أسبوع مر بسلام على الجميع إلا العاشق الذي فقد صوابه... عمر... كان يغلي كالمرجل بسبب أم عشقه التي رفضت طلبه، ولكن لن يكل ولن يمل حتى يصل إلى ما يريد. أما علا، تلك المسكينة القوية، حالها تبدل... طوال تلك الفترة، رحلت من العذاب الذي كانت تعيش فيه هي وصغيريها... ولكنها في حيرة من أمرها. وقفت مع دينا صباحًا أمام الباب وقالت بحيرة: "معرفش في إيه يا أم أحمد والله... بقاله أكتر من أسبوع حاله اتبدل...
وشه مسود ومش بيتكلم مع حد فينا ولا بيعمل أي حاجة غير إنه قافل على نفسه." دينا: "يا أختي بركة ربنا يكفيكم شره، أهو ريحك عشان تشوفي شغلك براحتك." علا: "أنا فعلاً مرتاحة أنا والعيال، بس برضه قلقانة حاسة إن فيه حاجة كبيرة ومش عايز يقولها... خايفة يفاجئني بمصيبة من مصايبه وأنا مش ناقصة." دينا:
"طب ما تسأليه يمكن يقولك، أصل أنتي كده هتتعبي من التفكير يا بنتي. ولادك محتاجينك وأنتي الله أكبر عليكي ربنا كرمك من وسع، مش عايزاكي تقصري في شغلك بسببه." علا: "لا طبعًا يا أم أحمد، استحالة أقصر فيه. دا أنا ما صدقت ربنا جبرني ورضاني عشان خاطر عيالي، بس الفضول مموتني عايزة أعرف إيه اللي قلب حاله كده." دينا: "يبقى ريحي دماغك واسأليه، لو قالك تمام مقالش يبقى براحته، وأنتي انتبهي لمصلحتك." علا:
"عندك حق، أنا فعلاً هعمل كده، أما أشوف آخرتها معاه." *** وقف أيهم يغلي أمام صديقه بعدما رأى ريم تخرج من الجامعة مع أحمد الذي أصبح معها دائمًا ذهابًا وإيابًا... وما جعله يشعر بالغل هو مظهرها الذي تضحو عليه السعادة. وائل: "يابني مالك بتاكل في نفسك كده ليه كل ما تشوفها؟ أيهم بغل: "بنت الكلب ولا كأنها كانت تعرفني. دي مش بتبص لي أصلاً." وائل: "الصراحة حقها يا صاحبي، يعني بعد اللي حصل ده كله لو كانت بتموت فيك هتكرهك."
أيهم: "أنا هتجنن من يومها، إزاي محسيتش بنفسي ومين اللي بلغ عني... ولا ### عليا واضطريت أتجوزها عشان متتسجنش." وائل: "دي بقي ضاربة قاضية ليك. الكل بيتكلم من وراك على فكرة... أنا لو منك أطلقها النهاردة قبل بكرة وأحاول أرجع لريم... المفروض تكون اتعلمت الدرس يا أيهم، اللي حصلك مش سهل." رد بمنتهى الغل والغضب: "أبويا حلف عليا أتبرى منه وأحرمني من الميراث لو طلقتها قبل ست شهور... وريم... مقدرش حتى أقرب منها." وائل بعدم فهم:
"طب أبوك وقاصد يعمل كده عشان يربيك... إنما ريم ليه متقدرش تكلمها؟ لو عشان خاطبها بيوصلها، ممكن بين المحاضرات تحاول معاها، البنت كانت بتحبك بجد." زفر بغضب ثم قال: "هاشم الجندي هدد أبويا لو فكرت أقرب منها هيوقع أسهمنا في البورصة... هو أصلاً كان هيعمل كده بعد اللي حصل، بس أبويا راح له الشركة واعتذر له كتير، فكان ده رده." وائل: "احمد ربنا إنها جت على قد كده. حد غيرهم ما كانش سكت." أيهم بجنون:
"لا مجتش على كده وبس يا صاحبي." نظر له وائل بعدم فهم فأكمل: "ابن الكلب عمر... بعد ما طلعت من القسم بيوم، كنت لسه في البيت... جالي هو وباقي شباب العيلة، فقعوني علقة بنت كلب قدام أبويا وأمي اللي وقفوا يتفرجوا ومحدش قدر ينطق بكلمة." "خصوصًا ابن الكلب أحمد فرمني، وعمر قالها صريحة في قلب بيتنا... فكر بس تبص لأختي وأنا أخليك تبقى سوسن ده بعد ما أحصر أبوك على شقي عمره." وائل بصدمة: "يا نهاااار أسود! كل ده حصل وأنا معرفش...
يبقى نصيحتي أبعد عن أي طريق البت دي تكون فيه... من الآخر محدش في البلد يقدر يقف في وش عيلة الجندي... دول ناس نابها أزرق... ولاد سوق مش ولاد زوات زي باقي الطبقة بتاعتنا." نظر له بإشفاق ثم أكمل: "للأمانة البت دي عمرك ما هتعرف تعوضها، رغم إنك كنت ناوي تلعب بيها... بس ربنا بيحبها ونجدها منك... يا ريتك كنت نويت جد معاها يا أيهم." نظر له بغضب... لم يهتم وأكمل بجدية: "اللي حصلك ده فوقني يا أيهم...
خلاني اكتشفت قد إيه كنا أوساخ وزبالة... مكنش ينفع نتحسب على الرجالة لأننا مكنناش منهم... يا ريت أنت كمان تفوق وتتعلم." نظر له أيهم بذهول ثم قال: "يعني إيه كنا ## #" وائل بشجاعة: "الصراحة ااااه.. أنا نصحتك وخلاص. أنت حر في حياتك." رد عليه بسخرية: "أنت نويت تبقى شيخ جامع ولا إيه؟ وائل: "برغم إنك بتتريق، بس ماشي هقولك اللي نويته... نويت استرجل وأنزل مع أبويا الشركة... أذاكر وأخلص من السنة اللي بقالي فيها أربع سنين...
وأهم حاجة أني أتقي ربنا في بنات الناس عشان ميتردش لأختي." نظر له بشفقة ثم أكمل: "ولا أقع في واحدة." لم يكمل الجملة بل تركه وغادر بعدما أخبره أن حياته تبدلت وأخذ عبرة مما حدث لصديقه. وصديقه، رغم أن الحديث هزّه من الداخل، إلا أن شيطانه كان أقوى من أن يجعله يتأثر بتلك الكلمات. هز رأسه بسخرية وقال: "أما نشوف هتعمل فيها راجل قد إيه يا وائل. غور، دا أنت ابن#####." ***
والتي كان الحديث يدور حولها دون علم، كانت تجلس بجانب زوجها داخل السيارة، وضحكاتها الحلوة تملأ الدنيا بما فيها. منذ أن بدأ يقترب منها ولم تكف عن الضحك والسعادة. يا له من طبيب ماهر استطاع أن يشفي جرحها ويعيد ثقتها في نفسها في وقت أقل بقليل مما كان يتخيله. قطعت ضحكاتها الصاخبة حينما تفاجأت به يمسك يدها ليرفعها ويقبلها بعشق. أحمر وجهها خجلًا مما جعله يصف السيارة جانب الطريق ليحادثها وهو يرى تأثير كلماته عليها.
نظرت له بغرابة وقالت: "وقفت ليه؟ ملس على كفها الذي ما زال محتفظًا به وقال: "أنتي زعلتي عشان بوست إيدك؟ أحمر وجهها بشدة... ردت عليه بتلجلج: "ااا... ليه بتقول كده؟ تنهد بحيرة ثم قال: "عشان كنا بنضحك ولما عملتها سكتي فجأة." تنهدت هي الأخرى وقالت بخجل: "لا... بس اتكسفت." هنا... تنفس الصعداء بعدما كان يحبس أنفاسه خوفًا من ردها. قرب جسده تجاهها قليلًا ثم أمسك كفها الآخر وسألها بلهفة يشوبها التعقل قليلًا: "ريم...
أنتي مبسوطة معايا... يعني الفترة اللي فاتت وإننا قربنا من بعض شوية... فرقت معاكي... حاسة بحاجة جواكي... أو حاسة إنك حابة تكملي معايا؟ صمتت قليلًا تقاوم خجلها. هو يستحق أن تحادثه بصراحة. ما فعله معها جعل قلبها يتحرك رغما عنها تجاهه... وحتى إن لم تستطع الاعتراف بهذا صراحة له... ستخبره عن مدى سعادتها في وجوده معها... هو يستحق ذلك. نظرت له بهدوء ثم قالت: "أنا مبسوطة جدًا معاك...
بعد ما كنت متخيلة إن بعد اللي حصل هعيش أسوأ أيام حياتي وهكتئب." "لقيتك بتعيشني أيام عمري ما عيشتها... رجعت لي ثقتي في نفسي من قبل ما تضيع حتى." "كنت خايفة ومهزوزة... مش قادرة أواجه الجامعة ولا الحيوان ده... طمنتني وحسستني بالأمان، لا دا أنا بقيت ماشية في وسط الكل حاسة إني ملكة والكل بيحسدني عليك." تنهدت بحب ثم أكملت: "والأهم من ده كله إنك احتوتني... ولا لومتني ولا فهمتني غلط...
للأمانة كنت أتمنى إن علاقتنا تكون في ظروف أحسن من كده... أكيد كان هيبقي ف... هل تعتقدون أنه سيتركها تكمل؟ هل أحد يشعر كم الضغط النفسي والعصبي الذي كان يعيشه في تلك الدقائق حتى يتمالك حاله ولا ينقض عليها من أول ما بدأت تتحدث؟ كفي صغيرتي... كفي لن أستطع التحمل أكثر من ذلك ولا كتمان عشقي لك الذي كان بمثابة وحش ينهش أحشائي طوال تلك السنوات حينما كنت عاجزًا عن الاعتراف به. لم تكن قبلة... بل كان التهام...
يصرخ لها بين شفتيها التي انصاعت له باعتراف طالما تمناه. يصرح لها بالفعل قبل القول إنها له الحياة... الفرحة التي تمناها طيلة حياته. يحاول الآن أن يفصل قبلته الهمجية كي يطلق للسانة العنان ليسمعها أجمل الكلمات وأصدقها... ولكنهم حقًا فشل في ذلك. وبدلًا من أن يبتعد وجد حاله يعمق قبلاته أكثر... ولكن أيضًا القلب يصرخ داخله... تحدث أيها الغبي... ها قد جائت لحظة الاعتراف... والغبي لا يقوى على الابتعاد.
كل ما استطاع فعله أن يترك ثغر تلك المصدومة ويقوم بإمطار وجهها بقبلات عميقة وهو يقول من بينها: "أخيرًا... أنا تعبت... سنين وأنا بتعذب... نفسي أقولك بحبك." لا بعشقك. مكنتش قادر. أبتعد قليلا، ثم مسك وجهها، طالع عيونها التي امتلأت بالدموع بعيون تصرخ عشقا. ثم أكمل: حبيت بنت ناس أعتبرتهم أهلي وليهم فضل كبير عليا. مكنتش هقدر أدخل بيتهم وأبص لحرمته. حبيت أخت صاحبي الوحيد، وعشان محسش إني خونت ثقته، قولتله: أنا بحب أختك.
قالي: بس هي رافضة الارتباط غير بعد ما تخلص جامعة. قولتله: عارف وهصبر لحد ما تخلص، أنا بس حبيت أقولك عشان تبقى عارف. دبحتيني لما شوفتك معاه، بس قلبي قالي: لا ريم مش كده، أوعي تظلمها. قولت لنفسي: يابن الكلب، دا أنت شايفها بعينك. وقلبي يقولي: كدبها وصدقني أنا. وهو اللي طلع صح. طلعت حبيبتي قد ثقتنا كلنا فيها. مش عيب إنك اتخدعتي في شخص، العيب إنك تتمادي معاه ويكون بينكم علاقة لمجرد إنه وعدك بالحب.
ياااه يا ريم، متتصوريش أنا فرحان قد إيه، كأنك اعترفتيلي بحبك. بس أنا راضي، والله راضي باللي قولتي، وعندي بالدنيا وما فيها. سألته بصدمة من بين دموعها المنهمرة: كل ده جواك وأنا معرفش؟ طب إزاي؟ أنا آسفة بجد إن محستش بيك. ااااا. مال عليها ليلتهم ثغرها بعشق، ثم ابتعد سريعا. وقال بوقاحة جديدة عليه جعلتها تكاد تموت خجلا:
ولا تقولي أي حاجة يا حبيبتي، لأن أنا حاليا عايز أقطع شفايفك، وكل ما بتتكلمي بتجنن. أنا مكتفي باللي سمعته منك النهاردة. ضحك بصخب حينما رأى الصدمة ملأت ملامحها. اعتدل لينطلق بسيارته مرة أخرى وهو يقول بمزاح وقح: أبو جمال أمك يا شيخة، في كل حالاتك قمر. بتعيطي قمر، زعلانة قمرين، مصدومة... عايزة تتاكلي أكل. عندي سرطان. تلك الكلمات خرجت من فم رؤوف بصعوبة، ودموعه المنهمرة تؤكدها.
صدمت علا ولم تقو على النطق لبضع لحظات. فقد دلفت له منذ قليل وقالت بهدوء: مالك يا رؤوف؟ بقالك أسبوع شكلك مش طبيعي. وحينما رفض التحدث وأخبرها أنه بخير أكملت: يا رؤوف، أنت ملكش غيري أنا وولادك، لا ليك علاقة بأهلك ولا بأخواتك. لو في حاجة معاك قولي. وكان اعترافه بذلك المرض اللعين هو الرد الذي لم تتخيله أبدا. نظرت له بشفقة وقد نسيت في تلك اللحظة كل ما فعله معها وقالت: عرفت إزاي؟ وأنت في أي مرحلة؟ رد عليها بكسرة:
عرفت من أسبوع وعملت أشعة وتحاليل. مش عايز حد يعرف، سامعة. علا: هو أنا بكلم حد أصلا؟ طب الدكتور قالك إيه؟ ادالك علاج ولا كيماوي؟ رغم أنه بالفعل سيخضع لتلك الجلسات المؤلمة إلا أنه رفض الاعتراف بذلك، ولأنه حقير يعتقد أن الجميع مثله. رد عليها بتكبر: أعوذ بالله. أنتي عايزة تخلصي مني؟ كيماوي إيه وزفت إيه. نظرت له بغل وقالت: أعوذ بالله منك أنت يا أخي، أنت فاكرني هشمت فيك؟
أنت مهما كان أبو ولادي وربنا يعلم إن في نيتي إن أطمن عليك. رؤوف: أنا زي الفل، حتى الدكتور طمني وقالي دي بؤرة صغيرة في الطحال وهيديني علاج يحجمها. وقفت من مجلسها وقالت: ربنا يشفيك. وتركته وغادرت دون إضافة المزيد. لن يتغير حتى وهو يواجه الموت، سيظل حقير. انتفض الجميع برعب وترقب بعدما نطق عمر تلك الكلمات ببساطة: هاشم، أنا عايز أعمل فرحي آخر الشهر، مش هستنى سنتين كمان.
انتفض هاشم من مجلسه بجنون. لطمت عشق وجنتيها برعب. حبيبه وضعت كفيها فوق رأسها وهي تقول بهمس: منك لله يا مجنون، قولتلك أصبر. الدنيا هتولع دلوقتي. هاشم بهدوء خطر: أنت أهبل ياااض ولا بتستهبل؟ فرح إيه ده اللي كمان شهر؟ عمر بثبات: فرحي على عشقي يا هاشم، كفاية كده. جوازها مش هيعطلها عن التعليم اللي هي فاشلة فيه أساسا وبتنجح كل سنة بمقبول. هاشم بجنون:
إن شاء الله تاخد السنة في سنتين، أنت مال أهلك. إحنا اتفقنا لما تخلص وأنت وافقت، يبقى متفتحش الموضوع ده نهائي لحد ما البنت تتخرج. تدخل إبراهيم وقال بتعقل: ملوش لازمة يا هاشم التأجيل. كده كده هيتجوزوا، خلينا نفرح بيهم بقى. صرخ هاشم بجنون: أنت عايزة ياخد بنتي مني على جثتي. هل يصمت ذلك العاشق المتبجح؟ لا والله. صرخ هو الآخر بفجور: هتعمل الفرح بمزاجك، ولا أدخل عليها وأخلص وأبقى أعمله بقى مع سبوع النونو.
شهقات مرتفعة من النساء وسباب خرج من مؤمن لأول مرة أما هاشم. ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
تابع الفصل التالى من هنا
