القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية في عصمت صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم إسراء محمد أمين


 كان بدر مصدومًا ولم يرد. أكمل عبد الحميد قائلًا: "اتجوز... دانه لغاية ما ارجع. بس لو مرجعتش، ارجوك حافظ عليها. متقولهاش إننا خسرنا كل حاجة." ثم أخذ يسعل بشدة. فجلب له بدر ماءً سريعًا، ثم قال بثقة وثبات: "متقلقش يا عمي، دانه في عيني وأنا موافق." لا يعلم لماذا وافق، أحقًا وافق من أجل عبد الحميد؟ أم من أجل دانه؟ أم من أجل نفسه؟

هي تختلف عنه تمامًا، ولكن هو يرى تغييرًا جذريًا بها وسيعمل على تغييرها تمامًا. ولن يقبل بزواج مؤقت، سيجعلها امرأته للأبد. عبد الحميد، بعد أن أخذ أنفاسه: "طب يا بني، نادي... دانه. أقولها أنا إنك أنت اللي اتقدمتلها." وافق بدر سريعًا، فهو لا يريد أن تظنه يشفق عليها وأنها لن تقبل أبدًا بهذه الزيجة إن علمت. فخرج، ثم أخبر الطبيب أن عبد الحميد يريد رؤية دانه. فيقول له: "ألا تتأخر." فقط خمس دقائق لتدخل دانه مسرعة لوالدها.

دانه ببكاء شديد وحزن: "بابا... مالك؟ إيه اللي هيحصل؟ كنت كويس؟ عبد الحميد بحنان: "متخافيش... يا حبيبتي... أنا كويس." ثم يكمل بفرحة: "تعرفي يا دانه إن بدر طلب إيدك مني؟ لتتسع عيناها بصدمة، ثم سرعان ما تحولت إلى فرحة عارمة. تستطيع سماع صوت قلبها الذي يتراقص بداخل قفصها الصدري. وتتوتر بشدة، وتتور وجنتيها، وتنظري للأسفل. عبد الحميد بمكر: "إيه؟ مقولتيش رأيك؟ ... مش موافقة؟ أنا بردو قولت كده." دانه بلهفة وسرعة: "لاااا!

أنا موافقة! ليضحك عبد الحميد عليها، ثم يربت على وجنتها بحب. بينما دانه تكاد تضرب نفسها على غبائها. عبد الحميد بابتسامة: "فرحكوا هيبقى بعد كام يوم." دانه باعتراض: "ايه؟ لا طبعًا يا بابا مينفعش. أنت تعبان ولازم تعمل العملية بسرعة. وإحنا هنسافر أصلًا كمان يومين عشان عمليتك." عبد الحميد بصرامة: "وأنا قولت لأ. أنا عايز آخر فرحك أحضره وأسافر أعمل العملية. وأنتِ مش هتيجي معايا أصلًا." دانه باعتراض واستنكار:

"لا طبعًا، أنت بتقول إيه يا بابا؟ أنا مسافرة معاك." عبد الحميد بصرامة: "خلاص مش هعمل العملية لو جبتي يا دانه." فتدمع عيناها: "ليه كده يا بابا؟ أنا عاوزة أكون معاك." عبد الحميد بحنان وهو يربت على حجابها: "وأنا عايز أفرح بيكي. حققيلي الأمنية دي يا دانه." دانه ببكاء: "حاضر يا بابا." عبد الحميد بفرحة: "أيوا كده يا حبيبتي، ربنا يفرحك ويبارك لي فيكي." دانه بابتسامة، ثم تقبل جبينه بحنان:

"أنا نخرج بقا عشان ترتاح شوية وهجيلك تاني." وهي تمسح وجنتيها بكفيها من الدموع، ثم تخرج وتغلق الباب خلفها. *** كانت قمر تسير وهي عائدة إلى المنزل، فوجدت من يقف أمامها ويسد عليها الطريق. فتشهق بخضة وهي تنظر له، وتعود خطوة للخلف. فارس بخبث: "إيه؟ خضيتك؟ نور بتوتر: "لأ ابدًا." فارس بابتسامة: "امم، رايحة فين كده؟ نور بفرحة شديدة، ظنًا منها أنه يهمه أمرها أو يغير عليها: "كنت راجعة بيتنا." فارس بنفس الابتسامة:

"طب تعالي أوصلك. لحد يضايقك؟ نور بقلب يرقص، ولكن رفض زائف: "لأ، مفيش داعي." فارس بابتسامة خبيثة: "لأ إزاي؟ ده أنتي قريبتي بردو. يلا." نور، ثم بموافقة وتسير بجانبه حتى يصلا بقرب البيت. نور تقف وتوقف فارس: "كفاية لحد هنا عشان ماما وعبد الرحمن​‌‍⁠ رواية في عصمت صعيدي - الفصل 14 | مكتبة الروايات ما يزعقوش." فارس بابتسامة: "ماشي، يلا ادخلي وأنا هفضل واقف هنا." نور بابتسامة مشرقة وتتهلل ملامحها، قائلة بخفوت وخجل من نظراته وهي ترحل بخطوات مضطربة: "شكرًا." فارس بخبث:

"ده أنتي شكلك واقعة... إزاي مختش بالي قبل كده... بس أهي ملحوقة يا قمر." ثم يرحل وهو يفكر كيف يوقعها بفخه. *** في المستشفى. كان يجلس بدر بالكافيتريا مع والده. بدر بثبات: "كنت عاوز أقولك يا حاج إني طلبت إيد دانه من أبوه." محمدين بغضب: "كده من غير ما ترجع لأبوك أو تشوره؟ بدر بخجل واعتذار: "أسف يا حاج، والله ما قصدي. بس أنا لقيته تعبان وبيوصيني عليها، فطلبت إيده." محمدين ينهض:

"ماشي يا ولدي. هي البنية زينة وأبوه صاحب عمري. إني هقول لأمك، بس مش نستنى لما الراجل يخف ويقوم بالسلامة." بدر بتبرير: "لأ يا حاج، عمي قال إنه عايز يفرح بيها قبل ما يعمل العملية." محمدين بعين دامعة بتأثر: "ماشي يا بني، ربنا يقدم اللي فيه الخير." تأتي دانه بخطوات خجلة مترددة، تلقي السلام. محمدين بحب: "تعالي يا بنتي اقعدي." فتجلس بتوتر من نظرات بدر المتفحصة. محمدين وهو ينهض: "أقوم أشوف مصطفى عمل إيه في الإجراءات."

يومئ له فهد فيرحل. بدر بثبات وثقة: "ها، نعمل الفرح إمتى؟ تنظر له دانه بغضب. حقًا، أهذا ما يجب قوله الآن؟ ماذا عن اعترافه؟ لن يعترف؟ يعشقها؟ لن يعرض عليها الزواج؟ فتجيب بغضب وغيظ: "وأنت مين قال لحضرتك إن أنا وافقت أصلًا؟ بدر بثقة وغرور: "وإيه اللي يخليكي ترفضي؟ دانه بحدة: "إيه البرود ده؟ المفروض تعرض عليا الجواز بطريقة رومانسية." بدر بضحك: "يعني موافقة؟ دانه بتعلثم واضح: "آآآ... أنا مقولتش كده." بدر بضحك وخبث:

"آه، ما أنا واخد بالي." تنظر له بغضب، ثم تنفخ خديها كالأطفال. حقًا تبدو ظريفة جدًا بهذه الحركات الطفولية. كان يتابعها بدر بابتسامة عاشقة، ثم قال: "ها؟ مقولتيش نعمل الفرح إمتى؟ فتبتسم دانه هي الأخرى، وتنظر للأسفل، وتتور وجنتيها بخجل فطري، وتصمت قليلًا، ثم تقول بنفس الابتسامة: "اتفق مع بابا." ثم تنهض ترحل مسرعة، وهو يتابعها بعشق ولهفة وفرحة شديدة على موافقتها الغير مباشرة. ***

كانت تبتسم بخجل وهي تسير اتجاه غرفة والدها. فتسمع صوت السيدة نعيمة وهي تتحدث مع والدها. كانت تسرع بفتح الباب، فهي من اتصلت بها، أخبرتها ما حدث مع والدها، وقد اشتاقت لها. ولكن يوقف فتحها للباب جملة ألقت بها من سابع سماء لأسفل أرض، كما لو أنها ارتطمت بالواقع على هيئة صفعة عنيفة على وجهها، وهي تسمع والدها. هو يقول لنعيمة: "بس أنا طلبت منه... يتجوز دانه وتكون... شريكة في المشروع و... أنا هبيعله نص الأرض."

فتكمل نعيمة قائلة: "بس لو دانه عرفت هتزعل أوي، ومنك أنت بالذات." عبد الحميد بتأكيد: "أنا قولتله ميقولهاش... وميقولش لحد... خالص." فتبتعد عن الغرفة سريعًا، ثم تسقط أرضًا بجانب الحائط، وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها وصدمتها. لا تصدق أن والدها وبدر خدعوها، وأن والدها باعها لبدر. كيف يفعل بها ذلك؟ حتى وإن كان للاطمئنان عليها، كيف يرخصها هكذا؟

ظلت مكانها تنتحب بقوة على قلبها وحبها وكرامتها التي هدرت، ولا تهتم بنظرات المارين وهم يتطلعون لها بشفقة أو حزن أو لا مبالاة. *** عند منزل محمدين. كان عبد الرحمن يدق الباب، لتفتح له حنين بعد دقائق. فيتطلع لها ولملامحها باشتياق، فهو لم يراها من أسبوع. فتنظر للأسفل بخجل، ثم تفسح له الطريق قائلة بخفوت وهي تحاول منع نفسها من إظهار شوقها له: "اتفضل." فيدخل وهو يحمحم ليجد صوته. ثم سألها: "إزيك يا حنين؟ حنين

بخجل ورقة لا تصطنعهما: "الحمد لله، وأنت؟ عبد الرحمن بهيام: "بخير بعد ما شفتك." تنظر له بصدمة، سرعان ما تخطتها وهي تنظر للأسفل تهرب من نظراته التي تحاصرها بتوتر، ثم تقول بتعلثم وهي تركض خارج الغرفة: "هروح أنادي... م... مالي." يضحك بشدة على شكلها المصدوم وعيناها الواسعة العسلية وهي متسعة من الصدمة وفمها المفتوح قليلًا، وعلى ركضها منه. تأتي جليلة وهي ترحب به، وخلفها حنين التي مازالت خجلة وهي تنظر للأسفل:

"أهلاً أهلاً يا ولدي." عبد الرحمن بأدب: "أهلاً بيكي يا مرات خالي." جليلة بحنان: "تعالى يا ولدي اقعد." عبد الرحمن باعتراض وأدب: "لأ معلش يا مرات خالي، مش هقدر. أنا بس جيت أقولك إن عبد الحميد باشا والد دانه تعب ونقلوه المستشفى. وبدر والحاج محمدين هيفضلوا هناك. فبدر قالي أجي أشوف لو عاوزين حاجة وأطمن عليكم." فتشهق حنين وجليلة. فتقول جليلة بحسرة: "ربنا يشفيه يا رب، راجل طيب." حنين بخوف:

"أنا عايزة​‌‍⁠ أروح لدانه. أكيد منهارة، ما لهاش غير باباها." جليلة معترضة: "تروحي فين دلوقتي؟ مينفعش." حنين بإلحاح: "عشان خاطري يا ماما، دي تلاقيها لوحدها وهتموت من العياط." عبد الرحمن متدخلاً: "خلاص يا مرات خالي، متقلقيش. أنا هوصلها لغاية هناك. أنا كده كده رايح عشان أشوف لو محتاجين حاجة." جليلة تردها واستسلام: "طيب، خلاص روحي. خلي بالك منها، دي بت غلبانة. وتعالي مع أبوك وأخوكي." فتومئ حنين بسرعة وتقول بلهفة:

"ثانية واحدة هغير هدومي وجاية." وتصعد درجات السلم مهرولة.

تابع الفصل التالى من هنا 

author-img
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا

تعليقات

close
التنقل السريع