رواية فتاة الإشارة الجزء الحادي والعشرون 21 بقلم اسماعيل موسى فتاة الإشارةرواية فتاة الإشارة الحلقة الحادية والعشرون فى صباح ثقيل خيم الصمت فيه على الشركة دخل مندوب المحكمة يحمل ظرفًا أحمر كبيرًا واتجه مباشرة إلى مكتب الإدارة وسط نظرات الموظفين القلقة وكأن الجميع شعر أن الكارثة وصلت أخيرًا
وُضع الظرف أمام تالا فوق مكتب يامان بينما الحاج عبده يقف جوارها مرتبكًا لا يفهم شيئًا سوى أن الوجوه من حوله أصبحت شاحبة بصورة مخيفة فتحت تالا الإنذار ببطء وبدأت تقرأ السطور بينما ملامحها تتجمد شيئًا فشيئًا حتى انتهت من الصفحة الأخيرة ثم أعادت الورق إلى مكانه فى هدوء غريب سألها الحاج عبده بصوت متوتر ماذا هناك
رفعت تالا عينيها نحوه وهمست أن المحكمة أصدرت إنذارًا نهائيًا وأن أمام الشركة أيامًا محدودة فقط لسداد الشرط الجزائى كاملًا وإلا سيتم الحجز على أصول الشركة وتجميد حساباتها وطرحها للبيع فى المزاد التنفيذى ساد الصمت داخل المكتب وكأن الهواء نفسه اختفى للحظة بينما بدأ الخبر ينتشر فى الشركة بسرعة مرعبة وتحولت الممرات إلى همسات وخوف وأسئلة لا تنتهى
وبعد أقل من ساعة كان كبار محامى الشركة يجلسون داخل مكتب يامان أمام تالا والحاج عبده والوجوم يغطى الوجوه بالكامل فتح كبير المحامين الملف أمامه وقال بصوت مرهق أنهم راجعوا العقود والملحقات والبنود التنفيذية أكثر من مرة ولم يجدوا مخرجًا قانونيًا مباشرًا يمنع تنفيذ الحكم
وأضاف أن الوفد الأجنبى بنى القضية بشكل احترافى جدًا وأن التأخير مثبت بالأوراق والتواريخ والتوقيعات وأن المحكمة تعتبر الشركة مسئولة مسئولية كاملة عن الإخلال بالتوريد سألته تالا بهدوء إن كان هناك أى سبيل لتعليق التنفيذ أو إعادة تفسير المسئولية هز المحامى رأسه بأسف وقال إن كل المحاولات فشلت وإن الحكم بمجرد صدوره النهائى سيصبح واجب التنفيذ فورًا وسيتم الحجز على الشركة وممتلكاتها وربما بيعها بالكامل فى المزاد خلال أسابيع
انخفض صوت الحاج عبده وهو يتمتم بخوف أن كل شيء انتهى بالفعل لكن تالا لم ترد جلست فى صمت كامل وعيناها ثابتتان فوق العقد المفتوح أمامها بينما الكلمات تدور داخل عقلها بصورة مرهقة كانت تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا رغم كل شيء شيئًا لم ينتبه له أحد بعد ومع استمرار حديث المحامين بدأت تالا تفصل نفسها عن الأصوات المحيطة بها شيئًا فشيئًا حتى لم تعد تسمع إلا جملة واحدة تتكرر داخل رأسها المسئولية الكاملة
وفجأة رفعت عينيها ببطء وكأن فكرة بعيدة بدأت تتشكل أخيرًا داخل عقلها ثم سألت المحامين سؤالًا غريبًا جعلهم ينظرون إليها بعدم فهم ماذا لو لم تكن الشركة هى المسئولة الوحيدة عن التأخير ؟ رد أحد المحامين بسرعة أن العقود تنص على التزام مباشر من الشركة بالتوريد وأن الإخلال مثبت بالفعل لكن تالا لم تتراجع بل طلبت جميع عقود الشحن والمراسلات الداخلية وأوامر التوريد الثانوية الخاصة بالمراحل الأخيرة من التنفيذ
وبعد ساعات طويلة من المراجعة الدقيقة بدأت الفكرة تتضح أمامها شيئًا فشيئًا العقد الأصلى كان يربط الالتزام النهائى بالشركة فعلًا لكن تنفيذ التوريد نفسه مر عبر موردين وشركات نقل فرعية تم الاستعانة بها لاحقًا أثناء مراحل التنفيذ وهنا ظهرت الفكرة كاملة داخل عقل تالا
إذا استطاعت إثبات أن التأخير النهائى نتج عن عجز المورد الوسيط أو جهة النقل الخارجية بسبب ظرف قهرى مستقل فإن المسئولية لن تبقى مسئولية مباشرة كاملة على الشركة وحدها بل تصبح مسئولية تنفيذ متداخلة يدخل فيها عنصر ثالث مستقل قانونيًا رفعت تالا رأسها أخيرًا وقالت بهدوء شديد إن الحل ليس فى إنكار التأخير بل فى إعادة توصيف سببه القانونى ثم بدأت تشرح فكرتها بدقة للمحامين
إذا تم إثبات أن مرحلة النقل الأخيرة كانت مرتبطة بطرف لوجستى مستقل تعرض لظرف قهرى خارج السيطرة مثل تعطل موانئ أو أزمة شحن أو قرارات توقف مفاجئة فإن الشركة تستطيع الدفع بأن الإخلال لم يكن ناتجًا عن تقصير مباشر منها بل عن تعثر تنفيذى لطرف ثالث مستقل وهنا يتغير توصيف القضية بالكامل من إخلال متعمد بالعقد إلى تعثر تنفيذ بسبب ظرف قهرى مرتبط بجهة مستقلة ساد الصمت داخل المكتب بينما المحامون ينظرون إليها بتركيز شديد
ثم اقترب كبير المحامين ببطء من الأوراق وقال لأول مرة منذ بداية الأزمة إن هذه ليست ثغرة عادية بل إعادة بناء كاملة لمسار المسئولية داخل العقد سألها الحاج عبده بعدم فهم وهل ينفع الكلام ده فعلًا ؟ أجاب المحامى هذه المرة بدلًا منها وقال إن المحكمة إذا اقتنعت بوجود طرف تنفيذ مستقل تأثر بظرف قهرى حقيقى فقد يتم إسقاط جزء كبير من المسئولية المباشرة عن الشركة أو على الأقل إيقاف التنفيذ لحين إعادة التحقيق فى أسباب التعثر
نظر الجميع إلى تالا فى صمت بينما كانت تحدق فى الأوراق أمامها بثبات شديد وكأنها أخيرًا وجدت الباب الذى ظلت تبحث عنه طوال الليالى الماضية ساد الصمت داخل المكتب بعد انتهاء تالا من شرح فكرتها بينما المحامون ينظرون إليها بتركيز شديد وكأنهم يحاولون استيعاب الطريقة التى قلبت بها مسار القضية بالكامل
اقترب كبير المحامين من الأوراق وقال إن الفكرة قوية فعلًا وإذا تم إثباتها بشكل قانونى صحيح فقد يتحول موقف الشركة من متهم خاسر إلى طرف يملك حق النزاع وإيقاف التنفيذ لكن تالا هزت رأسها بهدوء وقالت إنها لا تريد ذلك نظر الجميع إليها بعدم فهم فسحبت العقد نحوها وهمست بثبات أن الشركة لن تبحث عن إسقاط كامل للشرط الجزائى سألها أحد المحامين بدهشة لماذا وهم الآن يملكون فرصة حقيقية لتعطيل القضية بالكامل
رفعت تالا عينيها نحوه وقالت إن الدخول فى معارك قضائية طويلة سيقتل الشركة حتى لو ربحت فى النهاية وإن السمعة أهم من الانتصار نفسه وأضافت أن الوفد الأجنبى ليس غبيًا وهم يعرفون جيدًا أن الدخول فى نزاع دولى طويل سيعطل مصالحهم هم أيضًا وسيحول القضية إلى فوضى قانونية وإعلامية لا يريدها أحد ثم أشارت إلى الأوراق أمامها وقالت بهدوء إن المطلوب ليس كسر الطرف الآخر بل دفعه للتفاوض من موقع قوة
ساد الصمت للحظات قبل أن تكمل كلامها بثبات أكبر نحن لا نريد إسقاط الشرط الجزائى بالكامل نحن نريد تحويله إلى مبلغ تستطيع الشركة تحمله دون انهيار ثم طلبت من المحامين تجهيز ملف كامل يثبت أن التأخير النهائى لم يكن ناتجًا عن تقصير مباشر من الشركة وحدها بل عن تعثر تنفيذى مرتبط بطرف لوجستى مستقل تعرض لظروف قهرية خارجة عن السيطرة
وأضافت أنهم يجب أن يجهزوا الملف وكأنهم يستعدون لمعركة قضائية حقيقية لا مجرد تفاوض لأن قوة موقفهم هى التى ستجبر الوفد على التراجع وقالت بصوت هادئ لكنه حاسم إن الطرف الآخر يجب أن يشعر أن استمرار القضية سيكلفه وقتًا طويلًا وسمعة سيئة وتعقيدات قانونية قد تؤخر مصالحه العالمية ثم همست أخيرًا أنها لا تريد محاكم طويلة ولا ضجة إعلامية
تابع الفصل التالى من هنا