رواية عمر و عشق الفصل السابع 7 - بقلم فريدة الحلواني

 

كان ممدد فوق فراشه في سكون تام. من يراه يعتقد أنه غارق في نوم عميق، ولكن من يعرفه جيدًا يعلم أنه في حالة حزن وألم أفقدته القدرة حتى على التحرك من مضجعه. وكأنه زهد الدنيا وما فيها ولا يريد شيئًا إلا النوم، الذي لم يخطو باب جفنيه منذ الأمس. والأم التي تشعر بأوجاع صغيرها مهما كبر، هي فقط من تستطيع إخراجه من تلك الحالة. تنهدت ببطء، وهي تتقدم نحوه، راسمًة على ثغرها ابتسامة طيبة، وهي تقول: "واد يا أحمد، عارفة إنك صاحي."

هز رأسه بيأس، ثم اعتدل قليلًا، وقال: "يا أمي، كل الشهادات اللي متعلقة قدامك دي، ولسه بردو واد بالنسبالك." جلست بجانبه، ثم قالت: "أنت هتكبر عليا يا روح أمك، ولا إيه؟ الله يرحم لما كنت بتعملها عليا وتغرقني بعد ما قلعتك الكادولاس." ضحك وهو يقول: "هو مفيش حاجة تعايريني بيها غير دي؟ قالت بجدية مازحة: "لا، في كتير، بس أنا لازم أستر على ابني، أيوه، أمال إيه." أحمد: "ماشي يا دودو، صحتيني ليه بقي؟ دينا:

"زهقت من القعدة لوحدي، نفسي أرغي مع حد. أبوك بينزل من الصبح مش بيرجع قبل حداشر ولا اتناشر، وماليش اختلاط بالجيران، أعمل إيه." أحمد بغيظ مازح: "تيجي تقرفيني أنا وتطيّري النوم من عيني." ضربته بغيظ وهي تقول: "قررررف... أنا قرف! أخص على تربيتك الـ... وضع يده فوق ثغرها بسرعة، ثم قال معتذرًا: "آسف يا ست الكل، حقك عليا، أنا غلطان." نظرت له بشر، وقالت بعد أن أزاحت يده: "عيل زبالة ملقاش اللي يربيه. المهم... نظر لها باهتمام،

فأكملت: "الست اللي في وشنا دي صعبانة عليا أوي يا أحمد. جوزها شكله مفتري، ليل نهار مبهدل فيها هي والعيال، وشكلها يا عيني غلبانة، مش بسمعها ترد عليه." أحمد: "ملناش دعوة يا ماما، كل واحد هنا في حاله، وأدام هي راضية خلاص، إحنا منعرفش ظروفها." دينا: "ربنا يهدي البعيد، مفيش غيره اللي صوته طالع في العمارة." أحمد:

"على فكرة أستاذ رؤوف ده شخص محترم جدًا، والناس كلها بتشكر فيه. أنا شخصيًا، اتعاملت معاه أكتر من مرة، والصراحة قمة في الذوق والاحترام." ردت عليه بحيرة: "أمال يا ابني لما هو كده، مبهدل مراته وعياله ليه على طول؟ أحمد: "يمكن هي يا ماما مش مريحاه، الله أعلم. ربنا يصلح حالهم. المهم... جني كلمتك النهارده." دينا: "وهي تقدر تعدي يوم متكلمنيش؟ دا أنا كنت أتجنن. نظرت له بحنو، ثم قالت: أحضر الأكل، ولا لسه مش جعان."

تحرك من مرقده ناويًا النهوض، وهو يقول: "يا ريت يا ست الكل، بس بسرعة عشان متأخر، وعندي عملية مهمة." قامت من مجلسها، ثم نظرت له بغيظ، وقالت: "شوف الواد اللي معندوش دم. افتكر شغله دلوقتي عشان ميقعدش يتكلم معايا، أكلم الحيطان أنا يعني، ولا أعمل إيه." اتجهت للخارج، ثم أكملت بهمس: "أما ينزل أخبط على الست الغلبانة دي أشوف المفتري ده كان بيزعقلها ليه بالليل."

قبل أن يتجه للمرحاض، وجد هاتفه يصدح. نظر إليه، ووجد اسم عمر ينير الشاشة، فرد عليه قائلاً بعتاب: "الناس اللي مش بتسأل." عمر: "أنت شارب حاجة ياض ع الصبح؟ ما أنا كنت معاك من تلت أيام. خف البنج شوية يابن خالتي، كده غلط على دماغك." ضحك أحمد، ثم قال: "عندك حق، دماغي فوتت. المهم أخبارك إيه." عمر: "فل الحمد لله. أنت فين." أحمد: "في البيت. في حاجة ولا إيه." عمر:

"عايز أقابلك ضروري، بس بلاش الشركة ولا المستشفى. لو معندكش عمليات بدري، تعالي نتقابل على الكافيه كمان نص ساعة." أحمد: "تمام، هلبس وأنزل على طول، بس في إيه، طمني." عمر: "يا واطي، هو أنا بيجي من ورايا غير الخير." أحمد بغيظ: "تبًا لتواضعك يأخي. سلام." تشعر بالجوع، حقًا. شعور مؤلم. من الممكن أن يكون عاديًا بالنسبة لمن لا مأوى لهم، ولكنها تسكن في منزل فخم، والجميع يعتقد أنها من الأثرياء أو على الأقل ميسورة الحال.

ولكن داخل ذلك المنزل، يسكن ذكر بخيل في​‌‍⁠ رواية عمر و عشق - الفصل 7 | مكتبة الروايات كل شيء، المشاعر والماديات. ليس لضيق حاله، لا. ولكن لأنه يتخذ من المال الذي يملكه وسيلة لإذلال زوجته وأطفاله. هل تصدقون أنه لم يأتي بأي طعام لهم منذ يومين. وكل هذا لما؟ لأنها تألقت في حفل المدرسة، ولأن ولدها قال أمامها: "أنا فخور بيكي يا ماما، كل صحابي بيحسدوني عليكي." كلمات صادقة خرجت من فم طفل لم يعرف معنى الحنان. و الأمان إلا على يد أمه.

و الأب الحقير يعاقبهم بالحرمان من الطعام بسبب ذلك. قبل أن يغادر قالت له: "سيب لي فلوس عشان أنزل أجيب أكل قبل ما العيال ترجع من المدرسة." رد عليها بحقارة: "أتصرفي، أنا ما معييش فلوس." نظرت له بصدمة وقالت: "أتصرف إزاي يعني؟ اديني أي حاجة عشان العيال... وبمنتهى الندالة قال: "حطيلهم عيش في الميه." ردت عليه بجنون: "هما بط." تركها دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليها.

وها هي تجلس تفكر فيما تفعله. تملك بعض القطع البسيطة من الحلي الذهبية بعدما باعت معظم ما تملكه لتلبي احتياجات أطفالها حينما يرفض هو أن يأتي بها. تنهدت بهم ثم قالت: "يا رب ألاقي حد بتاع دهب فاتح وأنا رايحة أجيبهم." بكت بقهر وهي تكمل: "الدهب عمره ما هيكون أغلى من عيالي... منك لله يا رؤوف ضيعت كل اللي حيلتي، معرفتش أشيل حاجة للزمن." داخل أسوار الجامعة... وقف أيهم أمام ريم عنوة ثم قال: "مش هطول بس أنا عايز أطمن...

أهلك كلموكي؟ احمر وجهها خجلًا ثم قالت: "لا، محدش كلمني... عشق قالت لي على اللي حصل، والمفروض إن خالو هاشم هيتكلم معايا." نظر لها بحب زائف ثم قال: "أنا خايف يرفض... مع إن كنت متفق معاكي أتقدملك بعد ما أخلص الجامعة... بس مقدرتش أصبر بعد ما ابن خالتك شافنا." أدعى الرجولة وهو يكمل كذبًا: "مكنتش هقبل أبدًا أحطك في موقف محرج مع أهلك... وربنا أعلم أنا عملت إيه مع بابا عشان أقنعه."

خفضت رأسها في الأرض وقالت: "ربنا يقدم اللي فيه الخير." وفقط تركته وغادرت سريعًا دون أن تضيف حرفًا آخر. أما هو تطلع نحوها بغل ثم قال: "هانت يا بت الجندي... كلها كام يوم وتكوني معايا، وساعتها هاخد كل اللي أنا عايزه." اجتمعت نساء العائلة يتحدثن سويًا بعد أن خلت الفيلا إلا منهم. تحدثت أمل بغضب بعدما أخبرتها حبيبة بما قاله هاشم: "أيهم... ده عيل صايع... أنا عندي تقعد جنبي بايرة ولا أنها تاخد الزفت ده."

حبيبة: "هاشم قال لازم ناخد رأيها... حتى عمر قال لو أختي موافقة أنا موافق." صرخت أمل بغضب: "يبقى أكيد جرى لمخه حاجة... إزاي يا ناس أنتو هتجننوني! ملك برق: "أهدي يا أمل مش كده... افهمي اللي حصل بالظبط وبعدها قولي رأيك." نورا: "تفهم إيه؟ ماهو واضح إنهم متفقين وموافقين كمان." حبيبة: "أنتي تعرفي عنهم كده يا نوري؟ أنا أصلاً قولت لهاشم يرفضه ونخلص. قالي لازم البنت تعرف... ولو موافقة يبقى عليا النصيحة." ملك: "إزاي يا بيبو؟

معقول هاشم ده رأيه؟ استحالة." حبيبة: "والله يا بنتي ده اللي قاله، وقالي اتكلمي مع البنت أنتي وأمها وبلغوني رأيها." داخل إحدى أكبر المدارس الخاصة... كان يقف التوأمان في ركن بعيد نسبيًا عن تجمعات الطلبة التي تملأ فناء المدرسة. وقفت قبالتهم فتاة جميلة شكلاً فقط، ولكن الأخلاق... الله وحده أعلم بها. ابتسمت ببرود وهي تقول: "هاي يا بنات، أخباركم؟ زفرت حبيبة بحنق، بينما ردت روح برق: "الحمد لله... أنتي أخبارك؟

بقالك فترة مش بتيجي." سندس: "كنت مسافرة دهب ولسه راجعة." نظرت لحبيبة ثم قالت بغيظ مكتوم: "هاي يا حبيبة، أنتي مخصماني ولا إيه؟ ردت بتبجح: "هو إحنا صحاب عشان أخاصمك ولا أكلمك؟ نظرت لها بكيد ثم أكملت: "واللي جاية تسألي عليه... أنتم مع تميم من أسبوع... ريحي نفسك بقي." جن جنون الفتاة بعد سماع تلك الكلمات. نظرت لها بغل وقالت: "كذابة... تميم عمره ما يسيبني أبدًا." روح برق: "أهدي يا سندس...

إحنا ما نعرفش حاجة، كلميه واتفاهموا مع بعض." صرخت بها بغضب مما جعل تلك الرقيقة تدمع عيناها من الخوف والإحراج: "أكلم مين؟ أنتي كمان؟ دا أنا هسود عيشته! كادت حبيبة أن تهجم عليها إلا إنها وجدت تيم ظهر أمامها دون أنظار. نظر بغضب لتلك المتبجحة خاصة بعدما رأى دموع روحه الرقيقة. تيم: "فيه إيه؟ حبيبة بتسرع: "بتزعقلنا عشان تميم مش بيكلمها." نظر لها بغضب ثم قال بأمر لا يقبل النقاش: "لو مش عايزة تتهاني ويتقل منك قدام الكل...

متفكريش تقربي منهم تاني، سامعة؟ انتفضت الثلاث فتيات رعبًا من صرخته. نظرت له سندس بغل رغم رعبها الداخلي منه وقالت: "أنا هعرفكم أنا مين." وفقط تركتهم وانطلقت بعيدًا لعلمها جيدًا إنها لا تقوى على الوقوف أمامه لحظة واحدة. تطلع لحبيبته بحنان ثم قال: "بتعيطي ليه يا روحي؟ البت دي عملت لك حاجة؟ ردت عليه برق: "لا، بس أنا بخاف من الصوت العالي." تدخلت حبيبة بمزاح: "شبه أمك بسكوته... وأنت يا عم النحنوح إيه اللي جابك؟

أنت مش ثانوية عامة ومليكش حضور؟ نظر لها بغيظ وقال: "أنتي مالك يا باردة... أنا مش عارف إزاي حكم أخويا العاقل الراسي يطس في نظره ويحب جعفر." ردت عليه بغيظ: "أنا توأم روحك على فكرة لو انطسيت في نظرك ومش عارف يعني." روح: "عيب يا بيبو كده... ده أكبر منك." حبيبة بجنون: "هتجلط من رقتك يا شيخة." نظرت لتيم وأكملت بقهر مازح: "أنت صح، أنا فعلاً جعفر."

ضحكوا معًا بعد أن نجحا الاثنان في إخراج تلك الملاك شبيهة أمها من حالة الحزن والخوف التي كانت عليها. حبيبة: "بجد أنت جاي ليه؟ مش عندك درس دلوقتي؟ تيم: "أتأجل، وحكم قالي أجي آخدكم عشان طلع في شغل الشركة." حبيبة بحزن: "يعني مش فاضي ييجي ياخدني." تيم بتعقل: "بابا اتصل بيه وبعمار حتى تميم هناك، وأنا هوصلكم و هروح، يبقى كده أكيد في حاجة مهمة... أصلًا اتصل بيكم انتوا الاتنين محدش رد."

روح: "الفون صامت وملحقناش نفتحه لما سندس وقفت معانا." تيم: "حصل خير، يلا عشان الحق أروح بدل ما الأتش يقيم عليا الحد." بعد أن تبادلا التحيات وبعض الأحاديث البسيطة. نظر عمر بجدية لأحمد وقال دون مواربة: "طبعًا عرفت أن أيهم اتقدملها." غامت عين أحمد بحزن، ولكن رده بثبات: "ربنا يسعدها مع اللي بتتمناه." نظر له عمر بغل وقال: "أنت أهبل ياض ولا عندك عم عبيط؟ إزاي تتخيل إننا ممكن نوافق على عيل؟ أحمد: "حتى لو رفضتوه...

هي عايزاه." عمر: "عشان هبلة ومش عارفة مصلحتها... بس أنا بقى هعرفهالها كويس وهعلمها من أول وجديد." أحمد بعدم فهم: "يعني إيه؟ مش فاهم." عمر بخبث: "ميخصكش بقى... مش أنت تمنتلها السعادة يبقى فوكك متشغلش بالك." فقد أحمد أعصابه وقال بغضب دون أن يهتم بصوته العالي في مكان عام: "ما تنطق يأخي! هو ده وقت برودك؟ ضحك عمر برجولة ثم قال: "أيوه كده... دور المكسور ده مكنش لايق عليك الصراحة." جز أحمد على أسنانه

بغيظ ثم​‌‍⁠ قال بغضب جم: "عمررررر... أنا على آخري وربنا الله أعلم بيا... أساسًا الشيطان بيوزني أروح أقتله وأخلص... فا الأحسن إن أنت اللي تخلص وتقولي اللي فيها عشان متجننش عليك." نظر له بغضب مفتعل ثم قال: "تتجنن على مين يااض؟ دا أنا تربية هاشم الجندي... مش ابن ذوات هتكلم بالشوكه والسكينة." كتم أحمد غيظه من هذا البارد الذي يعلم تمام العلم أنه يتعمد استفزازه ثم قال: "تمام...

أنا هادي خالص أهو. اتفضل يا عمر باشا قول اللي عندك." نظر له عمر بشماتة ثم قال بغرور: "أيوه كده تتعدل." تطلع له بجدية ثم أكمل: ".....

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات