الام الحقيقيه هي من تضحي من أجل أبنائها. تحبس كل أوجاعها داخل الضلوع لترسم ضحكة حلوة أمام صغارها. تحاول أن تعوضهم عما ينقصهم. مهما عانت وتحملت، يظلون هم هدفها الوحيد في الحياة. فليعينها الله على تحقيقه. وصل الصغار من المدرسة ليجدوا تلك الأم الحانية تستقبلهم كما اعتادت بين ذراعيها مع ابتسامة أرغمتها على الظهور. جلست معهم، وبينما كانت تفرغ حقائبهم وتراجع ما بها، شعرت أن ولدها به خطب ما. "مالك يا حبيبي، حصل حاجة معاك؟
"مفيش يا ماما، راجع مصدع." "ولاااا، اخلص هو أنا مش عارفاك؟ إيه اللي حصل؟ اتخانقت مع حد؟ "الصراحة آه، مصطفى اللي حكيتلك عنه رخّم عليا وضربته." "يا لهوي! انت يابني كل يوم لازم تعمل مصيبة؟ تدخلت نها بمزاح: "شفتي يا مامتي أنا اللي مريحاكي مش بعمل حاجة." نظرت لها بغيظ مازح ثم قالت: "لا انتي هتجلطيني يا قلب أمك." نظرت ليوسف وأكملت: "وبعدين إيه اللي حصل؟ أبوك عرف؟
نظر لها بحزن ثم قال: "آه، الأخصائية بعتتله. قالها عنده حصة هيخلصها وييجي." "طبعًا مجاش." "ولا شوفتوا طول اليوم. والحكاية أصلًا خلصت واتصالحت أنا والولد." "جدع أنت أصلًا راجل يا حبيبي، ومتأكدة إنك حليت الموضوع بعقل حتى لو كان بادئ بخناق." عليها بمزاح كي لا يحزنها: "أمي حبيبتي اللي رافعة معنوياتي."
ضحكت بحب وقالت: "أنا أصلًا بثق فيك بجد على فكرة، وأنت عارف إني بعتبرك راجل. يا واد أنت صاحبي من صغرك، بحكيلك وتحكيلي، وبآخد رأيك كمان." تدخلت نها في الحديث قائلة: "أنا هقوم أغير قبل ما أبو لهب يوصل ويبدأ دروس القيم والأخلاق. يوسف أنا لو منك أدخل نام قبل ما يرجع وارحم نفسك، مالي هتسمعه." "انتي يا زفتة كام مرة أقولك عيب، وإياكي أسمع منك الكلمة دي، ده أبوكم وليه احترامه مهما عمل." وقف يوسف ثم نطر يده
في الهواء وهو يقول بغيظ: "يا شيخة بقي ارحمينا، إحنا عايزين نطلع عاقيين، وأنتي خلصتي ضميرك قدام ربنا، مش هتجبرينا نحبه." "يووووسف! صاح بها في المقابل: "يووووسف إيه يا ماما؟ هتفضلي تقولي أبوكم ومهما عمل ومش عارف إيه... وأنا أصلًا عمري ما حسيت بالكلمة دي. أنا كل اللي بحس بيه الخوف وبس، مش هتجبريني أحبه." "أنا مش عارف ليه بتدافعي عنه، شوفتي منه إيه غير الذل والإهانة؟ أنتي قابلة ده؟ أنا مش هقبله ولا هتعرفي تجبريني عليه."
وتركها وغادر مع أخته. وترك الأم المسكينة التي تحاول جاهدة أن تجعل صغارها أسوياء، وهي تقوم بدور الأب والأم معًا وتزرع الثقة داخلهم. ولكن ذلك الشيطان في لحظة يهدم كل ما تبنيه، وهي لا تكل ولا تمل، تبدأ من جديد مرارًا وتكرارًا، ولآخر نفس سيخرج منها. تقابل تميم مع عمار في حديقة الفيلا. الأول وصل توه من الجامعة، والثاني كان يعبث بهاتفه يراسل إحدى الفتيات.
"يابني ارحم نفسك، أنا مش عارف ملاحق على كل البنات دي إزاي غير إنك في ثانوية عامة." ضحك تميم وقال: "لازم يبقى فيه حتة طرية كده تهون عليا المرار اللي أنا فيه." ضحك عمار وقال: "حتة واحدة بس؟ قول عشر خمستاشر. أنا مش عارف ياخي إزاي أنت وتيم توأم، ولا حكم أخوكم الكبير اللي مش بيبص لجنس أنثى." "أنا مالي يابا، تيم حب روحه وحكم شقته حبيبه. الحمد لله بنات العيلة خلصت كده، وبعدين أنا ليه أحب وأوجع دماغي بكهن البنات؟
أنا كده باشا." ضحك عمار بصخب ثم قال: "أنت كده ابن هاشم بحق." نظر له بغيظ وقال: "شوف مين بيتكلم، قال يعني أنت إمام جامع، مانت خاربها ورحلة شرم تشهد." عمار بغيظ: "بس يا جدع متفكرنيش، كانت حتة مزة عشت يومين ملهومش حل، وكنت ناوي أكمل أسبوع. لقيت عمر باشا بيتصل بيا، مسخر اللي جابوني وخلاني رجعت في نفس اليوم." "مانت اللي غبي لو خلصت الشغل اللي كان طالبه منك قبل ما تسافر مكنش قدر يتكلم."
