القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية في عصمت صعيدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم إسراء محمد أمين

 

كانت تجلس في الشرفة الموجودة بالصالة ليلاً تفكر. قطع عليها تفكيرها أحمد الذي أتى من خلفها يضمها قائلاً بمرح: "الجميل سرحان في إيه؟ تلتفت له رغد وهي تسأله بحماس: "أصل أنا بفكر أتحجب، عارف دانه اتحجبت من فترة. إيه رأيك هيبقا شكلي حلو؟ تلمع عيناه بالفرحة ويقول بسعادة: "عارفة، مكنتش عايز أقولك أنا عشان ميكونش غصب عنك، لازم يبقى برغبتك وإرادتك إنتِ." ثم يقبل جبينها مطولاً قائلاً: "وهتبقي ملكة جمال في الحجاب، مش حلوة بس."

ويكمل بحماس مماثل: "أقولك، بكرا لما أجي من الشغل ننزل نشتري حجاب ولبس مناسب ليه." تحتضنه بقوة وعيناها دامعة بتأثر: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." كالعادة، يقطع لحظاتهما نداء السيدة صباح وهي تقول بامتعاض: "يا أحمد يا رغد، تعالوا اقعدوا معايا، انتوا سيباني لوحدي وقاعدين مع بعض." ليستغفر أحمد وهو يقول: "أنا حاسس إنها بترقبنا والله." لتضحك رغد بانطلاق على ملامحه الممتعضة وحديثه،

لتكمل هي وهي مازالت تضحك: "طب يلا لحسن تطلب لنا بوليس الآداب." يشاركه أحمد الضحك وهو يضرب كفاً على كف، ويدلفا للداخل. في صباح اليوم التالي، كانت رغد تؤدي أعمالها المنزلية ثم تنتظر أحمد لينزلا معاً. وبالفعل أتى أحمد ونزلوا معاً واشتروا جيبة سوداء وبلوزة باللون الكريمي وحجاب أبيض.

وارتدته في المحل، كانت كالملاك بحجابها. واشتروا فستان باللون الأبيض مزخرف بورود وردية وحجاب وردي. ثم تمشوا في الشوارع وتناولوا المثلجات، كانوا في قمة السعادة. ولكن هل ستكتمل هذه السعادة؟ هل ستظل حياتهما وردية؟ كانوا في شارع الموجود به المنزل ليوقفها أحمد قائلاً: "استني هنا يا حبيبتي، هاجيب الزبادي لأمي عشان تأكله وتنام، ونسينا بقا." ويغمز لها. لتضحك بشدة وتضع يدها على فمها وتقول برقة: "ماشي، بس بسرعة."

يدخل المحل الموجود بجانبها على بعد محلين. ليقترب منها ذلك المتربص كالوحش الذي يخطط لفريسته وهو يرسم ابتسامة واسعة على وجهه: "أهلاً أهلاً بالست رغد." تنظر له رغد بخوف لا تعرف لماذا تشعر بالرعب في حضور ذلك المتطفل. لم ترد عليه وهي تنظر بخوف اتجاه المحل الموجود به أحمد. فيكمل محمود بخبث: "كده يا ست رغد مش تردي السلام... بس شكلك بالحجاب أحلى بكتير." لتنظر له بصدمة من هذه الجراءة وتقول بغضب

لتردعه عما يقول ويفعل: "لو سمحت الزم حدودك، أنا ست متجوزة ومسمحلكش تكلميني كده ولا تكلميني أصلاً، ولو سمحت ابعد عني." محمود بابتسامة في نفسه: "أموت أنا في الشراسة." قائلاً لرغد بأدب مزيف: "كده يا ست رغد، لنا مكنش قصدي حاجة. سلام عليكوا." ويرحل بحزن زائف. احمد ربها أنه رحل قبل أن يراه أحمد، ولكن أحمد رآه وهو يخرج من المحل. وقد حدث ما حدث. ليقترب منها بغضب جحيمي قائلاً بصوت مرتفع

ولم يهتم أنهم بالشارع: "كان بيقولك إيه الواد ده؟ لتنتفض وتقول بخفوت: "أحمد أهدى، إحنا في الشارع... يقاطعها مرة أخرى بغضب: "بقولك كان بيقولك إيه؟ رغد بخوف: "كان بيسلم عليا وأنا والله هزقته وقولتله ميكلمنيش تاني... خلاص بقا يا أحمد يلا بينا." أحمد بابتسامة قاسية وملامح شرسة: "امسكي كده يا حبيبتي."

تتوتر أكثر ولكن تأخذ منه الأكياس بتوجس وهي تراقبه يرحل باتجاه ذلك المدعو محمود الذي يراقب الوضع وهو يجلس على المقهى ويتناول الأرجيلة بتوتر. قليلاً من غضب أحمد، ولكن يمثل الثبات. أحمد وهو يسحبه من تلابيب قميصه بحدة يوقفه، وقد تجمع أهل الحارة لمراقبة الأحداث الأكشن التي تحدث باستمتاع. وبعضهم يحاول التدخل لتخليص محمود من قبضة أحمد.

أحمد بصوت جهوري وغضب شديد: "لو أنت راجل يا محمود، قرب تاني من مراتي أو أي حاجة تخصني وهتشوف هعمل فيك إيه... شايف نفسك عامل إزاي في إيدي، اتقي شري أحسن ليك. تشوفها في أي حتة، ودير وشك وادغور من المكان اللي هي فيه، سامع؟ لم يرد عليه فقد كان يتابعه بخوف شديد. يقول بصوت أعلى: "مسمعتكش سااااامع؟ محمود سريعاً بخوف: "سااااامع."

ينفضه أحمد بعنف من يده، يصطدم بالحائط خلفه. ثم يتحرك بثبات ويمسك يد زوجته المرتعبة بتملك ويصعد إلى الأعلى بغرور وقوة أسد. بينما محمود ظل ينظر في أثره بحقد لإهانته أمام أهل الحي بأكمله، ويتوعد له وهو يستمع التعليقات الساخرة التي يلقيها شباب الحي سخرية منه. *** كانت دانه حسمت قرارها وتوجهت لوالدها عندما طلبها وطلب بدر. فتدخل الغرفة فيقول والدها بابتسامته الحنونة: "تعالي يا حبيبتي هنا جنبي."

فتذهب بصمت تجلس بجانبه. بينما بدر يتابعه بصمت. فهي هادئة صامته، يشعر أن هناك خطب ما حدث معها، ولكنها لم تتحدث. فيقول والدها موجهاً حديثه إلى بدر هذه المرة: "ها يا بدر يا بني، إيه رأيك في أن يكون الفرح وكتب الكتاب بكرة زي ما قلت لك؟ تنظر له دانه بصدمة وعيون جاحظة. لهذه الدرجة والدها يريد أن يلصقها بهذا البدر؟ ولكن لن تلوم عليه، فهو يظن أنه يحميها. فتصمت مرة أخرى.

بدر وهو ينظر لدانه: "والله يا عمي أنا يناسبني جداً اللي حضرتك عايزه، بس... عبدالحميد بابتسامة: "دانه موافقة يا بني." ثم ينظر لبدر مكملاً: "مش كده يا حبيبتي؟ تصمت لحظات مرت طويلة وهي تنظر له، وتنظربدر، ثم لوالدها. فيخرج صوتها جامد كما ملامحها: "اللي تشوفه يا بابا." عبدالحميد بفرحة: "على خيرة الله." بينما بدر يحاول ثبر أغوارها تلك المتمسكة بملامحها الجامدة، ولكن بعينها نظرة حزن وكسرة يستطيع قرائتها بوضوح. ما الذي تغير؟

كانت فرحة أمس، كانت سعيدة. لماذا اختفت تلك السعادة ويرى هذه النظرة الباردة التي ليس بها حياة؟ ترا هل ندمت على موافقتها؟ هل شعرت أنها تسرعت وأنها لن تستطيع العيش بهذا النهج؟ كانت فقط منبهرة به وتريد العودة مرة أخرى. عبدالحميد بتعب وفرحة: "يلا بقا اخرجوا وسبوني أرتاح شوية." تقبل دانه جبينه وتسأله: "عايز حاجة؟ عبدالحميد يومئ بالسلب بابتسامة مرهقة دون الكلام. فتخرج ويتابعها بدر. هذه فرصته ليوقفها. فتتوقف ولم تستدر،

فقط تستمع له يقول بقلق: "مالك يا دانه؟ إنتِ كويسة؟ تلتفت له وتقول بجمود: "آه كويسة." بدر بثبات: "مالك، في حاجة مغيراكي؟ دانه بنفس ملامحها الجامدة: "لا مفيش." يزفر بنفاذ صبر من أسلوبها فيقول بأمر: "طب يلا تعالي معايا عشان أحضر حاجتك، وحنين وأمي هيساعدوكي، وكمان اختاري الفستان اللي انتي عايزاه من الصور اللي مع حنين وأنا هجيبه." دانه بجمود: "مفيش داعي لكل ده ومش لازم فستان...

يقاطعها بدر بجدية أخافتها: "مش عايز أسمع كلمة ولا اعتراض، واتفضلي قدامي." لترحل بخطوات غاضبة خائفة وهي تكتم غيظها من تحكمه وأوامره.

وصلوا إلى منزل محمدين. وكانت رحلة الطريق صامتة هادئة، ولكن العقول تعمل وتفكر وتتحدث. فيهبطا من السيارة ويدخلوا. ترحب بها السيدة جليلة بشدة وجنين أيضاً. تشعر معهم بالألفة والحب والحنان، فهي وحيدة طوال عمرها إلا من صديقتها رغد فقط. رغم أن السيدة جليلة كانت معترضة في البداية لأنها لا تعرف عاداتهم وتقاليدهم، إلا أن محمدين أقنعها وأخبرها كم هي طيبة ونقية ووحيدة أيضاً، ويمكنها أن تعلمها العادات والتقاليد. كما أن والدها أمنهم عليها. هي أيضاً تحبها وتشعر بالحنان تجاهها.

حنين بحماس ومرح: "تعالي يا مرات أخويا نختار فستان الفرح." لا تعلم لماذا تشعر بفرحة برفرفة في​‌‍⁠ رواية في عصمت صعيدي - الفصل 15 | مكتبة الروايات قلبها لذلك اللقب. كما أنها من المفروض أن تكره ذلك الطامع بثروة أبيها وقبل أن يتزوجها مقابل نصف الأرض ليتم مشروعه. فتومئ لها بصمت وهي تنظر له بجانب عينيها له. فتجده يتابعها ويتابع كل حركة تصدرها، فتتوتر وتسير مع حنين إلى غرفتها. جليلة وهي تتحدث مع بدر: "ها يا حبيبي جهزت كل حاجة للفرح ولا في حاجة ناقصة؟

بدر بثقة: "متقلقيش يا أمي، كل حاجة تمام. ومصطفى كمان وعبدالرحمن بيشرفوا على كل حاجة." جليلة: "بقولك يا حبيبي اطلع نام شوية، إنت بقالك يومين مبتنمش عشان تجهيزات الفرح والمستشفى والسفر. يلا اطلع وأنا شوية وهصحيك." يومئ لها بإرهاق فهو حقاً تعب كثيراً هذه الأيام. وهو يقول: "ساعة واحدة يا أمي و صحيني." جليلة بحنان وهي تربت على كتفه: "حاضر يا حبيبي، يلا."

يصعد الدرج وعقله لا يتوقف عن التفكير في سر تغير دانه ويخشى أن تكون ندمت. لكنه لن يتركها وسييجعلها تحبه كما يحبها ويعشقها. فهو اعترف لنفسه بشدة حبه لها وقرر مصارحتها عقب كتب كتابهم بعد أن تكون حلاله وزوجته أمام الجميع. ***

كانت نور تجلس بغرفتها وهي تبكي. فقد عَنّفتها والدتها وأهانتها بشدة بسبب خبر ارتباط بدر قدامه. وهي تخبرها عن خيبتها أنها لم تستطع أن توقع ابن خالها الذي أوقعته تلك القاهرية في هذه الفترة القصيرة، وأنها لا تفلح بشيء أبداً. ليأتيها اتصال من رقم غريب على هاتفها. فتعقد حاجبيها بتفكير. هل تجيب على هذا الرقم الغريب؟ فتترك الهاتف مرة أخرى بجانبها. ينقطع الاتصال ثم يعاود الرنين مرة أخرى. فتجيب

لتسمع صوت معذبها الأجش: "أنا صحبتك ولا إيه؟ لينتفض قلبها من محله قائلة برقة: "فارس؟ ليبتسم الآخر بثقة وغرور لأنها تعرفت على صوته. فيجيب: "اممم، فارس." تخجل بشدة وتقول باستغراب: "إنت جبت رقمي منين؟ فارس بثقة وضحك: "هو أنا أي حد ولا إيه؟ مش صعب أجيب رقمك يا نور." يرقص قلبها فرحاً من نطقه لاسمها، ولكنها أخفت ذلك قائلة بخفوت ورقة: "طب بتتصل ليه؟ كنت عايز حاجة؟ يعقد حاجبيه من طريقتها فيجيبها بجمود قائلاً: "أنا ضايقتك؟

متوقعتش إنك هتتضايقي من مكالمتي. على العموم أنا هقفل." لتوقفه بسرعة رغماً عنها قائلة بلهفة: "لااا... تكمل بخجل وتحمر وجنتها: "احم، قصدي... إن... يعني كنت فاكرة إنك عايز حاجة." فارس بخبث وتسير خطته كما رسمها: "كنت عايز أسمع صوتك بس... وحشني." يقسم أنه يمكنه سماع ضربات قلبها من سماعة الهاتف. وتجحظ عيناها بصدمة. هل حقاً أخيراً شعر بها وبادلها مشاعره؟ ليكمله هو بخبثه: "إيه؟ أنا كمان موحشتكيش ولا إيه؟ لم تجب من شدة خجلها.

فيضحك وهو يقول: "أنا متوقع إن خدودك حمرا من الكسوف وباصة في الأرض." قائلاً بمراوغة: "صح يا نور؟ بخجل شديد: "ف..فارس لو..سمحت، إنت بتكسفني... يضحك مرة أخرى وهو يقول بجدية تحمل في طياتها الخبث والمكر: "أنا اتصلت عشان أقولك إني اكتشفت حاجة الكام يوم اللي فاتوا... " يصمت ليحفزها أكثر مكملاً: "بحبك." ثم يغلق الخط. ثانية... اثنتين... ثلاثة...

عشرة.​‌‍⁠ حتى استوعبت ما قاله. لتجحظ عيناها بشدة وفمها يتسع شيئاً فشياً. حتى ضحكت بشدة بصوت عالٍ وعيناها تدمع من شدة الفرح. وتتنطط على السرير لا تصدق أنها من الممكن أن تسمعها في يوم من الأيام. وهي التي كانت تبكي الليالي وتبكي وتدعو الله أن يكون نصيبها وأن يهديه ويقربه منه ويجعله يحبها ولو نصف حبها. فهو حب مراهقتها وشبابها. يا الله لا تصدق حقاً أن هذه الأمنية تحققت. لماذا أغلق هذا الغبي؟

ألا يريد سماع كم تعشقه وليس فقط تحبه؟ ثم تجلس بعد فترة تمسح دموعها وهي تقول بخفوت وهي تلتقط أنفاسها من المجهود التي بذلته: "وأنا بموت فيك... يا رب اجعله نصيبي."

تابع الفصل التالى من هنا

author-img
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا

تعليقات

close
التنقل السريع