كانوا عائدين جميعًا من الفرح، وتقاسموا على السيارات. في سيارة بدر، كان هو ووالده بجانبه، ووالدته ودانه بالخلف. لتقول جليلة موجهة حديثها لمحمدين: "بقولك يا حاج، أنا هقول لأختي سميحة وبنتها زينة يباتوا معانا، مش هينفع يروحوا دلوقتي." محمدين مؤيدًا: "أيوا طبعًا، الأصول، ويقعدوا كام يوم كمان."
تجحظ عين دانه بغيظ من حديثهم، فهذه زينة تعاملها بتعالٍ، وتتحدث عن بدر بطريقة تحبيبية وكأنه زوجها. هي كادت أن تنفجر بها وتضربها، ولكنها تمالكت نفسها بصعوبة. أيضًا، ستبيت معهم، بل وتمكث عدة أيام. نظرت لبدر بغضب، وكأنه هو من يجعلها تمكث معهم. هو بدوره كان يسرق النظر لها في المرآة ليجدها تنظر له بغضب، فيعقد حاجبيه بتعجب. لتشيح بصرها وهي تتمتم في نفسها: "بدر... وهو ينظر لها باستغراب، ثم ينظر أمامه وهو يقول في نفسه:
"والله مجنونة." وصلوا للمنزل ووجدوا مصطفى الذي كان معه في السيارة، خالته سميحة، وحنين، وهذه زينة ذات الشعر الأسود الطويل الذي يظهر من أسفل حجابها، وغرتها الموجودة على جبينها، وعيناها السوداء المكحلة التي تنظر بخبث وإغراء، وفمها الملون باللون الأحمر. لتنظر لها دانه بغيظ بعد أن نزلوا أيضًا من السيارة، ويدخلوا جميعًا للداخل. وقرروا المكوث عدة أيام حقًا، فهم يعيشون ببلدة بعيدة قليلًا عنهم.
جلس النساء جميعًا معًا، والرجال بالداخل. سميحة بعتاب وغيظ: "كده بردو يا جليلة يا أختي، متعزمينيش على فرح بدر ابنك غير يوميها، وأنتي عارفة إننا كده مش هنقدر نيجي." جليلة بابتسامة وخجل: "والله يا أختي، كل حاجة جت بسرعة." سميحة بتهكم: "والعروسة بقا ست بيت ولا خايبة؟ دانه بغيظ وخبث ودلال: "لأ والله يا طنط، ست بيت، بس بدر حبيبي مش بيرضي يخليني أعمل حاجة." قائلة جملتها الأخيرة وهي تنظر لزينة بخبث وتضغط على كلمة "حبيبي".
يخرج بدر من الغرفة مارًا بهم، لتوقفه زينة وهي تقول بدلع وإغراء: "بدري... يلتفت لها بصمت، لتكمل وهي تتكلم برقة زائفة مبالغ بها وخجل زائف: "كنت عاوزة أروح بكرة الشلالات، بقالي كتير أوي مرحتهاش... ممكن يعني توديني؟ بدر بإحراج أمام الجميع ووالدته التي أيدت الفكرة وخالته، ولكنه كان سيعتذر، لكن عندما لمح نظرات دانه التي تكاد تقتله هو وزينة، ليوافق بابتسامة خبيثة وهو ينظر لزينة قائلًا بلطف: "آه طبعًا. بكرة إن شاء الله."
دانه وهي تنهض ثم تذهب له وتمسك يده وتقول بدلال ورقة: "بدر حبيبي، يلا نطلع عشان أنا تعبانة وعاوزة أنام." بدر وهو يرفع حاجبه ويكتم ضحكته: "يلا." تلقي دانه نظرة انتصار وغرور لزينة التي كانت تتأكل من الحقد، وهي تتعلق بذراع بدر. ويصعدوا الدرج. ما إن دلفا للغرفة حتى ابتعدت دانه عنه ونظرت له بغضب وهي تقول: "انت إزاي توافق إنك توديها هااا؟ ولا أنت عجبتك نظراتها وحركاتها؟ بدر بتحذير: "دانه، خلي بالك من كلامك."
