كانت متعبة وبشدة، تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي جالسة على فراش المشفى. تأتي الممرضة وتعطيها الدواء وتتفحص إن كان كل شيء بخير، ثم تقول لها بابتسامة: "الحمد لله اتحسنا أهو." قالت صباح بتعب واضح: "أنا عاوزة تليفوني يا بنتي." أجابت الممرضة بموافقة: "حاضر يا حاجة." ثم جلبت لها هاتفها من على المنضدة. فضغطت على رقمه دقائق، وأتاها صوته الوقور رغم مرور الزمن وهو يجيب برزانة: "الو، مين معايا؟ قالت صباح بتعب:
"أنا صباح.. يا كريم...... صباح اخت مراتك الله يرحمها." *** كانوا يتناولون الطعام الذي جلبه بدر من المطعم، وهم يمدحون بدانة وجمال طعامه ورائحته الشهية. وهي تشكرهم بفخر وكأنها من صنعه. قال مصطفى بمرح: "لا يا مرات أخويا، بصراحة عمري ما توقعت إنك بتعرفي تعملي أكل و حلو أوي كده كمان." قالت دانه بفخر: "دي أقل حاجة عندي." قالت جليلة بابتسامة: "لا بقا ده انتي من هنا ورايح انتي اللي هتعملي الأكل."
شهقت دانه وسعلت بقوة بعد أن غص الطعام بحلقها من الصدمة. لتعطيها حنين الماء. فيتناول بدر منها الكوب ويعطيه لدانه وهو يربت على ظهرها ويكتم ضحكاته بصعوبة. وهو يقول بخبث: "اه والله ياريت يا حبيبتي، بجد أكلك جميل أوي." رمته دانه بأسهم الغضب من عينيها، ثم تلتفت جليلة قائلة بأسف مصطنع: "والله يا ماما مبعرفش أعمل غير الأصناف دي بس." قال بدر بتسلية: "خلاص ابقي علميها باقي الأصناف يا أمي عشان تبقا تعملهالي من إيدها."
قالت جليلة بابتسامة: "طبعًا أمال، وهي تعلمني طريقة البط دي." ضحك بدر بصخب وهم ينظرون له باستغراب. بينما دانه تنقهر من داخلها. وتوما فقط بابتسامة صفراء. *** صباح اليوم التالي. كان بدر يبدل ثيابه في الغرفة فوجد جلبابه البيضاء متسخة، فغضب ونادى على دانه بصوت مرتفع قليلاً. لتأتي دانه من الأسفل بخوف من صوته الغاضب وتجيبه بسرعة بعد أن دخلت: "نعم." قال بدر وهو يرفع الجلباب أمامها ويقول بغضب: "اتفضلي يا هانم، ده منظر هدوم."
قالت دانه باستنكار وتعجب: "دي بتاعتك وأنا مالي، انت اللي وسختها." قال بدر بغضب وتهكم: "والله! لا يا هانم، انتي مراتي ومن واجبك الاهتمام بجوزك وأموره." قالت دانه بملل: "أيوا يعني أعمل إيه." قال بدر بأمر وتسلي: "يعني خدي كل هدومي اللي مش نضيفة وروحي اغسليهم." قالت دانه بسخرية: "طب يعني لما أحطها في الغسالة هتستري." ضحك بدر بضحك عالٍ ثم يكمل بخبث: "لا يا روحي، أصل أنا بحب لبسي ده فمبحطوش في الغسالة عشان ميبوظش....
اغسليه على إيديك." قالت دانه بغرور وذهول: "إيه ده، noway." قال بدر بأمر وثقة: "لا يا روحي، هتغسلي وبسرعة كمان، ولو معجبنيش هتعديه تاني." ثم ارتدى جلباب آخر وخرج بثقة. وهي تطلع له بغضب وضيق. ثم تأخذ الملابس بعنف وكأنها تنتقم منه هو. وهي تتمتم وتسب بخفوت وتذهب لغسله. *** يأتي مساء وهو يطلق صفيره البغيض بالنسبة له. ليجد دانه تخرج من المرحاض وهي مبللة بالكامل حتى شعرها. ولا يعلم السبب. هل تغسل بشعرها؟
ضحك على سخافة أفكاره وعلى مظهرها وهي تمسك الثياب الغارقة بالمياه حتى أغرقت أرضية الغرفة. لينظر لها باستغراب وهو يضحك. لتنتبه له فتنظر له بغضب وتقول بانفعال: "بتضحك على إيه حضرتك، إيه اللي يضحك." قال بدر وهو ما زال يضحك وهو يشير لها بإصبعه: "عليكي أكيد...... ثم يكمل وهو يشير للثياب: "إيه اللي بتعمليه ده، إزاي الغسيل كله مياه كده." قالت دانه باستنكار وسخرية لا تليق بموقفها أبدًا: "أمال هغسل الهدوم بلبن مثلا."
ضحك بدر بخفوت عليها ثم يقول باستفزاز: "أنا قصدي إن المفروض تعصري الهدوم الأول وبعدين تنشريها. يعني بصي بهدلتي الأوضة وغرقتيها إزاي... يعني كده هتضطري تنشفي الأوضة بردوا." قالت دانه بتعجب: "أعصرها إزاي يعني." قال بدر وهو يمسك منها الملابس ثم يقوم بعصرها: "كده." فتنزل كمية كبيرة من المياه على الأرض. فيكمل باستفزاز وهو يعطيها الثياب: "يلا بقا عشان تنشفي المايه دي." قالت دانه وهي تتكلم بصوت باكي:
"انت ليه بتعمل معايا كده هاااا." ثم تكمل باستعطاف ونظرات بريئة: "ينفع كده، بس اتبهدلت إزاي." قال بدر بابتسامة وهو يربت على وجنتها: "مش عليا الحركات دي، ويلا بسرعة خلصي."
ثم بدأ ثيابه ونزل لأسفل. فتكمل هي ما كانت تفعله. ويصعد هو مرة أخرى وينظر للغرفة برضا. ثم يذهب للشرفة ويشرب سيجارته. يفكر في علاقته بها وماذا سيحدث. ولكن قرر قرار فقط عندما يعود والدها بالسلامة. فهي تعتقده طامع لا شرف له ولا قيمة، سارق. إذا هي لا تستحق قلبه الذي أعطى لها بكل حب.
دلفت للغرفة وتبحث عنه حتى وجدته. فدلفت له وهي تقول باستئذان اعتادته منذ فترة. فهو يذهلها دائمًا بأخلاقه. ولا تصدق كيف له أن يكون طامع وسارق. ولكن لا تبدي أي من أفكارها. قالت: "بدر، أنا عاوزة أكلم بابي."
نظر لها لحظات بجمود. ثم أخرج هاتفه من جيبه وأعطاه لها بدون حرف وعاد بنظره للخارج. أما هي نظرت له باستغراب. ثم أخذت الهاتف واتصلت بوالدها الذي أتم عمليته منذ يومين بنجاح، حمدًا لله. كم فرحت وبكت وشكرت الله. ليجيبها باسمًا: "الو، انتي أكيد دانه." قالت دانه بابتسامة فرحة: "أيوا أنا... عامل إيه يا بابا، حاسس بحاجة." قال عبد الحميد بفرحة: "الحمد لله، أنا كويس وحاسس إني فرحان أوي إن بنتي سعيدة مع جوزها."
نظرت دانه لبدر الذي ما زال ينظر للأمام وهو يدخن بجمود. بابتسامة حزينة. قالت: "الحمد لله... هتيجي إمتى بقا." قال عبد الحميد: "مش عارف يا بنتي، بس قربت أجي خلاص. هما قالولي هقعد فترة بس عشان يشوفوا لو في أي مضاعفات أو كده." قالت دانه بإيجاب: "طيب، ربنا يرجعك بالسلامة. روح ارتاح بقا وسلم لي على دادة." قال عبد الحميد: "ماشي يا بنتي، الله يسلمك." ثم أغلقوا المكالمة. لتنظر له لحظات. ثم تقول بخجل وهي تعطيه الهاتف: "شكرًا."
هز بدر رأسه بدون حديث أيضًا وهو يأخذه منها. قالت دانه بتوتر واستغراب وهي تضع يدها على كتفه: "مالك يا بدر." قال بدر وهو يلتفت لها بجمود: "مفيش." ثم أزاح يدها وهو يكمل: "في حاجات كتير هتتغير قريب." انقبض قلبها لا تعرف لماذا. لتسأله بخوف: "قصدك إيه." قال بدر بجمود: "قريب هتعرفي." يرحل. ثم يقف على الباب قائلاً: "أجهزي يلا عشان فرح نور وفارس."
ثم يغلق الباب. قلبها يؤلمها بشدة. تستشعر أن هناك شيء سيء سيحدث. ثم تنفض أفكارها. كبرياؤها وغرورها لا يجعلها تعترف أنها مخطئة وأنه مظلوم. هي فقط تشعر بذلك. وتذهب لتتجهز. فترتدي فستانًا باللون الأسود وحجابًا باللون الأحمر. وتضع لمسات من أدوات التجميل وأحمر شفاه باللون الأحمر الصارخ. وتنزل لأسفل. تجده يجلس ينتظرها. فتسأله: "أمال فين ماما وحنين." قال بدر قبل أن يلتفت لها: "راحوا من بدري عشان يساعدوا عمتي."
ما إن التفت لها حتى تصنم مكانه وكأن جمالها لعنة أصابته. بعينيها البندقية الرائعة والفستان الأسود الذي وكأنه مصنوع له. قالت دانه برقة: "بدر... بدر." قال بدر وكأنها أعادته للواقع. فنظر لها بغضب وهو يشير لها: "إيه اللي حضرتك عملاه ده، امسحي يلا اللي في بقك ده." قالت دانه بغضب طفولي: "لا بقا ده فرح." قال بدر بحزم: "بقول يلا حالًا." أخذت المنديل ومسحت شفتيها بغضب وهي تنظر له: "ها، خلاص."
قال بدر بنظرة تقييمية من أسفل لأعلى. جعلتها تخجل وتنظر لأسفل. وتسير قشعريرة بجسدها. يقول بصوت أجش: "تفضلي قاعدة مكانك مع الحريم، وماتتحركيش منه. أنا بقولك أهو." قالت دانه بغضب وسخرية: "واتنفس عادي ولا أكتم نفسي لغاية ما الفرح يخلص." قال بدر باستفزاز وسخرية: "اتنفسي بس مش أوي... ثم يكمل بثقة: "يلا قدام."
تسير بجانبه وهي تلعن تحكمه وأوامره التي لا تنتهي. ولكن هناك فرحة داخلية من أنه يهتم لأمرها ويغير عليها. فهي قد استشعرت غيرته وتتمنى أن يكون شعورها صحيح. ***
كانت نور جالسة بغرفتها حزينة وحيدة. فطوال الأيام الماضية لم يتحدث معها أحد. لا أخيها الحنون عبد الرحمن، ولا أمها. والتي كانت قاسية سابقًا ولكنها أصبحت أقسى. كانت ترتدي فستانها الأبيض ووضعت لها خبيرة التجميل بعض اللمسات التجميلية التي جعلتها حورية جميلة. ولكنها شاردة، حزينة. على الرغم من أنها ستزف لفارس أحلامها وحب عمرها. فتصير نفسها بأن حياتها ستصبح أفضل. وعندما سيعوضها عما حدث، عما رأته من قسوة وظلم.
في الأسفل كان عبد الرحمن طلب من فارس الحديث على انفراد بعد كتب الكتاب. قال عبد الرحمن بتوعد وغضب: "أوعى تفكر إني سبتك كده خوف أو ضعف. لا أبدًا. أنا عشان لما وشك يتخرشم الناس متعرفش حاجة وميتكلموش على أختي." قال فارس بثبات: "وأنا لو مكنتش عايز أتوز أختك مكنتش هتجوزها. كل ده بمزاجي أنا." قال عبد الرحمن بلا مبالاة لحديثه وتوعد: "لو فكرت بس إنك تأذيها أو تعملها حاجة، صدقني هتندم."
نظر له فارس بلا اهتمام ثم يرحل. بينما صعد عبد الرحمن لأخته ليدلف للداخل. ما إن رأته حتى وقفت سريعًا بخوف وارتباك وخجل. يشير للفتيات الموجودات بالغرفة بالرحيل ليخرجوا ويتركهم. ليقترب منها وهي ترفع نظرها له باستعطاف وتوسل أن يسامحها. ليقول عبد الرحمن بألم: "كان نفسي أوي أشوفك عروسة. واليوم اللي هسلمك لعريسك اللي يستحقك ويحافظ عليكي... وأشوف بنتي اللي أنا ربيتها كبرت قد إيه وبقا عروسة زي القمر."
كانت تنظر له وهو يتحدث بالألم ودموعها تنزل على وجنتها بحزن. ليكمل بحسرة: "بس للأسف انتي ضيعتي كل ده. أتمنى تتحملي نتيجة اختيارك واستهتارك." قالت نور ببكاء وحزن وخجل: "عبد الرحمن." يقاطعها. هو يشيح ببصره حتى لا يتأثر. فهي أخطأت وأخذلته ويجب أن تعاقب. وهو يقول بجمود: "يلا عشان ننزل."
ويمسك بيدها وينزلون لأسفل ليسلمها لفارس. وهو ينظر له بتحذير. الآخر باللامبالاة وهو يأخذ يدها ويسحبها ويذهبوا للجلوس على الكراسي المخصصة للعروسين دون حديث. مما جعل قلب نور ينقبض وهي تنظر لفارس الذي توقعت أنه سيقول لها ما يهدئها ويطمئنها. فيقول لها بجمود وابتسامة صفراء: "اضحكي وافردي وشك عشان الناس متقولش حاجة." تنظر له بحزن شديد. لم تتوقع أن هذا هو الحب الذي ستتلقاه منه. فتحاول رسم ابتسامة مغتصبه والخوف ينهش قلبها.
***
في الجانب الآخر كانت حنين شديدة الحزن وتكتم دموعها من رفيق روحها الذي تعتقد أنه يتجاهلها أو مل منها. لم يعد يريدها فهو لم يتكلم معها طوال اليوم. على الرغم من محاولاته لجذب الحديث معه منذ أن أتوا صباحًا. إلا أنه أوقف حديثها قائلاً إنه منشغل وليس لديه وقت ورحل وتركها حزينة خجلة. لم يحاول أن يصالحها أو يتحدث معها. فقط ينظر لها ويشيح ببصره. تستشعر أنه حزين. لكن لا تعلم السبب وهذا يزعجها أكثر. ولا تعرف ما في قلبه من حزن
وخذلان وغضب من شقيقته التي خذلته. ابنته التي لم ينجبها. وكان لها الأب والأخ والرفيق. لم يبخل عليها أو يقسو عليها حتى تفعل ما فعلت. يعلم أنها لن تتخطى حدودها فهو من رباها. ولكن استغفلته وجعلت منه ومنها حديث في البلد. بالإضافة إلى حزنه عليها. فهي تزوج شخص مستهتر معروف بسوء أخلاقه. ولو كانوا في ظروف وموقف أخرى لكان رفضه وبشدة. فهو لا يستحقها. ولكن سيندم حقًا إن أذاها بأي طريقة.
*** دخل المشفى بهيبته بعد أن نزل من سيارته الفارهة. ويسير بخطوات واثقة ببذلته ذات الماركة العالمية وثقته. رغم الشيب المنتشر في خصلات شعره. ثم يدلف إلى غرفتها قائلاً بثبات: "ألف سلامة عليكي يا صباح.. عاملة إيه." قالت صباح بتعب: "الحمد لله." قال كريم الشهاوي بحزن: "معلش يا صباح مجتلكيش من زمان. بس انتي عارفة من ساعة موت المرحومة وأنا مش قادر أشوف حد من ريحتها." قالت صباح بحزن شديد وتعب: "أنا طلبتك عشان أقولك حاجة....
مهمة أوي." قال كريم باستغراب: "حاجة إيه." قالت صباح وهي تلهث بتعب وبكاء وندم: "أنا لما لما كنت حامل.... الدكتور قالي إن الجنين حالته مش مستقرة ووو اليوم اللي ولدت فيه أنا ورحمة بالصدفة دي..... ابني أنا اللي اتولد ميت وأنا انهرت..... بعد كده عرفت من الممرضة إن رحمة اختي ماتت وانت كنت منهار وفي حالة صعبة. حتى مرحتش تشوف الولد...... روحت أنا أخدته وحطيت ابني أنا مكانه....
فافتكرتوه كلكم إن اللي مات ابن رحمة. لكن في الحقيقة ده كان... ابني أنا." ثم دخلت في نوبة بكاء مرير. قال كريم بصدمة ودموعه تنزل على وجنته لا يصدق ما يسمع. لقد عاش لحظات وأيام وسنين في حزن ووحدة على فقدان ابنه وزوجته في اليوم ذاته. ورفض أن يتزوج بعدها. عاش على ذكراهم في حزن عليه. ثم قبض على ذراعها بقوة وهو يصيح بصوت مرتفع: "انتي بتقولي إيه... انتي إزاي تعملي كده...... ابني فين... انطقي ابني فين." قالت
صباح بإنهاك وما زالت تبكي: "ففي.. السجن محبوس ظلم... اسمه أحمد.... أنقذه ارجوك هو مظلوم." قال كريم وهو يكرر اسمه بخفوت ودموع: "أحمد... ابني... أحمد كريم الشهاوي."
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق