القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية في عصمت صعيدي الفصل السابع 7 - بقلم إسراء محمد أمين

 

بعد مرور بضع دقائق، أتى الفتى يلهث وهو ممسك بعباءة سوداء وحجابها. التقط منه الملابس وهو يربت على كتفه قائلاً برفق: "شكراً يا ضنا يا حمزة." ابتسم له حمزة قائلاً: "انت تؤمرني يا عمي." ورحل مبتعداً عنه. التفت بدر لدانه التي تتابع الحوار بابتسامة، فأراد أن يشاكسها: "اتفضلي يا ستي، يا ريت بسرعة عشان الريحة قلبت المكان." نظرت له بحدة وسحبت الملابس من يده بحدة وقوة وغيظ، ثم أشاحت برأسها في كبرياء وغرور وهي متجهة للاسطبل.

غيرت ملابسها ورَمَت بالفستان في الإسطبل، وخرجت من شنطتها المعقم لتعقم يدها والعطر، وهندمت من شعرها. خرجت بعد دقائق لتهتف برقة لا تصطنعها أبداً: "بدر، أنا خلصت." انتبه قلبه لندائها لاسمه الذي كان أجمل ما يسمع. التفت لها، يتطلع إليها من قدميها حتى شعرها. كانت العباءة مناسبة لها جداً، حيث أنها وحنين مقتربتان في الحجم، تصل لكاحلها، وتضع الحجاب على كتفيها وشعرها مفرود خلف ظهرها بروعة.

ظل يتطلع لها مسحوراً، وكأنها ألقت عليه تعويذة. وهي تنظر له بخجل من نظراته، ليجد صوته أخيراً بعد صمت دام لدقائق. قال دون وعي منه: "شكلك حلو أوي بالعباية." نظرت له بصدمة من حديثه، ثم ابتسمت بخجل وفرحة، وقلبها يرقص مقيماً حفلة صاخبة بين ضلوعها، حتى أنها شعرت به سمع دقاتها. أفاق من شروده وانتبه لما قال، ليلعن نفسه وقلبه الذي تفوه بما لا يريدها أن تسمعه. "أحم، اتفضلي." لتسير نحوه بخطوات هادئة، ثم تقول بنبرة هادئة:

"هو إحنا هنروح فين؟ ليجيب باستهزاء: "أكيد هنروح." نظرت له بغيظ وتقول بغضبها الطفولي المحبب: "لأ، أنا مش عايزة أروح، أنا ملحقتش أتفسح." نظر لها بابتسامة لم يستطع كبتها على غضبها الظريف قائلاً: "يعني هتمشي كده؟ لتجيبه بتأكيد وهي تنظر لنفسها: "أه، وفيها إيه أصلاً، عجبتني أوي."

نظر لها باستغراب، فقد اعتقد أنها هؤلاء البنات الأغنياء الذين يعتبرون هذه الملابس "بيئة" كما يقولون، ولا تعجبهم أبداً، واستحالة أن يرتدون أمام أحد. يقول لها بنبرة هادئة: "طب يا ستي، عاوزة تروحي فين؟ دانه بتفكير: "اممم، مش عارفة، أنا معرفش حاجة هنا." قال بدر مقترحاً: "إيه رأيك نروح عند الشلال نشوف الغروب؟ لتصفق بسعادة طفولية: "هييه، الله! أيوا أيوا، عاوزة أروح الشلال." ليضحك عليها بشدة، ثم يقول: "طب يا ستي، اتفضلي."

لتسير بجانبه بفرحة شديدة لأنها معه، وهو أيضاً قلبه يؤدي رقصة الهنود الحمر فور رؤيته لسعادتها الظاهرة وابتسامتها المهلكة. &&&&&&&&&&&&&&&&&&&& ظل ثوانٍ ينظر لها بصدمة، ليتكلم أخيراً: "انتي بتتكلمي بجد يا رغد؟ لتجيب بتأكيد: "أيوا طبعاً، أنا مش هستنى لما بابي يجوزني الراجل ده، ده بيقولي جاي هو ومرات بكرة عشان نتعرف." حاول أحمد التحكم في أعصابه وغضبه الجحيمي فور تذكره لذلك الشخص الذي تجرأ وأراد أن يأخذ منه حبيبته.

رغد وهي تمسك يده قائلة بخوف والدموع تلمع في عينيها، ظناً منها أنه لا يريد أن يتزوجها: "أحمـد، انت مش عايز تتجوزني؟ لينظر لها بسرعة ويلعن نفسه لأنه تسبب في هذه الدموع الغالية. ليمسك يدها ويلثمها برقة وحب وحنان: "لأ طبعاً يا حبيبتي، انتي إزاي تقولي كده أو تفكري كده أصلاً؟ رغد، اتأكدي إن أنا بحبك... لأ، بعشقك ومستحيل أسيبك. أنا بس مش عايزك تعملي كده من ورا أهلك وتخسريهم." لتجيب بمرارة وسخرية والألم تنهش قلبه: "هه، ليه؟

وأنا من إمتى كسباهم؟ ومن إمتى وهما معايا أصلاً؟ أحمد بتساؤل وحزن: "رغد، انتي عارفة مستوايا، هتقدري تعيشي معايا في بيتنا مع أمي وفي منطقتنا؟ لتجيب بحب وهي تتحسس وجنته: "أنا أروح معاك أي مكان، حتى لو الشارع، كفاية إنه معاك." ليقول بحب مماثل وحماس وهو يقف: "يلا بينا بسرعة." لتجفل وهي تجيبه: "فين يا مجنون؟ أحمد بغمزة شقاوة ومرح: "على المأذون طبعاً يا قمر." لتضحك بصخب عليه وهو يجرها بسرعة متجهين للمأذون.

بعد نصف ساعة، غالباً يخرجون من مكتب المأذون بعد أن أعلمهم زوج وزوجة، وكانت هي وكيلة نفسها. ومن حسن حظها أن بطاقتها في شنطتها. ليقبل يديها الاثنين بحب وفرحة قائلاً بعيون تلمع من الفرحة: "مبروك يا حياتي وعمري كله." لتجيب بابتسامة: "مبروك انت عليا يا حبيبي."

يلمح نظرة حزن بعينها، فهي حرمت من هذا الشعور الرائع لأي فتاة أن يكون والدها وكيلها وأمها بجانبها، ممسكة بيدها، ثم يسلمها والدها لعريسها ويوصيه عليه، وترقص مع حبيبها رقصة رومانسية وفستانها الكبير يلتف حولها. أحمد قائلاً بتخفيف: "معلش يا حبيبتي، أنا عارف إنك كنتي عايزة فرح زي أي بنت وفستان، بس أوعدك إني هعوضك وهعمل أي حاجة عشان أسعدك. أنا دلوقتي بشتغل شغلنتين وإن شاء الله ربنا هيفرجها قريب." لتجيب بحب لا

يمكن أن يكبر أكثر من ذلك: "هو أنا قولتلك إني مش عايزة غيرك في حياتي وإنه بالدنيا وما فيها؟ يضحك بسعادة بالغة لكلاماتها: "الصراحة لأ، مقولتليش. قولي تاني بقا." لتضحك هي أيضاً بشدة. بعد فترة وهم في السيارة: "طب يا رغد، مش هتقولي لأهلك يعني؟ نرحلهم ونقولهم؟ تقاطعه بحدة: "لأ، أنا مش هقولهم حاجة، هم أصلاً مش مهتمين، متخافش. وبعدين ممكن يؤذوك أو يخللوك تطلقني عشان العريس بتاعهم." يمسك يدها ويقبلها بحب شديد قائلاً:

"ماشي يا حبيبتي، اللي يريحك. اهدي بس." ثم يكمل: "رغد، انتي لازم تسيبي عربيتك." رغد بتساؤل: "ليه؟ أحمد بتأكيد: "انتي بقيتي مسؤولة مني، وأنا مش عايز مراتي تاخد معاها حاجة من​‌‍⁠ رواية في عصمت صعيدي - الفصل 7 | مكتبة الروايات بيت أهلها بفلوس أبوها. أنا عايز كل حاجة تخصك تبقى مني." لتحتضنه وهي تقول: "حاضر يا حبيبي، هسيبها وهسيب الدنيا كلها عشانك." يقبل جبهتها بحب شديد، ثم يوقف تاكسي ويتجه إلى منزله. $$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$

كان مصطفى يجلس بمكتبه القريب من مكتب بدر في الأرض، يتذكر عندما أوصل فرحة لمنزلها. فلاش باك. كانوا يسيرون بهدوء وصمت ممل. حاول مصطفى أن يفتح معها أي حوار: "احم، وانتي يا فرحة بتشتغلي إيه وفين؟ لتتردد فرحة في الرد عليه، لكنها تجيبه ببساطة: "أبوي بيشتغل في أرض الحاج محمدين، وأنا بساعده." ليلتفت لها بسرعة، لكنه لم يقل لها أنه صاحب الأرض، فضل الصمت. لتسأله هي:

"وانت يا أستاذ، قاعد بتعمل إيه في الأرض بتاعت الناس لغاية دلوقتي؟ لا مانع من المزاح والكذب قليلاً، هذا ما أتى في خاطر مصطفى. ليجيبها: "كنت بشتغل يعني، هكون بعمل إيه؟ لتجيبه بدهشة: "إيه ده؟ انت كمان شغال عندهم؟ ليومئ بها بتأكيد: "أيوا، وفيها إيه؟ فرحة ببساطة: "أبداً يعني، بس أصل حضرتك شكلك يعني ابن ناس، مش شغال في أرض." يجيبها بغمزة مرح: "الله! ده انتي مركزة بقا."

لتورد وجنتيها وتحاول كبت ابتسامتها من أسلوبه، وتنظربللاسفل. ليصلا بالقرب من البيت، تلتفت له وتقول: "لو سمحت يا أستاذ... ليجيبها بابتسامة: "مصطفى." لتومأ له وهي تكمل: "لو سمحت يا أستاذ مصطفى، كفاية كده عشان مرات أبويا لو شافتني هتعمل لي مشاكل. أنا خلاص بيتي أهو." تقولها وهي تشير إلى المنزل على بعد عدة أمتار. ليومئ لها: "تمام يا آنسة فرحة، اتفضلي."

لتشكره وترحل، ويظل يتابعها بعينيه ويسير خلفها ببطء حتى تدخل للمنزل وتغلق الباب. فيبتسم في أثرها، ثم يلتفت ليعود إلى منزله. عودة. ليمر على العمال حتى يراها، ليراها تساعد والدها وتحمل معه الأخشاب والمحصول. ليقترب منهم ويقف العمال احتراماً له، ليشير لهم أن يكمل بسرعة، ويقترب منها بعد أن ابتعد والدها لينقل الأشياء، يقول مبتسماً: "احم، عاوزة مساعدة يا آنسة؟ لتجفل، ثم تلتفت بسرعة لتضع يدها على قلبها تهدئ نبضاته، ثم تقول:

"لـ... لأ، شـ... شكرًا." ليكتم ضحكاته على توترها. وهي تجيب وتنظرفي كل مكان سوا: "انت مش بتشتغل ليه دلوقتي؟ لو عدى بدر بيه هيجازيك." ليقول لها بخوف مصطنع: "مين بدر ده؟ تجيب ببساطة: "ده ابن الحاج محمدين صاحب الأرض." ليقول بنفس نبرته السابقة: "يا خبر! لأ، ده أنا أروح شغلي بقا قبل ما يجي." لتومأ له. فيكمل بمزاح وغمزة: "مقولتليش انتي خايفة عليا ليجازيني؟ تجيب بتوتر وارتباك: "لأ طبعاً، وأنا أخاف عليك ليه؟

أنا بس مبحبش حد يتقطع رزقه." ليقول هو بخبث: "ماشي يا قمر، هعمل نفسي مصدقك." ويغمز مرة أخرى بشقاوة: "سلااام." ويرحل وهو يبتسم ابتسامة واسعة. تضحك هي بخفوت وخجل، ثم تنتبه لنداء والدها فتذهب له مسرعة، ولم تنتبه لهذه العين التي تنظر لها بشر وخبث. لما رأت فقد كانت تتابع من البداية. &&&&&&&&&&&&&&&&&&

في شلالات مبهرة جميلة للغاية، وصوت الماء المنعش ورائحة الزرع الرطب الرائعة، يجلس بدر ودانه وهما ينظران للسماء ليراقبا غروب الشمس. ليقطع هذا الصمت والهدوء صوت دانه وهي تسأل بدر فجأة: "صحيح يا بدر، انت ليه مش بتتكلم صعيدي؟ يطرب قلبه لسماع اسمه من بين شفتيها. ليهتف بعدها بنبرة لا مبالاة مصطنعة: "إزاي يعني؟ لتجيبه وهي تحسن صوتها وتغلظه ليشبه صوت الرجال وتحرك ثغرها بطريقة مضحكة وهي تحاول أن تقلد له اللهجة الصعيدية:

"إكدِه يعني." هي تضغط على حرف لينفجر ضاحكاً عليه. وبعد فترة سيطر على نوبة الضحك هذه، كانت دانه تراقبه بابتسامة وفرحة شديدة لأنها أضحكته هكذا. لتقول: "بتتريق عليا؟ تنكر إني قولتها صح؟ ليومئ لها وهو ما زال يضحك بخفة: "أيوا، قولتيها صح... أصل أنا روحت كلية تجارة جامعة القاهرة وقعدت هناك ٤ سنين، فاتعلمت لهجة القاهرة بتاعتكوا دي واتعودت عليها." ليكـمل بمرح: "بس ساعات بردك بتكلم صعيدي."

لتضحك دانه على نبرته ولهجته الصعيدية التي تسمعها لأول مرة. لينظر حولهم ثم يقول: "يلا بقا عشان تروح، الدنيا هتضلم." لتعترض قائلة: "لأ، أنا لسه في أماكن كتير مرحتهاش، أنا عايزة ألف القرية كلها، وكمان أنا مركبتش حصان." لتزم شفتيها وتقوسها للأسفل مثل الأطفال. ليبتسم على منظرها اللطيف. لا تعرف ماذا يفعل به دلالها الفطري وطفولتها العفوية هذه، تجعل قلبه يحلق في السماء. ليجيب بابتسامة:

"ماشي يا ستي، متزعليش، بكرة إن شاء الله هفسحك تاني، إيه رأيك؟ لتقفز وهي تصفق بيدها وهي تقول: "yes yes، موافقة طبعاً." يبتسم على جنانها وأراد أن يشاكسها: "طب يلا، وكفاية تنطيط زي القرد." لتنظر له بغضب قائلة: "انت متعرفش تعمل حاجة حلوة للآخر، أنا قرد." وهي تشير لنفسها. ليكبت ضحكاته يقول بحدة مصطنعة: "أفندم؟ بتقولي إيه؟ لتهز رأسه بنفي بسرعة وهي تقول بخوف وارتباك: "لأ، أبداً، أنا مقولتش حاجة أصلاً، انت سمعت حاجة؟ ليضحك

بشدة على حركتها الطفولية: "يلا اتفضلي قدامي عشان نروح." لتبتسم وهي تسير بجانبه. @@@@@@@@@@@@ وصلوا إلى المنزل، لتقف بتوتر وارتباك من هذا اللقاء وهي تلعب في يديها بخوف. لينظر لها ليجدها على هذه الحالة، ليحتضن يدها بين كفه الكبير، لتغوص بها يدها، ويقول وهو يضغط عليها: "متخافيش يا حبيبتي، دي ماما طيبة." ويكمل في سره: ربنا يستر. ليفتح الباب ويدخلوا ليجدوا المنزل هادئ تماماً ومظلم، لا يوجد به صوت. لتزيد رغد من الضغط

على يد أحمد وهي تقول بخوف: "أحمـد... يقول مطمئناً: "متخافيش يا حبيبتي، أنا هنا." لينير الأنوار ثم ينادي على والدته ولا إجابة. لينظر لها قائلاً: "دي تلاقيها عند جارتنا اللي جنبنا أم إبراهيم." لتومأ له بصمت وهي تحمد الله في سرها على تأجيل اللقاء. ليدخل لغرفته وهو يسحبها خلفه وينير الغرفة: "معلش يا حبيبتي، أنا عارف إن أوضتي صغيرة." لتفلت يدها منها وهي تدور في الغرفة بسعادة وتنظر لكل ركن وشيء يخص حبيبها قائلة:

"الله​‌‍⁠ يا أحمد، دي أوضتك؟ ليومئ لها بابتسامة وهو ينظر لها وهي تفتش في أغراضه قائلة: "كان نفسي أوي أشوف أوضتك." لتلقي بنفسها على السرير، ليجلس بجانبها وهو يميل عليها ويأخذها في أحضانه: "خلاص، دي بقت أوضتنا، والأوضة والصاحب الأوضة ملكك." لتضحك ثم تقبل وجنته. ليفتح الباب فجأة والدة أحمد وهي تصيح: "احمـ... ومن ثم ترى منظرهم لتصرخ وهي تقول: "مين دي يا أحمد؟

لتبتعد رغد عنه بسرعة وخوف، وينهض هو ليلحق بأمه التي خرجت خارج الغرفة وهي تقول بصوت عالٍ: "الحقوني يا ناس، ابني جايب واحدة معاه... و فين؟ في بيت أبوه وأمه؟ يلاااا هوووي!

تابع الفصل التالى من هنا

author-img
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا

تعليقات

close
التنقل السريع