دانه بغضب وغيره: "كلام إيه بقا؟ انت ترضى إن واحدة تتكلم معايا بالأسلوب ده وكمان تطلب مني نخرج لمكان وأوافق؟ بدر وهو يسحبها من ذراعها بغضب: "ده أنا كنت قتلتك انتي وهو، انتي اتجننت؟ دانه بتهكم وسخرية: "والله! اشمعنى انت بقا؟ بدر بغضب: "أنا كنت هرفض بس أمي وخالتي أحرجوني." دانه وهي تكتف ذراعيها أمام صدرها: "خلاص، أنا كمان جاية معاكوا... مش هسيبك معاها لوحدك." بدر وقد تحولت نظراته لمكر وهو يقترب منها، وهي تبتعد
حتى التصقت بالحائط خلفها: "ليه؟ دانه وهي تبتعد بتوتر: "ل... لي... ليه إيه.... لو... سمح... ت ابعد... شوية." بدر بخبث وهو ينظر بعينيها: "ليه أبعد؟ وليه تيجي معانا؟ دانه وهي تتهرب من عينيه: "ع... عشان... مينفعش... أسيبكوا لوحدكوا." بدر وهو يهمس بأذنها برقة: "ليه؟ ثم ينظر لعيناها قائلاً بنفس الهمس: "غيرانة؟ دانه بتيه وهيام وهي تطلع في عمق عينيه العسلية الصافية: "ها... بدر يهمس بتوكيد: "انتي غيرانة عليّ." دانه بعدم وعي:
"آه." بدر يضحك ضحكته الرجولية الرائعة وهو يبتعد عنها. لتعود دانه لوعيها بغضب لتداري خجلها: "لأ طبعًا، غيرانة إيه؟ وأغير على إيه؟ أصل... بدر بثقة وغرور: "عليا طبعًا." دانه بتهكم: "مغرور أوي. لأ طبعًا مبغار عليك." بدر بخبث وهو يغمز لها: "آه، مانا عارف طبعًا." لتشيح ببصرها عنه بغضب. ليذهب وينام على السرير. دانه بغضب: "إيه ده، قوم من على السرير." بدر وهو يغمض عينيه ويضع ذراعه أسفل رأسه:
"لأ، ضهري وجعني من الكنبة وهنام على السرير." دانه بغيظ: "وأنا أنام فين إن شاء الله؟ بدر ببساطة: "والله براحتك، عاوزة تنامي على السرير أهو قدامك، عاوزة تنامي على الكنبة براحتك بردوا." لتنظر له بضيق ثم تسير باتجاه الأريكة ظنًا منها أنه سيقول لها أن تأتي السرير وهو سينام على الأريكة. لكن تجده ذهب في سبات عميق.
لتنهض وتتجه للطرف الآخر من السرير وتظل تراقبه كم هو وسيم ومسالم وهو نائم. تتمنى أن تصبح حياتهم طبيعية وأن يحبها حقًا من أجلها هي، ليس شيئًا آخر. ودون وعي منها تضع يدها على وجنته وتقول: "كان نفسي نتجوز في ظروف تانية، كان نفسي تتجوزيني عشاني أنا، عشان بتحبني." تخرج تنهيدة خفيفة، ثم تذهب لعالم أحلامها الذي تحقق فيه ما تتمنى.
ليفتح بدر عينيه، فهو بالطبع لن ينام حتى يطمئن على محبوبته. يشعر بأنها تحبه، ولكن كبرياؤها الملعون يمنع من الاعتراف. ببرائته، ليمسك يدها الموجودة على وجنته، يقبلها بعمق ورقة، ويقول بهمس: "ماشي يا دانه، وأنا هخليكي تعرفي بحبك ليا، وتعتذري عن اللي قولتيه، وهربيكي شوية عشان تبطلي كبر." ثم يقبل يدها مرة أخرى ويضعها على قلبه وهو ممسك بها بشدة، ويذهب لسبات عميق. *************************
بعد الزفاف، دلفوا إلى غرفتهم. لم يودعها أحد، فقد اكتفى أخيها بنظرة حزن وحسرة، ووالدتها بغيظ وبرود، ورحيل نور وهي تحتضن فارس وتبكي. فور دخولهم الغرفة، قائلة بشهقات: "شش... شوفت يا فارس... اتبروا مني... عبد الرحمن... زعل مني قوي." يرفع يده ليربت على رأسها بحنو. فقد دق قلبه بشدة عندما احتضنه هكذا وشعر بغصة في حلقه عند سماع بكاءها وحزنها. ولكن سرعان ما نفض أفكاره محدثًا نفسه: "لأ يا فارس... لأ، مفيش حد يبقى نقطة ضعفك...
مفيش حد هتحبه... انت بتعمل اللي انت عاوزه وبس." ثم يتحدث بصوت مرتفع وهو يبعدها عنها قائلاً بتهكم: "وانتي مستنية يعملولك إيه مثلًا؟ ما طبيعي، انتي خنتي ثقتهم." تنظر له وتعود خطوة للخلف بصدمة، وتتحجر الدموع في عينيها وهي تقول بتقطع: "ا... انت ب... بتقول إيه؟ فارس بسخرية، ولكن هناك حزن في قلبه لا يعرف مصدره: "بقولك إيه يا نور، أنا مش طايق نفسي. أنا اتحطيت قدام الأمر الواقع، وأنا مبكرهش في حياتي أكتر من كده."
ثم يكمل بتهكم واتهام لاذع: "ده غير كمان إني يستحيل أثق في واحدة خانت ثقة أهلها." نور بصدمة: "انت ضحكت عليا... انت مش... مش بتحبني... أنا أنا مش... يقاطعها بقسوة وهو يقول: "بقولك إيه، أنا مش ناقص."
ثم يذهب للشرفة ويخرج سيجارة، بنفس فيها عن غضبه. هو لا يعلم لماذا حزن لحزنها، فهو لا يريد ذلك. بالنسبة له، الحب ضعف، وهو بالتأكيد لا يريد أن يضعف. فيقنع نفسه أنها من الممكن أن تخونه كما خانت أهلها، رغم ثقته في أنها تحبه منذ زمن. ولكن أيضًا يشعر أنه وضع أمام الأمر الواقع واضطر للزواج منها. ولكن يعلم جيدًا أنه لم يجبر عليها، كان من الممكن أن يرفض، وعبد الرحمن لن يستطيع إجباره أبدًا. ولكن لا إراديًا وافق خوفًا عليها من أهلها، خوفًا عليها من حديث القرية عنها، خوفًا على سمعتها. ولكن يحاول بكل الطرق إنكار هذا الشعور ويتظاهر بالقسوة.
على الجانب الآخر، كانت نور تطلع في أثره بصدمة، ثم انهارت قواها وجلست على الأرض تبكي وتنتحب على ثقة أهلها التي وضعتها من أجل من لا يستحق، على حلم عمرها، على حب طفولته ومراهقته وشبابها. فهو كان يخدعها، لم يحبها، كان فقط يتسلى. كانت تبكي بصوت مرتفع وهي تضرب على قلبها بقوة، بينما هو كان يغمض عينيه بشدة وكأنه بذلك سيسد أذنه عن سماع بكاءها ونحيبها، ويشعر بقلبه ينزع من محله. *************************
لا يصدق أن حقًا له ابن. له ذكرى من رفيقة روحه رحمة. فقد عانى وحده كل هذه المدة حزنًا عليهم وهو حي. لا يصدق، فلو كان معه منذ زمن لكان عوضه عن حبيبته، صبره على وحدته. فهو قد رفض تمامًا أن يتزوج مرة أخرى. وصل للقسم ومعه محاميه، من أفضل محامي البلاد. ليدخلوا ويقف لهم الضباط والعساكر احترامًا. ليقول الضابط باحترام فور رؤيته له بعد أن وقف: "أهلًا أهلًا كريم باشا." كريم بثقة وهو يجلس: "أهلًا بيك." الضابط باستفسار:
"خير يا فندم، أقدر أساعدك بحاجة؟ كريم بثقة: "آه، ابني مقبوض عليه بتهمة سرقة وهو مظلوم، فأنا عاوز أقابله وجبت معايا المحامي." الضابط باستنكار: "ابن حضرتك! اسمه إيه؟ كريم بحنان: "اسمه أحمد. بس هتلاقيه مكتوب أحمد سمير، ومتسألش ليه." الضابط بعملية: "حاضر يا فندم، ثواني وأجيب الملف بتاعه." بعد فترة، بعد اطلاع المحامي على ملف القضية قائلًا بثقة وبساطة:
"القضية سهلة أوي، إحنا هنروح للولد اللي كان شغال معاه في المصنع ونخليه يعترف إنه بعته للمكتب ومين اللي خلاه يعمل كده ومين اللي جاب الفلوس للبيت، والقضية خلصت." وحقًا هذا ما حدث. أعطوا هذا السامح بعض الأموال ليعترف على محمود، ويتم التحقيق مع محمود الذي تعرض لما يستحقه حقًا مع توصيات من كريم الشهاوي. واعترف على نفسه. لم يشأ كريم أن يقابل ولده حتى يخرج من السجن خوفًا عليه، وحتى لا يبتعد عنه مرة أخرى.
وأخيرًا، بعد مرور أسبوعين كالجحيم على أحمد، خرج من بوابة السجن وقد نمت ذقنه أكثر وأصبح وجهه شاحب وملامحه متجهمة من الحزن. ليجد سيارة فارهة تقف أمامه. ليخرج منها ذلك الرجل المهيب وهو يتطلع له بحب وحنان، وقد ترقرق الدموع بعينه. وهو يقترب منه وهو يضع يده على وجنته بحنان وهو يقول بدموع: "احمد... أحمد باستغراب وهو يعقد حاجبيه: "أيوا حضرتك مين؟ كريم بدموع تنزل على وجنته وهو يحتضنه بشدة ويقول ببكاء: "احمد ابني...
أنا أنا أبوك يا احمد." أحمد وهو يبعده عنه بصدمة واستنكار: "أبويا إيه حضرتك، أنت والدي ميت من وأنا صغير." كريم بتوضيح: "لأ يا حبيبي، تعال معايا نقعد في مكان وأفهمك." أحمد باستنكار: "أفهمني إيه بس... بص حضرتك أنا لسه خارج من السجن وعاوز أروح لأمي المستشفى." كريم بغضب: "دي مش أمك." أحمد بصدمة: "انت بتقول إيه؟ كريم بتأكيد وغضب:
"أيوا دي مش أمك، دي خالتك هي اللي سرقتك مننا. أمك رحمة الله يرحمها كانت وهي بتولدك وخالتك ولدت في نفس اليوم وابنها مات وهي بدلتكوا وخدتك مني." ثم يكمل ببكاء: "حرمتني منك وحرمتك مني، ربنا ينتقم منها."
كان أحمد يسمعه بصدمة لا يصدق. حقًا لا تكن أمه. لهذا كانت تقسو عليه أحيانًا. حرمته من عائلته الحقيقية. كانت دموعه متحجرة بعينيه، ولكن فور أن أخرج له والده تحليل الحمض النووي الذي قام به عندما كان بالسجن، تحررت دموعه من عينيه وبكى، بكى بشدة كما لم يبكي من قبل. ثم نظر لوالده وقال ببكاء: "ب... بابا." كريم وهو يحتضنه بشدة ويشم رائحته التي حرم منها. ليبادله أحمد الاحتضان بحب ودموع وهو مازال يبكي بشدة:
"أيوا انت ابني، ابني أنا. آه يا ابني الحمد لله الحمد لله." ثم يكمل بفرحة وحنان بعد أن ابتعد عنه: "بس من هنا ورايح مفيش بكى تاني، مفيش حزن، انت معايا خلاص ومش هتسيبني تاني. تعال بقا نروح البيت. انت كمان من بكرة هتيجي معايا الشركة وهتمسك الشركة، انت ابني وريثي الوحيد." ليجذبه لداخل السيارة. وأحمد يسير معه كالطفل الصغير. بعد أن دخلا السيارة، يحتضنه والده وهو يقول:
"احكي لي يا ابني بقا عن نفسك وحياتك، عايز أعرف عنك كل حاجة." ينظر له أحمد بحنان ويبتسم، ثم يحتضنه بشدة ويقول له ما حدث بحياته ورغد وعشقه لها واضطراره لتركها. حتى ذهب في ثبات عميق على كتف والده. لينظر له والده بحنان وهو يربت على وجنته ويقول بابتسامة: "متقلقش يا حبيبي، كل حاجة هتتصلح خلاص وهترجع لمراتك ومفيش مشاكل تاني أبدًا إن شاء الله."
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق