تكلم بثقة وهدوء: آنسة سهيلة اتفضلي اقعدي وبلاش توتر. جلست بتوتر وهي تعبث بحقيبتها وتنظر إلى كل مكان عدا عيني الشخص الجالس أمامها. تكلم مجدداً: يا ريت بلاش توتر أو خوف، إحنا هنا مش في استجواب، حضرتك جيتِ لما حسيتِ أنك محتاجة مساعدة صح؟ تحدثت بخفوت: صح. قال: تمام، يبقى مش عايزين أي حاجة تمنعك إنك تحكي بحرية، من البداية ممكن أتعرف بيكي. سهيلة: أنا سهيلة أحمد، عندي 23 سنة، متخرجة من كلية حقوق.
حاول تشجيعها: طب تقدري تقوليلي جاية هنا ليه يا آنسة سهيلة؟ سهيلة بسخرية: والله هو مش حضرتك دكتور نفسي والمفروض عارف أنا هنا ليه؟ الطبيب بهدوء: طبعاً عارف، بس أنا بسألك علشان أعرف إيه السبب اللي خلاكي تيجي تتعالجي عند دكتور نفسي. شردت بنظرها وهي تقول بخفوت: الخذلان. الطبيب بإستفسار: عفواً، مسمعتش؟ عادت بنظرها إليه وهي تقول بوضوح: الخذلان، مرضى هو الخذلان يا دكتور. الطبيب: ممكن توضحي أكتر.
سهيلة: وهيفيد بإيه الكلام، مانا ياما اتكلمت ومرتحتش، بالعكس تعبت أكتر، روحت لدكاترة كتير ومقدروش يعملوا حاجة، أنا مش عارفة إيه اللي جابني هنا. ثم هبت واقفة: أنا لازم أمشي. الطبيب بتهدئة: آنسة سهيلة، أهدي خالص، أنا مش عايز أسمع حاجة لو حابة، بس لو سمحتِ اقعدي وأهدي. جلست مجدداً وهي تضم حقيبتها إلى صدرها. الطبيب بهدوء: اعتبري نفسك بتكلمي واحدة صاحبتك أو حتى بتكلمي نفسك. سهيلة بإحباط: مهو في الآخر مش بيفيد.
الطبيب بثقة: لأ هيفيد المرة دي جداً كمان، وأتحديكي تِشفي في خلال سبع جلسات. سهيلة بدهشة: حضرتك بتقول إيه؟ الطبيب بثقة: اللي سمعتيه، سبع جلسات نفسية. سهيلة: طب إزاي ده؟ الطبيب: إزاي دي بتاعتي أنا مش بتاعتك، دلوقتي كل اللي عليكي تحكي لي كل حاجة من البداية خالص لحد النهاردة، بس علشان ميبقاش ضغط عليكي، بلاش كل حاجة، ممكن نبدأ النهاردة بحاجة بسيطة، اتفضلي احكي. سهيلة وكأنها تعود إلى الماضي البعيد لتسرد حكايتها.
كانت في الحادية عشر من عمرها وذاهبة مع والدتها إلى بيت جدتها. سلمت بسرعة على جدتها قبل أن تنهض لتبديل ملابسها. والدة سهيلة: طب على الأقل خدي وقت ترتاحي وتأكلي بعدين تروحي. سهيلة باعتراض: يا ماما بقى، إحنا بنيجي كل أسبوع مرة أو مرتين وعايزة ألحق أقعد مع يارا شوية. والدتها بضحكة: يعني هي يارا هتطير. ضحكت سهيلة لوالدتها ثم بعثت لها قبلة في الهواء وهي تركض مسرعة على السلم لتذهب لقضاء اليوم مع صديقتها المقربة يارا.
في بيت يارا... استقبلت والدة يارا سهيلة وهي تخبرها أنها في غرفتها. سهيلة بسعادة: أنا جييييت. يارا بفرح: أخيراً، ده أنا مستنية من بدري. سهيلة بطفولة: هنعمل إيه النهاردة؟ يارا بحماس: بصي، أنا قلت لماما تعملنا بيتزا على الغداء وأنا مجهزة الألعاب بتاعتي نلعب بيها، وكمان عندي لكِ مفاجأة. سهيلة بفضول: هي إيه؟ يارا: بابا وافق يخليني أنا وأنتِ نلعب على الكمبيوتر سوا. سهيلة: بتهزري؟
يارا بفرح: لأ والله بتكلم بجد، قعدت أتحايل عليه شوية لحد ما وافق، وماما هتبقى معانا علشان تاخد بالها إننا مش نبوظ حاجة. سهيلة: تمااام. بعدها بفترة وجيزة كانتا جالستين بحماسة طفولية وفرح يلعبان. سهيلة بملل: يا يارا أنا زهقت بقى من لعبة السمكة، خلينا نلعب ألعاب تلبيس بنات شوية. يارا: يعني هنعمل إيه يعني غير إننا نلبسهم. سهيلة: بالعكس، بيجيب حاجات كتيرة حلوة نختار منها وممكن نجيب عروسة كمان. يارا: تمام، يلا.
أتت والدة يارا لتفقدهما. والدة يارا: يلا يا بنات الغدا جاهز، تعالوا ساعدوني أطلع الأطباق على السفرة. يارا: حاضر يا ماما. والدتها: انتوا بتلعبوا إيه صحيح؟ سهيلة: بنلبس عرائس فساتين الفرح. والدة يارا بضحكة: عقبال ما أشوفكم عرايس مكانها إن شاء الله سوا، يلا الغداء. في المساء، أتت والدة سهيلة لأخذها، لتجدها قد استغرقت في النوم بجانب يارا، فحاولت حملها على مهل حتى لا تستيقظ. والدة يارا بهمس: طب مش كنتِ تخليها تبات معانا.
والدة سهيلة بإبتسامة: معلش، ما أنتِ عارفة باباه مش بيوافق، وكمان هو جاي دلوقتي ياخدنا علشان نروح. والدة يارا: طيب توصلوا بالسلامة إن شاء الله. ~~~~~~ الطبيب: يعني يارا دي صحبتك المقربة من الطفولة؟ سهيلة بمرارة: هي أصلاً بنت خالتي، وبيتهم جنب بيت تيتة، فكنت كل أما أروح عند تيتا، لازم أغير بسرعة وأروح أقعد معاها. كانت صاحبتي وأختي ومكنش ليا غيرها، بس كانت ...... الطبيب: طيب وإيه اللي حصل؟ ~~~~~~
كانت سهيلة ويارا قد بدأوا في المرحلة الإعدادية. وصلت سهيلة للسنة الثانية بينما كانت يارا في السنة الثالثة والأخيرة. سهيلة: أيوا يا يارا، إنتِ فين؟ أنا بقالي ساعة مستنياكِ هنا، علشان أقعد معاكِ شوية. يارا: معلش يا سهيلة، أنا دلوقتي عند اتنين صحابي قاعدين بنحب الواجب قبل الدرس. سهيلة بدهشة: بس مش إحنا كنا متفقين أني هاجي وأقعد معاكي وبعدين مش أنتِ قلتي معندكيش حاجة النهاردة؟
يارا بسرعة: آه، ده درس طلع مفاجئ كده واضطريت أروح علشان مهم، هقفل دلوقتي علشان مستعجلة، سلام. حدقت سهيلة في الهاتف ببلاهة قبل أن تنهض وتغادر بيت جدتها عائدة إلى منزلها وهي تفكر في تغيير يارا المفاجئ اللي بتشعر بيه من وقت ليس بقليل. بعدها بيومين، كانت سهيلة قد اتصلت بيارا لتطمئن عليها لأنها لم تحدثها منذ يومين. سهيلة: عاملة إيه يا بنتي، بقالك يومين مكلمتنيش خالص ولا بتردي على مكالماتي.
يارا: معلش بقى يا سهيلة، أنتِ عارفة إنه دي سنة مهمة وبذاكر وبروح دروس كتير. سهيلة بحماس: ربنا معاكي، عارفة أنا عرفت النهاردة إنه في رحلة طالعة في مدرستنا لأماكن حلوة كتير، وقولت أقولك علشان نطلع سوا. يارا: للأسف مش هقدر أطلعها لأنه بابا مش هيوافق علشان عايزني أركز وأذاكر وأجيب مجموع كويس. سهيلة بحزن: طب خلاص أنا كمان مش هروح، مش هعرف أروح من غيرك ولا هستمتع من غيرك.
يارا ببرود: طيب لو كده نبقى نطلع مرة تانية مع العيلة كلها، سلام دلوقتي. سهيلة: سلام. كانت ذاهبة إلى درسها عندما قابلت صديقة ليارا تعرفها. سهيلة: إزيك يا حلا، عاملة إيه؟ حلا بإبتسامة: الحمد لله يا سهيلة، أخبارك؟ سهيلة: الحمد لله. ثم قالت بفضول: آمال فين يارا مرحتش الدرس؟ حلا بإستغراب: يارا؟ يارا في الرحلة يا سهيلة. سهيلة: رحلة إيه؟ حلا: الرحلة اللي طالعة من المدرسة.
صُدمت سهيلة ونظرت بذهول إلى حلا التي ودعتها وذهبت في طريقها، وسهيلة ما زالت واقفة تستوعب. ألم تخبرها أنها لن تذهب بسبب المذاكرة ووالدها؟ إذا متى غير رأيه ووافق؟ ولماذا لم تخبرها حتى تذهب معها؟ أو حتى تخبرها من الأساس بدل أن تعرف هكذا من شخص غريب؟! ~~~~~~ الطبيب بشرح: يعني بدأت متكلمكيش، متخرجش معاكي أو حتى تستنى تقعد معاكي في بيتها، وكدبت عليكي في موضوع الرحلة ده وراحت من غيرك ومن غير ما تقولي. سهيلة: آه.
الطبيب: طيب واجهتيها مثلاً وقولتي لها عملتِ كده ليه؟ سهيلة: لا. الطبيب بحيرة: طب ليه؟ سهيلة بتفكير: صدقيني أنا نفسي معرفش، بس يمكن خوفت... خوفت نتخانق أو نزعل من بعض، خوفت أسمع حاجة مش عايزة أسمعها، وخوفت نفترق وأنا مليش غيرها. الطبيب بإدراك: طيب كملي من فضلك. ~~~~~~ في ذلك الوقت مر أربع سنوات وأصبحت سهيلة في السابعة عشر وياارا الثامنة عشر من عمرهما. وقد صادقت يارا فتاتين جديدتين تدعيان سارة ولميس.
وقد حدث تغير كبير في حياة يارا بسبب تقدم ابن عمة لميس لخطبتها، وفي نفس الوقت تقدم أخ لميس لخطبة سارة. ذهبت سهيلة مسرعة إلى بيت يارا عندما علمت بالخبر. سهيلة بفرح عارم: أنا مش مصدقة اللي سمعته ده، بجد. يارا: لأ صدقي، ابن عمة لميس اتقدملي وأنا وافقت. سهيلة بسعادة: مبارك يا حبيبتي، ربنا يتمم لك على خير. ثم قالت بإستغراب: بس ليه مقولتيليش لما جه يتقدم؟
يارا بارتباك: هاا، لأ مهو الموضوع لسة حاصل أصلاً يا بنتي ويدوب لسة ماما بتقول لمامتك، وكنت هقولك طبعاً. سهيلة بمرح: طبعاً، هو مش أنا أخت العروسة ولا إيه؟ يارا: آه طبعاً، تعالي بقى نقعد جوه مع سارة ولميس. سهيلة: إيه ده، هما هنا؟ يارا: آه طبعاً يا بنتي، من بدري كمان. سهيلة: طب ليه مقولتيليش أجى أقعد معاكم علشان نخطط لأمور الفرح وكده، وبعدين ده أنا حتى جاية بالصدفة.
يارا بتوتر: يا بنتي قولتلك كل حاجة جت بسرعة، وأنا مكنتش عارفة إنهم جايين وكنت لسة هكلمك. ثم قالت بمرح: يلا بقى نقعد قعدة بنات مع بعض ونعمل شوية ماسكات. حاولت سهيلة أن تجاري الموقف ولا تظهر ضيق مما يحدث، وقضت اليوم معهم رغم أنها أغلب الوقت كانت تشعر أنها دخيلة لا مكان لها بينهم. ~~~~~~ الطبيب: طيب وإيه اللي حصل بعد كده؟ سهيلة بضيق: اللي جاي أصلاً هو كل اللي حصل واللي السبب في اللي أنا فيه.
الطبيب: كفاية لحد كده النهاردة يا آنسة سهيلة، إحنا لسه في البداية، والمرة الجاية إن شاء الله ممكن نطول عن كده لو كنتِ مستعدة، بس عايز أطلب منك حاجة. سهيلة وهي تعقد حاجبيها: حاجة إيه؟ الطبيب: كل مرة بعد كل جلسة هطلب منك طلب معين تنفذيه، وفي الجلسة اللي بعدها هقولك أنا طلبت منك كده ليه لحد ما نخلص الجلسات كلها، تمام؟ سهيلة بهدوء: تمام يا دكتور. الطبيب: طيب، سؤالي قبل طلبي، هو أنتِ منتظمة في الصلاة؟
سهيلة بتوتر وخجل: اا..اا الصراحة يا دكتور مش دايماً، ساعات وساعات. الطبيب: دلوقتي أنا بطلب منك تنتظمي في الصلاة وتصلي فروضك كاملة لحد الجلسة الجاية، يعني بعد أسبوع. سهيلة: حاضر يا دكتور. سهيلة بتردد: يعني حضرتك مش هتكتب لي دوا؟ الطبيب بإبتسامة هادئة: هو أنا كنت لسة عرفت مرضك علشان أكتب ليه علاج؟ لسه في الأول، متستعجليش، وبعدين مين عالم يمكن مكتبش أدوية خالص.
نظرت له بشك، ثم غادرت دون أن تجيبه، بينما جلس يفكر بعمق وهو بدون بعض الملاحظات المهمة.
تابع الفصل التالى من هنا