"مانا وتيم في ثانوي وبرضه هو وأبويا مش راحمينا، لازم ننزل الشركة يومين أو تلاتة في الأسبوع." "يا عم المفروض يعرفوا إننا لسه بندرس، يسيبونا نعيش يومين قبل ما ندخل في المعمعة." "لما أقولهم كده يقولوا عندك وقت للبنات اللي بتصيع معاها، ومعندكش وقت للشغل." أكمل عنه عمار بغيظ: "ما تسترجل يااض وانشف كده، ما إحنا كلنا كنا بنتعلم ونشتغل في نفس الوقت. أنت مش هتطلع زي زويل يعني." ضحكا الاثنان معًا بصخب ثم
قال تميم بفجور يشبه أبيه: "سيبك أنت، هو إحنا بيحوق فينا حاجة. المهم عملت إيه مع البت اللي تقلانة عليك دي؟ مش فاكر اسمها." عمار بغل: "ولا عبرتني، بس علي مين هجبها هجبها، دانا عمار الجندي، مفيش بت تقولي لا." داخل فيلا عماد البلتاجي. جلس ذلك الفاسق مع أبيه بعدما عاد توه من تلك السهرة الماجنة. عماد بغضب: "حمد الله بالسلامة يا بيه، راجع العصر وأنت خارج من امبارح."
رد عليه إيهام بتبجح: "بقولك إيه، سيبك من الكلمتين اللي حفظهم دول واسمع مني، عايزك في موضوع مهم وهيفرحك، غير إنك هتطلع منه بمصلحة حلوة." عماد بغيظ: "هو انت بيجي من وراك خير؟ قول اللي عندك أما أشوف." إيهام: "أنا عايز أخطب." عماد: "أنت أكيد اتجننت، تخطب إيه يا فاشل وأنت بقالك تلت سنين مش عارف تتخرج من الجامعة، ده غير إنك كنت بتاخد السنة في اتنين، حتى الشركة بتيجي فيها كل فين وفين."
ترك أبيه يخرج كل ما لديه وهو ينظر له ببرود، وبعدما انتهى قال: "خلصت؟ طب لو قلتلك إن اللي عليها العين والنية بنت الجندي هتقول إيه؟ نظر له أبيه بذهول وقال: "بنت الجندي مين؟ الجندي اللي نعرفه ولا حد تاني؟ ابتسم إيهام بغرور ثم قال: "هو هاشم الجندي يبقى خالها، وتبقى أخت عمر الجندي بذات نفسه." طار عقل أبيه من الفرحة وهو يقول: "انت بتتكلم جد؟ أنا مش مصدق! عرفتها إزاي دي؟ ولا إيه اللي خلاك تفكر فيها؟ "زميلتي في الكلية."
عماد بقلق: "بس تفتكر ممكن يوافق عليك؟ أنت سمعتك زفت، ده غير إن شركتي منافسة ليهم، وأنت فاهم." إيهام: "هيوافقوا غصب عنهم، البنت دايبة فيا، وهما من النوع اللي مش بيجبروا بناتهم على حاجة." عماد بفرحة عارمة: "لو ده حصل، شاليه الساحل اللي كنت هتموت عليه هيكون هدية مني ليك، وأنا من بكرة هروح أخطبهالك، بس أهم حاجة تكون مالي إيدك من البنت كويس." إيهام: "عيب عليك، دانا إيهام البلتاجي. روح اطلبها وأنت مطمئن على الآخر."
عاد ذلك البغيض إلى منزله بوجه متجهم. وقبل أن يلقي السلام لاحظ طبق الأرز موضوع فوق الطاولة. سألها ببرود: "أنتِ عملتي رز بلبن لابنك الحيلة؟ ده على أساس إنه يستاهل يعني." ردت عليه ببرود: "مش أنا اللي عاملاه، دي جارتنا اللي في الوش جابتهولي الصبح." رد عليها بغباء: "إيه اللي خلاكي تاخديه منها؟ وطبعًا لازم تعملي حاجة وتديهالها وشغل البيئة ده. أنا كام مرة قلتلك مش عايز اختلاط بالجيران." ردت عليه بغضب: "هو فين الاختلاط ده؟
إحنا بقالنا قد إيه ساكنين هنا معرفش حد في العمارة ولا حتى بشوفهم غير صدفة." "وانتي عايزة تعرفيهم ليه هااا؟ طبعًا عشان تسيبي البيت واللي وراكي وتفضلي ترغي مع النسوان، وفالأخر تعمليلي مشاكل من غير داعي." "هو كل اللي بيعرف حد بيحصل مشاكل؟ أنت قاطعني عن الدنيا بحالها لو مش واخد بالك." رد عليها ببرود وداخله أصبح منتشي بعدما أوصلها لتلك المرحلة من الغضب، فهو شيطان يعيش ويتغذى على أغضاب الآخرين وحزنهم بالنسبة له قمة الفرح.
"أنتي شغلتك البيت والعيال وبس. روحي شوفي التراب اللي مالي سلك الشباك ومانع الهوا إنه يدخل بدل ما بتضيعي وقتك في تفاهات." ردت عليه بغضب: "حرام عليك، دانا لسه ماسحة الشقة كلها أول امبارح، هو أنا بقعد طول اليوم؟ "إيه يعني؟ اعمليه تاني، وأنتي وراكي إيه؟ بس خلي عندك ضمير ومتعمليش الحاجة من عالوش، ده بيتك يا هانم مش شغالة موظفة فيه."
جلست حزينة باقي اليوم رغم تمثيلها المزاح، تفكر في أحمد ابن خالتها الذي تعلم مدى عشقه لريم منذ زمن. كثيراً ما نصحته أن يتقرب منها ولكنها رفضت بشدة. وقتها قال برجولة: "مش هقولك عشان صلة القرابة اللي بينا، بس هقولك إن عمر صاحبي الوحيد، استحالة أبص لأخته أو أكلمها من وراه. ده غير عمي هاشم، أنت عارف غلاوته عندي قد إيه زي أبويا وأكتر، وعمري ما أنسى اللي عمله مع أبويا زمان ولا اللي عمله معايا طول حياتي."
لم تجد حلاً أمامها غير الاتصال على حبيبها، حتى وإن كانت لا تستطيع إخباره بما حدث. يكفيها سماع صوته الذي يحتويها. ولأن قلوب العاشقين تشعر ببعضها البعض، بمجرد أن أمسكت الهاتف كي تتصل به وجدت اسمه ينير الشاشة كما أنار قلبها. ابتسمت بعشق ثم ردت عليه قائلة: "لسه حالا بمسك الفون عشان أكلمك." "قلبي قال لي إنك عايزاني. مالك يا حبيبي صوتك فيه حاجة؟
تنهدت بهم وقالت: "مفيش بس أنت وحشتني يا عمر، مش عارفة أقعد ساعتين على بعض بعيد عنك." الآن تأكد من حدثه بعد سماع نبرتها الحزينة والتي تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية. رد عليها بتعقل: "وعمر هيتجنن عليكي يا عشقه. تحبي تخرجي شوية تغيري جو؟ " أكمل مازحاً: "أكيد نفسيتك تعبت عشان بقالك يومين محبوسة في البيت ومعملتيش أي كوارث. غير عالفيس وده طبعًا ميرضيش الشبح." ضحكت بهدوء ثم قالت: "اها تصدق ممكن."
رد عليها بجدية: "ممكن، بس الأكيد إن حبيبي في حاجة ومش عايز يقولها. البسي أنا جايلك." "يا حبيبي مفيش حاجة صدقني، وبعدين أنت عندك شغل مهم النهاردة مش لسه بتحكيلي من شوية." وقف يلملم أشياءه من فوق المكتب وهو يقول بعشق خالص: "كنوز الدنيا تحت رجلك يا عشقي. يولع الشغل، تفتكري أنا هيكون فيا عقل أعمل حاجة وأنا مشغول على حبيبي. يلا اجهزي مسافة السكة هكون عندك."
أغلق معها وكاد أن يخرج، وجد هاشم ينظر إليه بحب وامتنان. فقد سمع ما قاله الآن لابنته الغالية. يطير قلبه فرحاً كلما رأى عشق عمر لابنته واهتمامه المبالغ فيه تجاهها. حتى وإن كان يغار عليها كأي أب أو أكثر قليلاً، ولكن من داخله سعيد أن ذلك الرجل الذي رباه على يده هو من ائتمنه على قطعة منه. سأله بوَجَل وهدوء: "مالها عشق؟ فيها حاجة؟ "لا يا خالو اطمن، شكلها زهقانة عشان بقالها يومين مخرجتش."
نظر له بتوسل ثم أكمل: "هروح لها معلش يا خالو نخرج سوا ساعتين مش هتأخر. أنا عارف إن ملف المناقصة لازم يخلص النهاردة عشان يتقدم الصبح، بس متقلقش أنا أخدته معايا ولما أرجع هسهر عليه لحد الصبح، وعد." نظر له هاشم بحب وفخر، ثم سحب من يده الحقيبة الجلدية التي تحتوي على هذا الملف الهام وقال: "روح شوف البت مالها وطمني، وأنا هقعد أنا وأبوك وهنتصل بعمار نراجعه، متقلقش." تطلع له بتردد ثم قال: "بس ده مسؤوليتي، أنت مش ذنبكم حاجة."
ربت هاشم على كتفه وقال: "روح ياض بدل ما أرجع في كلامي. والله أقعدك تعمله وأروح أنا أشوف مال عشق أبوها." جز عمر على أسنانه كي يكتم غيرته من ذلك اللقب ثم قال: "لا وعلى إيه، تشكر يا خال. سلام." هل يكمل هاشم عقلانيته إلى النهاية؟ بالطبع لا. أمسكه من ذراعه بقوة قبل أن يتحرك للخارج وقال بغيرة: "هما ساعتين يابن الكلب، دقيقة زيادة هنفوخك." ضحك عمر تزامنًا مع
وصول أبيه الذي قال بغيظ: "أنت ياض أنا متبري منك. يابني أنا من ساعة ما عشق اتولدت وأنا بتشتم، حرام عليكم أنا تعبت." رد عليه هاشم بغيظ مازح: "تستاهل عشان معرفتش تربيه." تطلع له مؤمن بصدمة وقال: "مين اللي معرفش؟ هو أنا أساسًا دخلت في تربيته؟ مانت أخدت الواد من يوم ما اتولد." نظر لهم عمر بنفاذ صبر ثم
اتجه نحو الباب وهو يقول: "معاكم ربنا بقي، مش هقدر أحضر خناقة كل مرة على مين اللي خلف ومين اللي ربي." نظر لهاشم بكيد ثم أكمل ليرد له ما شعر به حينما قال... "عشق أبوها." "سلام عشان متأخرش على عشقي." كاد هاشم أن يهجم عليه إلا أن مؤمن منعه وقال سريعاً: "حقك عليا أنا أبوس دماغك. هو عيل ابن ستين كلب مترباش."
وجدها تنتظره في حديقة الفيلا بشرود، وما جعله يتيقن أن ما بها ليس هين، حينما وجدها ترتدي ثياباً عادية لا تليق أن تخرج بها معه، فهي تهتم كثيراً بمظهرها حينما تكون معه. "ما بك صغيرتي؟ صبراً... بضع دقائق وأرمي همك داخل ضلوعي." وقف قبالتها وقال من داخل سيارته: "ينفع أشقطك؟ ساعتين بخمس تلاف. جاي ولا الدور الجاي." ابتسمت بحب وهي تجلس بجواره ثم أغلقت الباب وقالت: "أدفع عمري كله في مقابل دقيقة واحدة بس جوه حضنك يا حبيبي."
لمعت عيناه بعشق جعل خافقه ينبض بجنون. ابتسم بحلاوة ثم أمسك كفها وقبله بامتنان. نظر لها وقال: "قلب حبيبك وعشقه." وفقط انطلق بسيارته مغادراً المكان وما زال محتفظاً بكفها داخل كفه الكبير. وبمجرد أن ابتعد قليلاً، قام بإغلاق النوافذ المعتمة ثم ترك كفها وربت بكفه فوق ساقها وهو يقول: "حبيبي." فهمت ما يطلبه وسريعاً ما تحركت من مجلسها لتجلس فوق ساقيه وتضع رأسها فوق صدره باحتياج.
لف ذراعيه حول خصرها بقوة ثم قبل أعلى رأسها وهو يحاول أن ينتبه للطريق. تنهد بحيرة ثم قال: "خليكي في حضني كده لحد ما نوصل بيتنا. أنا بعشقك يا عشقي." ضمته بقوة ثم قبلت صدره وقالت: "وأنت بتجري في دمي يا قلب عشقك." مش مهم نروح فين المهم إني معاك وفي حضنك وبس.
لا يريد أن يسألها عن سبب تلك الحالة التي هي عليها الآن. سيتحلى بالصبر إلى أن يصل بها إلى شقتهما التي اشتراها من أجلها، بل وقاما بتأسيسها معًا. كل قطعة موضوعة بها تمثل لهم ذكرى. كل ركن داخلها شهد على لحظات جنونه بها. والآن لا يجد مكانًا غيرها كي يحتوي فيه عشقه ويجعلها تخرج كل ما يعتمل صدرها من ضيق. وبدوره سيعمل جاهداً على إخراجها من تلك الحالة مهما كلفه الأمر. ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
تابع الفصل التالى من هنا
