا حبيبتي بدل ما تبيعيها، خسارة الدهب ما بيتعوضش. بكت علا بقهر ثم قالت: أنا بعت كل دهبي تقريباً... بس كله يهون عشان ولادي... هعمل بيه إيه لما يرجعوا جعانين وأنا معنديش لقمة في البيت... أعقبت قولها بالانهيار... حقاً كانت تشعر بثقل فوق صدرها تريد أن تتخلص ولو من جزء... برغم أنها لم تتحدث من قبل مع دينا، ومن طبيعتها ألا تقص خصوصياتها لأحد... لكنها بشر تحتاج لمن تتحدث له وتشتكي همومها التي أثقلت صدرها.

جلست بوجه متجهم رغم مظهرها الطفولي في حديقة الفيلا... تقرأ أحد الكتب العلمية ولكن دون تركيز. منذ أن رآها وهو يتقدم إليها علم أن صغيرته بها شيء ما يؤرقها. جلس فوق المقعد وقال بحب: مالك يا بيبو؟ حد زعلك يا حبيبتي؟ نظرت له بحزن وقالت: حكم... أنا جعفر، إنت شايفني جعفر؟ علم أن أخيه البغيض هو السبب في تلك الحالة... رد عليها بحنو: مين اللي قال كده؟ دانتي أجمل بنوتة في الدنيا. ردت عليه بغيظ وطفولة: أخوك تيم...

فضل يدلع في روح ويقولي أنا جعفر، يرضيك كده؟ وأنا أصلاً قلتله كذا مرة ما يقوليش كده... أنا جعفر يا كوكي. حكم بمهادنة بعد أن كتم ضحكته بصعوبة: لا يا قلب كوكي، دانا هطلع عينه عشان زعلك يا حبيبتي ومش هخليه يقولها تاني أبداً. نظرت له بفرحة ثم قالت بشماتة: آآه اضربوه يا كوكي عشان خاطري، الواد ده بارد بيرخم عليا. نظر لها بحب ثم قال: من عنيا يا قلب كوكي... المهم... وحشتيني النهاردة مشوفتكيش. احمر وجهها خجلاً

ثم قالت: وإنت كمان... مانت كان عندك شغل طول اليوم، ربنا يقويك. حكم: هاشم كان شادد النهاردة على الآخر وموقف الشركة على رجل... محدش فينا قعد يرتاح نص ساعة على بعضها. حبيبة باهتمام: ليه يا حبيبي؟ حصل حاجة؟ في​‌‍⁠ رواية عمر و عشق - الفصل 8 | مكتبة الروايات مشكلة يعني؟ حكم: شكله في حاجة مضيقاه قام مطلعه علينا... بس للأمانة أنا وعمار استهبلنا اليومين اللي فاتوا وكنا مقصرين في الشغل. حبيبة

بتعقل رغم سنها الصغير: ماهو كان غصب عنكم يا حبيبي، مش كان عندكم حاجات مهمة في الجامعة. حكم: هاشم باشا ملوش في الكلام ده، بيقولك لو إنت راجل بجد هتقدر توفق بين دراستك وشغلك ومش هتخلي حاجة تأثر على التانية. ضحكت بهدوء وهي تكمل عنه: أيوه، ولما حد يعترض يطلع ابن الحارة اللي جواه ويشتم شوية وبعدين يقولكم: فالحين تصيعوا مع البنات يا شوية كذا كذا، ههههه.

ضحك حكم معها ثم قال بهم مازحاً: اللي بيجنني إنه بيجمعني مع عمار، طب هو صايع، أنا مالي أمه. تطلع لها بعشق وأكمل بجدية: أنا عيني وقلبي مش بيشوفوا غير حبيبتي الصغيرة... واللي نفسي تكبر بقى عشان أكمل معاها باقي حياتي. نظرت له بخجل ثم قالت: بجد يا حكم؟ يعني أنا أحسن من البنات الكبيرة اللي معاك في الجامعة أو اللي بتشوفهم اللي في كل حتة. حكم: إنتي عندي بالدنيا وما فيها يا بيبو... مش بشوفهم أساساً...

حتى لو عيني جت على واحدة منهم غصب عني... بلاقي قلبي يقولي: حبيبتك أحلى. حبيبه: ربنا يخليك ليا يا حبيبي... أنا كمان بحبك أوي والله. في إيه يا بت مالك؟ ما تتعدلي أنا مش كنت بكلمك من شوية وكنا زي الفل... هكذا قال عمر بغضب لتلك المجنونة اللي لا تمر ساعة في يومه إلا وتكون أطاحت بعقله إحدى كوارثها. ردت عليه بغيظ: بجح بجح... عارف لو ربنا يديني نص بجاحتك بس كنت خربت الدنيا والله. جذب شعره بجنون وهو يقول: عشق... في إيه؟

إيه اللي قلب حالك كده؟ ردت عليه بنبرة مختنقة عكس ما كانت عليه منذ لحظات: مفيش... بس حاسة إنك متغير معايا ومبقتش تحبني. زوى بين حاجبيه للحظة ثم برقت عيناه بعد أن تذكر شيئاً هاماً. تطلع للمفكرة التي أمامه على سطح المكتب ليرى تاريخ اليوم، وحينما تأكد من شكه. قال بوقاحة: جاتلك متقدمة يوم عن الشهر اللي فات... عشان كده هرموناتك طفحت عليا. ردت عليه بغضب ووقاحة: ده اللي إنت فالح فيه...

قلة الأدب وبس، إشمعنى دي اللي حافظ معادها أكتر من اسمك؟ عشان بتاخد إجازة من سفالتك صح؟ ضحك برجولة ثم قال بغلب: لا يا حبيبتي، عشان جنانك بيزيد أضعاف وهرموناتك بتطلع ميتين أمي. عشق بلامبالاة: قدرك بقى، اعترض. حاسه إني مش طايقة نفسي وعايزة أضرب حد. وفي نفس الوقت عايزة أقعد ساكتة كده وخلاص. إيه ده بجد؟ رد عليها بمهادنة مراعاة لحالتها النفسية التي يعلمها جيدًا في تلك الأيام.

عمر: أحلى قدر يا عشقي. هخلص شغل وأجيلك أضربيني زي ما أنتِ عايزة. ابتسمت بحب وقالت بدلال: يا ريت كان ينفع، بس إجازة بقى أربع أيام. رد عليها بمجون: مش هتفرق كتير يا عشقي، أنتِ عارفاني بتصرف، متقلقيش. ضحكت بحلاوة ثم قالت بحب: أنا قلب عشقك وروحها. ربنا يخليك ليا يا حبيبي. المهم عملت إيه مع أحمد؟ وفى بحنق ثم قال: عيل دماغه غبية. الأول عاش الدور بقى وربنا يسعدها وكده، بعدين طلع الوحش اللي جواه. عشق: طلع لوحده؟

مش مصدقة الصراحة. عمر: عيب عليك يا أسد، ما أنت فاهم حبيبك بقى. عشق بفضول: قولي اللي حصل بالتفصيل عشان خاطري، عشان خاطري. ضحك على طريقتها الطفولية ثم قال: لما أرجع هاخدك في حضني وأحكيلك. وحشتيني يا عشقي أوووي. مر يومان لم يحدث فيهما أي جديد. ظاهريًا، ولكن بداخل الجميع انتظار وترقب لما سيحدث اليوم. نظرت حبيبة لهاشم وهو يرتدي ثيابه

بهدوء مريب ثم قالت بشك: مش مرتحالك يا اتش. اللي يشوفك وأنت بتتشيك كده يقول إنك موافق وفرحان عشان ريم هتتخطب النهارده. نظر لها بهدوء ماكر ثم قال: دي مجرد قراءة فاتحة يا فراولة، عادي يعني. تقدمت منه ثم وقفت قبالته. تصنعت العبث في أزرار قميصه ثم قالت بدلال: مش مصدقة بوقك يا قلب الفراولة. لف ذراعه حول خصرها ثم مال عليها مقبلاً ثغرها بسطحية وقال بصدق: مشكلتي معاكي يا فراولة إنك فهماني وقريني بطريقة مستفزة.

ضحكت بدلال ثم قالت بعشق: هو في حد ما بيفهمش نفسه يا قلب الفراولة؟ قولي بقى ناوي على إيه. رد بتسويف: ولا أي حاجة. هسيبها تكتشف وساخته بنفسها عشان متجيش تلوم حد فينا. زفرت بحنق ثم رفعت حاجبها الأيسر وقالت بغيظ: هاااشم... الكلام ده تقوله لحد غيري. أخلص ناوي على ااااايه؟ التهم ثغرها فجأة ليهديها قبلة عاشقة لم يمل منها طوال السنوات الماضية، بل دائمًا يشتاقها حتى وهي معه.

بعد فترة فصلها وقال: اطمني يا عمر. هاشم اللي ما كانش عايش قبلك، مش هفرط في حد من ولادنا مهما حصل، ثقي فيا. كوبت وجهه بعشق ثم قالت: هو أنا بثق في حد غيرك أصلًا؟ من يوم ما خرجت من المستشفى زمان، ومن وقت ما اتحديت عجزك عشاني وقاومت وجيت على نفسك عشان تقف على رجليك من تاني، عشان خاطري أنا، الوقت ده لقيتك هاشم تاني غير اللي عرفته أو كنت بسمع عنه قبل ما أعرفك.

عمرك ما خذلتني، ولا قصرت معايا. حسستني من يومها إنك معرفتش ست غيري وإني مالية قلبك وعينك. خليتني ملكة. بقيت أحب زعلي منك عشان طريقة مصالحتك ليا. ولو أنا زعلتك في يوم بحس إنك زي الطفل الصغير أبو قلب أبيض من جوه ما يعرفش يعني إيه زعل بس بيحاول يمثل الغضب. تفتكر بعد ده كله مش هثق فيك؟ تنهد

بعشق تضخم​‌‍⁠ داخل قلبه وقال: بحبك يا فراولة، ومش عارف أعمل حاجة في دنيتي غير أشكر ربنا على النعمة اللي أنعم عليا بيها. أنتِ حياتي يا فراولة. وفى بحنق ثم قال بغل وهو يلصقها به أكثر: شوفي أنا أساسًا مش طايق الناس اللي جاية دي. وفى بحنق ثم أكمل: دلوقتي بقى مش طايقهم أكتر وعايز أتصل أقولهم متجوش. نظرت له بذهول من تبدل حاله ثم قالت: ليه كده؟ مش هينفع يا هاشم.

الصق جبينه بخاصتها ثم قال بنبرة تقطر عشقًا: هاشم هيموت على فراولته وعايز يأكلها دلوقتي، ومش قادر يبعد. أعمل إيه؟ قبلت فمه بسطحية وقالت بمهادنة وعشق ووقاحة: يقلبهم بسرعة عشان يسهر للصبح معاها. حز على أسنانه بغيظ ثم قال: ......

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات