القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية في عصمت صعيدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم إسراء محمد أمين

 

كان احمد يتحضر للذهاب مع والده إلى الشركة. فقد تبدّل تمامًا. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة ذات ماركة عالمية وقميصًا أبيض، وصفّف خصلات شعره الأسود. كان حقًا رائعًا. ارتدى ساعته ووضع عطره، وخرج لوالده مبتسمًا. "أنا جاهز يا بابا." قال كريم بسعادة: "يلا يا حبيبي."

دلفا إلى الشركة تحت نظرات الموظفات الهائمة بأحمد والموظفين المستغربين. جمعهم كريم وأخبر الجميع أن أحمد ابنه الوحيد الغائب. فالقوا جميعًا عليه السلامات وانصرفوا. ليتعرف أحمد على العمل والشركة والموظفين. بعد يومين، دلف إليه والده وهو مبتسم كعادته. "إيه يا أستاذ أحمد؟ أتمنى أكون مبعطلكش." ضحك أحمد وهو يقول: "لا طبعًا يا بابا، أنت تيجي في أي وقت."

قال كريم بجدية: "في عميل مهم جاي بعد شوية. هنعقد صفقة مع بعض ولازم تكون موجود." قال أحمد بجدية مماثلة: "تمامًا، أنا خلصت اللي ورايا على كل حال." ثم أكمل بارتباك: "بابا، أنا كنت عاوز أروح لرغد بس خايف من المواجهة... مش عارف أوريها وشي إزاي... حاولت كتير بس خايف ألاقيها كرهتك." قال كريم بتفهم: "أنا فاهم ده كويس." قائلًا بغمزة: "متقلقش، أنا هساعدك." ضحك أحمد: "ربنا ما يحرمني منك."

قال كريم وهو ينهض: "طب يلا، تعال ورايا بقا على المكتب." يومأ له أحمد، فخرج والده. لينقل أحمد الأوراق إلى المكتبة ثم يلحق بوالده.

دق الباب ثم دلف وهو يلقي التحية بدون أن يرى من يجلس أمامه. ولكنّه تسمّر عندما وجد رغد أمامه. يا الله كم اشتاق لها. بالرغم من أنها أنيقة أناقة افتقدتها فترة زواجهم، إلا أنها ذابلة، شاحبة، تبدو حزينة، وعيناها بها كسرة. لعن نفسه أنه سببها ووعد نفسه أنه سيعيد لها روحها التي أخذها بكلماته وتخليه عنها.

بينما هي لم تصدق عينيها. كان وسيمًا، وسيمًا لدرجة لم تراه بها من قبل. لا تعلم هل بسبب اشتياقها له أم بسبب هذه البذلة التي زادت جاذبيته وهيبته. وعيناها اشتاقتها بشدة. قطع حديث أعينهم عمر وهو يقول: "أنت... انتبه له أحمد لينظر له بجمود. فكان دائمًا يقلل منه بسبب فقره ووقف أمام حبهم. وجلس مكانه ليتكلم كريم بفخر: "أقدم لكم أحمد ابني... أحمد كريم الشهاوي." نظرت له رغد بصدمة. بينما قال عمر باستنكار: "ابنك!! إزيك؟

قال كريم ببرود: "زي الناس." قال عمر: "بس أنا أعرفه، ده عيل صايع فقير." قال كريم بصرامة وشدة: "الزم حدودك يا عمر بيه وأنت بتتكلم عن ابني... ابني كان مخطوف ورجعلي الحمد لله." قال أحمد بتهدئة لوالده: "أهدى يا بابا، محصلش حاجة." ثم نظر لعمر بتحدٍّ وسخرية: "آه أنا الصايع الفقير يا عمر بيه... بس نقول إيه بقى؟ يشاء المولى عز وجل إن والدي الحقيقي يطلع غني."

حسنًا، حسنًا. قد كوّنت فكرة عن الموضوع. أحمد كان مخطوفًا وعاد لأهله الحقيقيين، وأيضًا المفاجأة الأخرى أن أهله أغنياء، بل أغنياء جدًا. ولكن بالطبع كانت صدمة بالنسبة له، ولكن نفضت أي شعور اتجاهه وادعت اللامبالاة. قال كريم بجدية: "ياريت نتكلم في الشغل." يُحمْحِم عمر بحرج ويومئ بالموافقة. ليبدأوا الحديث بالشغل وهو يسترق لها النظر. يود أن يختطفها بين أحضانه، ونفس الحال معها.

قال عمر: "تمام أوي، ورغد هتبقى معاكوا. هي المسؤولة عن العلاقات والتنفيذ." هذه فرصته حقًا. ستكون معه وسيعديها إليه بأي وسيلة ممكنة. لتتحدث رغد لأول مرة منذ أن دخلت قائلة بتوتر: "ب بس أنا... قاطعها أحمد قائلاً بتحدٍّ قاصدًا إثارة غيظها: "شكلك مش قدها. رأيي نشوف حد تاني." قالت رغد بتحدٍّ وهي تنظر له بقوة، وقد أسعده هذا بشدة: "لا طبعًا، أنا اللي هقوم بالمهمة دي." قال أحمد ببرود: "تمام، لما نشوف."

نظرت له بغضب وصمت، عازمة على أن تريه من هي رغد. ليقول عمر بعد أن قام: "تستأذن، إحنا بقا دلوقتي، وبكرا إن شاء الله هتيجي رغد بالأوراق." تنهض رغد هي الأخرى، تسلم على كريم، ثم تلتفت لتسلم على أحمد. الذي أمسك يدها بقوة بيديه الاثنين. حاولت سحبها بإحراج، ولكنها حمدت الله أنهم لم ينتبهوا لهم وكانوا يتحدثون. لتقول بغضب مكتوم: "سيب إيدي." قال أحمد ببرود: "لا." قالت رغد بغضب: "هو إيه اللي لا؟ بقولك سيب إيدي."

فقد ابتسم لها ابتسامة مستفزة. لتنظر له بغضب، ثم ترفع يده لفمها وتعضّه بقوة وغيظ. ليقول بصوت مرتفع بعد أن ترك يدها: "آه! التفتوا له كريم وعمر. فيقول باحراج: "احم، مفيش. اتخبطت." قال كريم بتأنيب: "ابقى خد بالك يا حبيبي." قالت رغد بسخرية وهي تبتسم بشماتة قائلة بخفوت: "آه، ابقى خد بالك و متلعبش في الشارع." ثم تذهب هي ووالدها باتجاه الباب خارجين. لينفجر أحمد ضاحكًا على شراسة محبوبته، كم اشتاق لها.

قال كريم بابتسامة خبيثة: "أظن كده عملت اللي عليا وجبتهالك لغاية عندك. الباقي بقا عليك انت." ليحتضنه أحمد بشدة وهو يضحك: "متقلقش، خلاص استحالة أسيبها تاني... ربنا ميحرمني منك يا بابا." ربّت والده على ظهره بحنان قائلًا: "ولا منك يا حبيبي." *** بعد أن تناولوا الطعام جميعًا في​‌‍⁠ رواية في عصمت صعيدي - الفصل 22 | مكتبة الروايات منزل محمدين، كانوا يجلسون جميعًا. ليقول مصطفى: "احم، بقولك يا حاج أنا عاوز أتجوّز." لتصدر زغرودة من جليلة، التي ضحكت عليها دانه وحنين.

ليقول محمدين: "واه! ما تستنى لما نعرف الموضوع الأول." قالت بفرحة: "يا أخويا، كفاية إنه فكّر." ليهز محمدين رأسه بيأس. ثم يقول لمصطفى المرتبك بخبث: "وأنت بقا عاوز أمك تشوفلك واحدة ولا أنت في واحدة معينة؟ قالت جليلة بسرعة: "أنا عندي ليك واحدة ياض يا مصطفى، إيه قمر جمال وأخلاق... قاطعها مصطفى: "لا يا أمي، احم، أنا... أنا في واحدة معينة." ثم نظر لوالده ويقول بتوتر: "فرحة بنت الحاج حسنين."

قال محمدين باستفهام وجمود: "حسنين اللي هيشتغل عندي؟ يومأ مصطفى. ويسود الصمت في الغرفة. مصطفى المترقب لوالده جامد الملامح، ووالدته التي تنظر لزوجها بقلق، وبدر الجالس بثبات فهو يعلم بما يفكر والده، ودانه وحنين الخائفين من رفضه. ليقطع الصمت محمدين ويقول بابتسامة: "على خيرة الله." فرح مصطفى وقد وفر. ليقول بمرح: "حرام عليك يا حج، قطعت الخلف." قال محمدين بصرامة: "اتحشم يا ولد." بينما بدر وحنين ودانه انفجروا ضاحكين. ليقول

بدر بثبات وهو يحتضنه: "مبروك يا أخويا." قال مصطفى بحب: "الله يبارك فيك." لتنهض وتحتضن أخاها بدورها: "مبروك يا حبيبي." قالت دانه برقة: "مبروك يا مصطفى." قال مصطفى بابتسامة: "الله يبارك فيكي يا مرات أخويا." تدمع عين دانه من مباركتهم واحتضانهم، وقد تذكرت والدها. فقد اشتاقت له بشدة. لتشعر بيد أمسكت بيدها. لتنظر وتجد بدر قائلاً بابتسامة ساحرة: "متزعليش، يومين ويرجع إن شاء الله." تنظر له بصدمة. كيف عرف ما تفكر به؟

حقًا هو يشعر بها ويقرأ أفكارها. لتنظر له بحب وامتنان. ليعكر صفو لحظتهم صوت زينة التي تقول بدلالها المعتاد: "لو سمحت يا بدر، عاوزاك شوية." يومأ لها بدر، ثم يخرجوا للتحدث بالخارج. ودانه تنظر في أثرهم بغضب شديد. لتأتي لها حنين قائلة بخبث: "إنتي هتسبيهم لوحدهم كده؟ تنظر لها دانه وتقول بغضب: "لا طبعًا." ثم تتحرك خلفهم بغضب. بينما حنين انفجرت ضاحكة على غيرتها.

كانت دانه تقف تراقبهم من النافذة. لتجد زينة تتحدث وهي تطلع لبدر بهيام. بينما بدر يستمع لها. في الخارج، كانت زينة تقول: "بس، فـ أنا عايزة أشوفلك أي شغلانة." قال بدر بجدية: "تمام، تعالي معايا بكرة وأشوفلك أي وظيفة في المشروع الجديد." لتومئ هي بفرحة قائلة بامتنان ودلع، وهي تمسك يده: "شكرًا أوي يا بدر." قبل أن يأخذ بدر أي رد فعل، كانت يده تسحب بشدة. ودانه تقف أمامه وهي تقول بغضب وشدة: "ماتحترمي نفسك بقا!

أنا مشوفتش واحدة معندهاش أدب ولا أخلاق زيك." تدّعي زينة البكاء وهي تقول بحزن: "أنا مقصدتش حاجة على فكرة... ينفع كده يا بدر؟ مراتك تقولي كده." قالت دانه بغضب أشد، وقد فقدت صبرها: "إنتي بتشهديه على إيه؟ ... إنتي مش بس معندكيش أخلاق، إنتي كمان متربتيش لما تلفي على راجل متجوز كده." قال بدر بغضب: "دانه! لغاية هنا وكفاية أوي... إنتي زودتيها وكمان مش عاملة حساب إنّي واقف." قالت

دانه بعينين دامعتين وغضب: "والله أنا اللي زودتها، أمال هي إيه؟ قال بدر بحدة: "دانه، قلت بس... "زينة مش قصدها حاجة، كانت بتشكرني و... تنظر له دانه بدموع متحجرة بغضب. ثم تدلف للداخل بغضب وقد نزلت دموعها. لتقول زينة بحزن وبكاء تمثيل: "بدر، أنا مقصدتش... قاطعها بدر: "خلاص، حصل خير. عن إذنك." ويدلف للداخل خلف زوجته الباكية. بينما زينة قائلة بخبث: "ولسه لما أشتغل معاه هقرب منه أكتر وأوقعه و هيكون ليا."

يفتح باب الغرفة ليجدها جالسة على السرير تبكي. ما إن رأته حتى مسحت دموعها بعنف ونظرت له بغضب. ثم أشاحت ببصرها. ليجلس بجانبها قائلًا باستفزاز: "شفتك على فكرة." لم تعره انتباه. ليكمل باستفزاز قاصدًا مصالحتها، فهو قسى عليها أمام زينة، ولكنّه ان فعل من غضبها: "اعتذر." قالت دانه بصدمة واستنكار: "نعم؟ اعتذر!! لا طبعًا، أنا مش غلطانة، إنت اللي غلطان والمفروض تصالحني." قال بدر باقناع: "وكلامك لزينة مش غلط؟

قالت دانه بانفعال: "لا، مش غلط." قال بدر بمسايرة: "وزعيقك قدامي مش غلط؟ لم تجبه. ليقول بتقرير: "غلط طبعًا." قالت دانه بتبرير: "أنا مكنش قصدي، أنا كنت متعصبة." قال بدر بتوضيح: "إنتي فهمتي غلط. هي بس كانت بتشكرني على الوظيفة اللي هديهالها بكرة." قالت دانه بغيظ: "نعم؟ كمان وظيفة؟ وهتشغلها فين بقا حضرتك؟ قال بدر بهدوء: "في المشروع الجديد، هشوفلها أي وظيفة... شوفتي إنك فهمتي غلط وظلمتيها."

قالت دانه بهدوء زائف وكذب: "آه فعلًا، أنا ظلمتها. خلاص بقا، بكرة أصلحها. تصبح على خير." تتمدد للنوم. لينظر لها بدر باستغراب ويقول بخفوت: "مش مرتاحلك، مش عارف ليه." ويتمدد بجانبها ويأخذها لاحضانه كـ أمس. ولكن الاختلاف أن دانه كانت مستيقظة وابتسمت على فعلته وزرعت نفسها أكثر باحضانه.

في الصباح، خرج من المرحاض ليجدها تقف أمام المرآة تضبط حجابها الوردي وترتدي فستانًا أبيض به خطوط وردية. ليعقد حاجبيه باستغراب قائلًا: "إيه ده؟ إنتي لابسة ورايحة على فين؟ قالت دانه بخبث وبراءة: "جاية معاك الشغل، مش أنا شريكة في المشروع الجديد ده ولا إيه؟ *** قابله في الشارع يبتسم لها. ليجدها تشيح ببصرها وتتجاهله وتكمل سيرها. ليعقد حاجبيه باستغراب ويسرع خطواته خلفها. ليقف أمامها ويقول: "مالك يا حنين؟

قالت حنين ببرود: "نعم؟ مالك؟ قال عبدالرحمن بتعجب: "إنتي كده عادي؟ قالت حنين بنفي البرود: "آه، ولو سمحت عديني." قال عبدالرحمن بغضب وهو يمسك يدها: "في إيه يا حنين؟ قالت حنين بغضب مماثل وهي تسحب يدها بقوة: "أولًا، أوعى تلمسني تاني. ثانيًا، إيه؟ إنت فاكر نفسك إيه؟ متعبرنيش وقت ما إنت عايز وتكلمني وقت ما إنت عايز." قال عبدالرحمن بعد أن هدأ: "أولًا، أنا مش قصدي أمسك إيدك، أنا اتعصبت. ثانيًا، إمتى ده؟ أنا معبرتكيش؟

قالت حنين بسخرية: "والله؟ يوم فرح أختك لما جيت أكلمك، قولتلي معلش مش فاضي، ومشيت. ومعبرتنيش طول اليوم ولا بعدها حتى." قال عبدالرحمن بحزن أثر تذكره لأخته: "معلش يا حنين، أنا آسف. كنت مضايق اليوم ده ومضغوط أوي... نور بنتي مش أختي، فكنت زعلان عشان هتمشي. وكمان كان في حاجات كتير ناقصة." رق قلبها لحزنه الظاهر في عينيه. وقالت بهدوء وحنان: "احم، خلاص حصل خير. و متزعلش. يعني هي سافرت، ما إنتوا جنب بعض."

قال عبدالرحمن​‌‍⁠ بابتسامة ومشاغبة لتغيير مجرى الحوار: "إنتي هتخلصي إمتى بقا يا حنين؟ قالت حنين بابتسامة: "خلاص، الامتحانات كمان كام يوم." قال عبدالرحمن بغمزة: "صبرني يا رب الكام يوم دول، وأنول المراد." قالت حنين بخجل وعدم فهم: "مراد إيه؟ مش فاهمه." قال عبدالرحمن بحب: "مراد القلب والروح." لتخجل حنين من حديثه وتقول بتلجلج وهي ترحل: "بـ بعد إذنك... مينفعش...

نقف فـ في الشارع كده." و ترحل بخطوات سريعة وهي تنظر له. ليضحك على خجلها المحبب الذي اشتاقه بشدة.

تابع الفصل التالى من هنا

author-img
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا

تعليقات

close
التنقل السريع