استيقظت من النوم و هي تشعر بصداع و الآلام تكاد تفتك براسها. تضع يدها على رأسها و هي تتاؤه. لتجده يخرج من المرحاض و هو يجفف خصلات شعره المبلولة و لا يعطي لها أي أهمية، يتجاهلها تمامًا. حتى أنه لم ينظر لها. تحمحم هي للفت انتباهه، و لكن استمر على تجاهله لها. فنظرت له بغيظ ثم وقفت و أحضرت ثيابها من خزانة الملابس و دلفت المرحاض و صفع الباب بعنف.
بينما هو ارتدى جلباب باللون الأسود الجذاب و صفف شعره بطريقة رائعة و وضع عطره و نزل لأسفل. لتقابله والدته و هي تخرج من المطبخ لتشهق باستنكار و هي تقول: "ايه يا ولدي اللي نزلك يوم صباحيتك؟ ليجيبها بلامبالاة: "عندي شغل يا امي و لازم اروح، و كمان دلوقتي انا مسؤول عن أرض عمي و المشروع الجديد." جليلة باستنكار: "و كل ده ميستناش كام يوم... لا يا ولدي ميصحش، مينفعش تخرج انهاردة، الناس تقول ايه... و يقولوا ايه على البنية."
شعر بالغضب، بالرغم من أنه غاضب منها بشدة إلا أنها لا يقبل أن يتحدث عنها أحد. فقال على مضض: "طب خلاص هروح بكرا." ثم توجه للجلوس في الخارج. خرجت دانه من المرحاض و بحثت عنه لم تجده بالغرفة فقالت بغضب: "ماشي يا بدر، بتطنشني أنا... ده بدل ما تعتذر مني على كدبك عليا." توجهت للمرآة تصفف شعرها و وضعت كحل يحدد عيناها و يظهر لونها و أحمر شفاه وردي. و كانت ترتدي بنطال جينز أزرق و بلوزة وردية تصل لركبتيها و حجاب أبيض.
و نزلت ألقت عليهم تحية الصباح و استقبلتها جليلة بزغاريد و كانت تبتسم لهم بمجامله و تبحث عنه بعينيها فلم تجده. لتسأل جليلة بتوتر: "طنط هو فين بدر؟ جليلة بابتسامة: "برا يا حبيبتي، روحي اقعدي معاه لغاية ما أحضر الفطار." تدخل جليلة إلى المطبخ و هي تحدث نفسها: "أول مرة أشوف عروسة و عريس ينزلوا يوم الصباحية... أكيد في إيه." تخرج دانه و تجد بدر يجلس بالحديقة و يتطلع إلى الأوراق أمامه. فتذهب له و تجلس و هي تحمحم.
فينظر لها ببرود ثم يشيح ببصره و يعود للأوراق. تكتم غيظها منه و تجلس أمامه و تدعي الانشغال بهاتفها. يقول بدر ببرود و هو لم يحيد بصره عن الأوراق: "والدك اتصل من شوية و بيقول العملية بعد يومين إن شاء الله." دانه بلهفة: "ايه... بجد... طب هو كويس... طب كلمك امتى... طب ميكلمنيش أنا ليه... اشمعنا انت؟ بدر ببرود: "عادي... هو حر." تنظر له بغضب ثم تقول: "طب لو سمحت أنا عاوزة أكلمه." ليتحدث بدر بصوت عالي غاضب:
"احترمي نفسك و وطي صوتك و انتي بتتكلمي، اظهار إنك محتاجة تربية و أنا هكون أكتر من سعيد و أنا بعمل كده." فتنظر له بخوف شديد و هي تقول بحزن مكتوم خوفًا من رد فعله: "أنا محترمة... و مسمحلكش." بدر و هو يرمي أمامها هاتفه قائلاً بحزم: "بس مش عايز أسمع صوت... التليفون عندك أهو، كلمي والدك. أنا كده كده و من نفسي جبت الخط ده عشان نكلمه." و يرحل للداخل تاركًا إياها تتطلع في أثره بحزن و دموع لكلامه الجارحة و معاملته لها.
أما هو فأخذ يتمتم في نفسه: "ماشي يا دانه، انتي متدلعة و أنا هربيكي." مسحت دموعها و أخذت الهاتف و اتصلت بوالدها. فيجيب والدها بتعب: "الو يا بدر." دانه بلهفة و دموع: "أنا دانه يا بابا... عامل ايه." عبدالحميد باشتياق: "وحشتيني يا حبيبتي، انتي عاملة ايه... و عاملة ايه مع بدر، أخباركوا ايه، هو بدر طمني عليكوا بس أنا عاوز أطمن منكم." دانه و هي تنظر من دخول بدر بحزن و لكن تتحدث بابتسامة و فرحة مصطنعة:
"الحمد لله يا بابا كويسين أوي... ثم تكمل ببكاء: كده يا بابا متكلمنيش أنا تطمني عليك و تكلم بدر." عبدالحميد بابتسامة و ضحك: "يا غيورة يا حبيبتي، أنا عشان متعيطيش زي دلوقتي كده." دانه و هي تمسح دموعها بابتسامة: "أنا مش بعيط أهو... خلي بالك من نفسك." عبدالحميد بحنان: "متقلقيش عليا يا حبيبتي، أنا كويس و كمان معايا نعيمة، خلي بالك انتي من نفسك و من جوزك." ثم يلقوا التحية و يغلقوا الهاتف.
لتدخل دانه للداخل بعد أن مسحت دموعها فتجد حنين و هي تقول بإبتسامة: "كنت لسه جايه أندهلك عشان الفطار." تبتسم لها دانه و يدخلوا فتعطي الهاتف لبدر قائلة بابتسامة مصطنعة: "شكرا." أخذ منها الهاتف دون رد عليها، فقط أومأ لها برأسه. فجلست بحرج و بدأوا تناول الإفطار. دخلت القسم مع صباح و هي تبكي بشدة و قالت و هي تتجه ناحية العسكري الموجود قائلة بتوتر: "لو سمحت جـ... ـوزي جابوه من شوية هنا." العسكري بغلظة:
"اسمه ايه يعني و جاي في ايه؟ رغد بخوف: "اسمه أحمد و جـ... ـاي في سرقة... بس هو والله مظلوم." العسكري بسخرية: "مظلوم آه... عمومًا هو في أوضة حسن باشا دي." تتغاضى رغد عن إهانته و سخريته و تدخل للداخل بلهفة و تطلب من العسكري الواقف أن يدخلها. فتدخل للضابط. الضابط بعملية: "أيوا عايزة ايه؟ رغد ببكاء و توسل: "لو سمحت أنا عاوزة أشوف جوزي، ارجوك." الضابط بصرامة: "خمس دقائق بس عشان بكرة هيتعرض على النيابة."
تومئ له بلهفة فيبعث العسكري ليحضر أحمد. فور دخوله تجري عليه رغد و تحتضنه بشدة و تبكي و تشاركها أيضًا صباح. أحمد و هو يبعدهم بحزم: "ايه اللي جابكوا، أنا مش قولت متجوش؟ رغد بحب: "مقدرتش، كنت قلقانة عليك." أحمد بصرامة: "طب يلا روحوا دلوقتي." رغد موقفه إياه: "أحمد انت محتاج محامي كبير... عشان يخرجك." أحمد بتفكير: "بس إحنا معناش فلوس للمحامي الكبير ده يا رغد." رغد باقتراح و خوف من رفضه و غضبه: "أنا... بقول... أروح...
أطلب من... با... با." أحمد بصوت مرتفع و غضب شديد: "لا يا رغد انسي، و لو فتحتي الموضوع ده تاني صدقيني هتندمي... و يلا اتفضلي روحي انتي. أمي و ملكيش دعوة بحاجة." رغد برفض و غضب: "انت بتقول ايه؟ ها عاوز ايه من غير محامي كبير؟ مش هتقدر تطلع من هنا. بلاش عناد يا أحمد و اسمع الكلام. أما هروح لبابا و هو أكيد هيساعدنا." أحمد و هو يجذب يدها بعنف و يتحدث بحدة: "آه دلوقتي بقا الصايع أحمد مضطر يخضع و يتذل لابوكي عشان أطلع صح...
لا يا رغد انسي، أنا لو هفضل هنا عمري كله استحالة أوافق أطلع بمساعدة أبوكي." رغد ببكاء و حزن: "يا أحمد اسمع بس... يقاطعها أحمد: "يلا يا رغد روحي عشان مفقدش أعصابي." ثم ينادي على العسكري بعد أن تركهم الضابط و يعيده الزنزانة. رغد ظلت تبكي في أثره ورحلت و هي تفكر كيف تخرج زوجها من هذا المأزق. في مصنع الألبان التابع لعائلة محمدين الغنّام كانت تعمل و هي شاردة به. لم تراه منذ عدة أيام و علمت بعد ذلك أن أخيه تزوج.
ففهمت أنه كان مشغول و لكنها اشتاقت له كثيرًا. فهي اعتادت أن يحاول محادثاتها و مشاكساتها لكي تسامحه. فهي سامحته منذ زمن و لكنها تريد أن تدفعه ثمن كذبه عليها. يقطع شرودها صوته و هو يقول بمرحه المعتاد: "متتقوليش، أنا عارف سرحانة فيا عشان وحشتك صح؟ انتفضت من الخضة ثم نظرت له بغضب مصطنع و اشتياق حاولت إخفاءه: "لا طبعًا، أنا بفكر فيك ليه إن شاء الله." مصطفى و هو يغمز لها: "عشان أنا اللي في القلب يا بت." فرحة بسخرية:
"انت و لا في القلب و لا في الكبد." مصطفى بجدية و هو يقترب منها بطريقة وترتها و هي تعود للخلف قائلة بتعلثم: "فـ... ـفي إايه... بتقرب... ليه." مصطفى و هو ينظر إلى عينيها: "موحشتكش؟ فرحة و هي تنظر له هائمة: "ها؟ يكتم مصطفى ضحكاته و هو يعيد بهمس: "موحشتكش؟ فرحة بهمس مماثلة و ولهة: "وحشتني." مصطفى بضحك و هو يغمزها بخبث: "مانا عارف." فرحة بغضب: "انت عارف لو ممشيتش دلوقتي... أنا أنا أنا هقول للحاج محمدين انك بتعاكسني."
مصطفى بضحك و هو يرحل بمكر: "و ماله، اتقل براحتك يا جميل..... ثم يكمل بمرح: "بس مش براحتك أوي يعني." تكتم ابتسامتها حتى رحل و انفجرت ضاحكة عليه و على حديثه قائلة: "والله مجنون، مش عارفه بحبه ليه... بس عسل ابن الذين." أرسل لها رسالة بأن تأتي لتقابله بالأرض القريبة من منزلهم في الصباح الباكر. و هي كانت مترددة و لكنها خافت من أن يغضب منها. فذهبت و تخفت من والدتها حتى لا تعلم و خرجت له. وجدته يقف منتظرها و عندما
رآها ابتسم لها و قال برقة: "وحشتيني." نور و هي تنظر للاسفل بخجل: "وانت كمان." فارس و هو يرفع وجهها بيدها من ذقنها قائلا: "انتي بتثقي فيا يا نور؟ نور ببراءة: "آه طبعًا بثق فيك." فارس بابتسامة: "يبقى اسمعي كلامي صح." أومأت له ببراءة و تلقائية. فقرب وجهه منها و كاد أن يقبلها. و لكنها رفعت يدها تدفع صدره تمنعه. و لكن تاتي الرياح بما لا تشتهي السفن. و قد رآها ثلاث رجال ذاهبين لعملهم. ليصبحوا بصوت عالي:
"شوف البجاحة يا ولاد عيني عينك كده من غير لا خشية و لا حيا." انتفضوا. عادت نور للخلف خطوة و تجمعت الدموع بعينيها. ليقول الآخر: "ايه ده دي بنت الحاج إسماعيل أخت عبد الرحمن." و اتت النساء على صياحهم و سبهم لفارس و نور التي كانت تبكي بقوة و لا تستطيع التحدث. ليخرج عبد الرحمن و والدة نور من المنزل بعد سماع الضوضاء الموجودة بالخارج. فيصدم بوقوف أخته تبكي و بجانبها فارس الذي تلون وجهه بمئة لون. ليهرول ناحية أخته و هو
يحتضن وجنتها قائلا بحنان: "مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟ ليرد أحد الرجال: "يا خوي، بتطمن عليها ده بدل ما تقتلها و تغسل عارك." عبد الرحمن بغضب جحيمي و هو يقترب منه و يسحبه من تلابيب جلبابه: "انت بتقول ايه يا راجل انت؟ ليرد: "بيقول اللي إحنا شوفناه، اختك ماشية على حل شعرها مع فارس." ليذهب له بخطوات غاضبة و هو يلكمه بشدة على فكه ليسقط أرضًا. أحد الرجال: "ده بدل منربي اختك بتضرب الناس." إحدى السيدات:
"أيوا الكلام ده صح، إني شوفتها امبارح في فرح بدر، وقفت مع فارس ورا الدوار بوضع لا مؤاخذة وحش أوي، و لا خايفين حد يشوفهم و لا حاجة." عبد الرحمن بصدمة و هو ينظر لأخته التي تنظر له برعب و بكاء و يقترب منها و نحيب و عويل والدتها يزداد: "الكلام ده صح يا نور؟ لم ترد عليه فقط تبكي بشدة. ليسحبها من يدها و يقول بحدة: "انطقي." نور ببكاء و خوف: "والله ما عملنا حاجة... احح نا ببس... كنا بنتكلم." عبد الرحمن بصوت جهوري
و غاضب و هو ينظر للناس: "كل واحد يحترم نفسه و يحط لسانه حوا بوءه، أنا اختي أشرف منكم و من بلدكم كلها..... نور و فارس مقري فاتحتهم و مخطوبين و فرحهم كمان كام يوم، و يمكن غلطوا لما وقفوا لوحدهم بس هي خطيبته و قيالي كل حاجة دي نور بنت الحاج إسماعيل الله يرحمه و اخت عبد الرحمن إسماعيل، و اللي يفكر بس يجيب سريتها على لسانه هقتله بعد ما أخليه عبرة للبلد كلها." أحد الرجال بسخرية: "مسمعناش يعني إنهم مخطوبين." عبدالرحمن بغضب:
"إحنا أحرار، محبناش نقول دلوقتي، و لو مقولناش خالص بردو إحنا أحرار، و كل واحد يخليه في حاله بدل ما يسمع و يشوف حاجة مش هتعجبه أبدًا، فاهمين." قال آخر كلمة بصوت جهوري و هو يشير بسبابته في وجههم جميعًا. ثم يلتفت يسحب اخته من يدها بقوة بعض الشئ و يقول لفارس بغضب مكتوم: "و انت يا فارس روح يلا دلوقتي و إحنا على معادنا زي ما هو." فارس و هو يومئ له بخوف قليلا من نظرته و يرحل و هو يعلم أن قضى الأمر.
أما عبد الرحمن سحب نور و دخل للمنزل و خلفه والدته. الناس ظلوا يتحدثون ثم ذهب كل منهم لعمله. فور دخولهم للمنزل و غلقه للباب التفت لنور و صفعها بشدة على وجنتها. نظرت له بصدمة و خوف و دموعها تنزل بغزارة على وجنتها و تبتعد عنه و هي تقول بخوف: "والله.... معملتش كده... أنا.... هو... قالي إنه بيحبني.... و كان هيتقدملي." عبد الرحمن بحزن و غضب: "انتي كسرتيني يا فرحة، كسرتيني في البلد...
الحمد لله أن أبوكي مات لأنه لو كان عايش... كان مات دلوقتي من الحسرة و الحزن." ظلت تبكي بشهقات عالية و لا تجيب. عبد الرحمن بحزم: "اعملي حسابك فرحك على فارس بعد بكرا زي ما قولت للناس، و هتشوفي نتيجة عملتك، كفاية إنك هتتجوزي واحد زي فارس." قالها بسخرية ثم رحل بغضب و تركها تبكي بشدة و والدتها انهالت عليها بالضرب و السباب.
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق