رواية فتاة الإشارة الجزء الثاني والعشرون 22 بقلم اسماعيل موسى فتاة الإشارةرواية فتاة الإشارة الحلقة الثانية والعشرون بدأت عجلة الإنتاج تدور داخل الشركة بصورة لم تحدث منذ شهور طويلة وكانت الماكينات التى ظلت صامتة لفترة تعود لتصرخ من جديد داخل المصانع بينما الشاحنات تتحرك بلا توقف والمخازن تُفتح حتى منتصف الليل والعمال يعملون بحماس مختلف بعدما بدأت الحوافز تصل إليهم فعلًا كما وعدتهم تالا
حتى المديرون الذين عارضوا تالا فى البداية بدأوا يعترفون بصمت أن الشركة استعادت جزءًا من قوتها المفقودة وأن الفوضى التى كادت تبتلع كل شيء بدأت تنحسر تدريجيًا أما تالا فكانت تتحرك بين الأقسام كأنها لا تنام أصلًا حيث تراجع الأرقام والتقارير صباحًا ثم تمر على المصانع وخطوط الإنتاج ظهرًا وتعود ليلًا إلى مكتب يامان لتظل حتى الفجر تراجع العقود وخطط التوريد الجديدة وكأنها تحاول أن تعوض غياب شخص كامل وحدها
ولأول مرة منذ اختفاء يامان بدأت المؤشرات الداخلية تتحسن فعلًا وبدأ الموظفون يشعرون أن الشركة يمكن أن تقف على قدميها من جديد لكن تلك الراحة لم تستمر طويلًا فى أحد الصباحات دخل مدير المبيعات إلى مكتب تالا بوجه شاحب وعينين مرتبكتين ثم وضع عدة ملفات فوق المكتب دون أن ينطق بكلمة واحدة
رفعت تالا عينيها إليه باستغراب قبل أن تسحب أول ملف وتفتحه بسرعة لتجد بداخله خطاب اعتذار رسمى من أحد كبار المستوردين يعلن فيه إيقاف التعامل مؤقتًا مع الشركة شعرت بانقباض خفيف داخل صدرها لكنها فتحت الملف الثانى ثم الثالث ثم الرابع لتكتشف أن جميعهم يحملون نفس المضمون اعتذارات وانسحابات وتجميد تعاقدات بصورة مفاجئة وكأن الجميع اتخذ القرار نفسه فى نفس الوقت
شعرت تالا ببرودة تسير داخل أطرافها وهى تقلب الأوراق بسرعة أكبر ثم رفعت رأسها وسألت بحدة ماذا يحدث بالضبط رد مدير المبيعات بتوتر أن العملاء بدأوا يتراجعون منذ أيام وأن عددًا كبيرًا منهم اتجه لشركة أخرى تعرض نفس المنتجات بأسعار أقل من السوق بصورة تكاد تكون مستحيلة سكت الرجل لحظة قبل أن يذكر الاسم الذى كانت تالا تتوقعه بالفعل وهو شركة صقر المرشدى
ساد الصمت داخل المكتب للحظات طويلة قبل أن تطلب تالا جميع تقارير السوق فورًا وبعد ساعات مرهقة من المراجعة بدأت الصورة تتكشف أمامها بصورة مرعبة صقر المرشدى لم يكن يحارب للفوز فقط بل كان يحارب لسحق شركة يامان بالكامل حيث بدأ يبيع المنتجات بأقل من سعر السوق بشكل متعمد حتى لو تحمل خسائر مؤقتة فقط من أجل سحب العملاء والمستوردين من تحت أقدامهم
لكن الأمر الأخطر بالنسبة لتالا لم يكن صقر نفسه بل بسنت التى كانت تدير الملف بالكامل لأنها تعرف العملاء ونقاط ضعف الشركة وخطوط التوريد وتعرف بالضبط أين تضرب ومتى تضغط حتى تجعل النزيف أكبر ومع مرور الأيام بدأت الأزمة تتفاقم بصورة أسرع مما توقعت تالا حيث تحولت البضائع التى أنتجتها الشركة بكميات ضخمة إلى عبء ثقيل بعدما بدأت تتكدس داخل المخازن دون تصريف
امتلأ المخزن الشرقى بالكامل ثم تبعه المخزن الرئيسى وحتى ساحات التحميل نفسها بدأت تتحول إلى صفوف طويلة من البضائع المغلقة التى لا تجد طريقها إلى السوق كانت الشاحنات تقف بلا حركة بينما العمال يراقبون المشهد بقلق متزايد بعدما بدأت الأسئلة تنتشر بينهم عن مستقبل الشركة وما إذا كانت ستنهار فعلًا هذه المرة
وفى أحد الأيام دخل الحاج عبده إلى مكتب تالا وهو يحمل تقرير المخازن بيد مرتجفة ثم قال بصوت منخفض إنهم إذا استمروا بهذا الشكل شهرًا آخر فلن يجدوا سيولة تكفى لدفع المرتبات أغمضت تالا عينيها للحظة طويلة وهى تشعر أن الحرب الحقيقية بدأت الآن لأن الأزمة السابقة كانت أزمة قانونية يمكن مواجهتها بالأوراق والمحامين أما هذه فكانت حرب استنزاف قذرة هدفها خنق الشركة ببطء حتى تتوقف عن التنفس
وفى تلك الليلة نزلت تالا بنفسها إلى المخازن وسارت بين صفوف البضائع المتكدسة فى صمت بينما الأضواء البيضاء الباردة تنعكس فوق الصناديق المعدنية الضخمة وكانت الكميات هائلة بصورة مخيفة منتجات جاهزة تكلفت ملايين لكن لا يوجد من يشتريها وقفت تالا فى منتصف المخزن تحدق طويلًا فى البضائع ثم همست لنفسها بصوت منخفض أن صقر لا يريد الربح الآن بل يريد خنقهم حتى يتوقف النفس الأخير
وفى تلك اللحظة فقط أدركت تالا أن الحرب لم تعد على الصفقات ولا العقود بل أصبحت حربًا على بقاء الشركة نفسها حية من الأساس داخل المكتب الزجاجى الفخم فى أعلى برج شركة صقر المرشدى كانت بسنت تجلس فوق ساقيه بثقة كاملة بينما يده تتحرك ببطء فوق ذراع المقعد الجلدى وعيناه تتابعان أضواء المدينة الممتدة خلف الزجاج العريض وكان الليل هادئًا فى الخارج بصورة تخدع أى شخص يراه لكن داخل ذلك المكتب كانت الحرب تُرسم بالتفصيل
ألقى صقر الملف فوق المكتب بضيق واضح ثم قال إن الخطة الأولى كان يجب أن تنتهى بسقوط شركة يامان بالكامل وإنه لا يفهم حتى الآن كيف استطاعوا الخروج من أزمة الشرط الجزائى فى اللحظة الأخيرة بعدما كانت الشركة على حافة الانهيار الكامل ابتسمت بسنت بهدوء وهى تشعل سيجارة ثم همست أن المشكلة لم تكن فى يامان نفسه بل فى تلك الفتاة التى ظهرت فجأة داخل الشركة وغيرت كل شيء
ضيق صقر عينيه وسألها إن كانت تقصد تالا فهزت رأسها ببطء وقالت إنها راقبت كل ما حدث داخل الشركة القديمة وإن تالا منذ ظهورها بدأت تغيّر مسار الأمور بطريقة لم يتوقعها أحد سألها صقر باهتمام إن كانت خطيرة إلى هذه الدرجة فضحكت بسنت بسخرية خفيفة وقالت إن المشكلة الحقيقية فى تالا أنها لا تعرف حدودها وإنها تدخل فى أشياء أكبر منها دون خوف وكأنها لا تدرك حجم الأشخاص الذين تواجههم
ثم أضافت وهى تنفث دخان سيجارتها ببطء أن تالا هى من أعادت بناء موقف الشركة القانونى وهى من أقنعت المحامين بطريقة التفاوض الجديدة التى أفسدت عليهم خطة الاستيلاء على شركة يامان بالكامل ظل صقر صامتًا للحظات قبل أن يسألها عن الحل هذه المرة فاقتربت بسنت أكثر وهمست بهدوء أن شركة يامان خرجت من الأزمة لكنها دفعت جزءًا ضخمًا من الشرط الجزائى بالفعل وإن السيولة داخل الشركة لم تعد كما كانت أبدًا
ثم مدت يدها نحو الملفات الموضوعة على المكتب وفتحت مجموعة من التقارير المالية وقالت إن الشركة الآن تتحرك بطاقة إنتاجية مرتفعة وتحاول تعويض خسائرها بسرعة وهذا معناه شيئًا واحدًا فقط رفع صقر حاجبه وسألها ماذا تعنى فابتسمت بسنت ابتسامة باردة وقالت إنهم لا يستطيعون تحمل حرب أسعار طويلة لأن الشركة تحتاج كل جنيه حتى تستمر فى دفع المرتبات وتحريك خطوط الإنتاج
سألها صقر إن كانت تقصد تخفيض الأسعار فهزت رأسها بثقة وبدأت تشرح فكرتها بالتفصيل وقالت إنهم سيطرحون المنتجات فى السوق بأسعار أقل من سعر السوق نفسه حتى لو
تابع الفصل التالى من هنا