صعدت لغرفة حنين التي وصفها لها هذا البدر الذي يذهب بعقلها. تدق الباب لتسمح حنين بدخول. ما إن رأت دانه تدخل بابتسامة محرجة إلا أنها قامت سريعا من السرير بابتسامة واسعة واحتضنتها بقوة. فحنين، على الرغم من أنها خجولة، إلا أنها اجتماعية جدا. تبادلتها دانه الاحتضان وقد زال حرجها. لتقول حنين: واحشتيني أوي، عاملة إيه؟ فتضحك دانه: وإنتي كمان وحشتيني. حنين بنصف عين: امممم، بتضحكي يعني ومبسوطة؟ إشمعنا النهاردة؟ ها؟
المرتين اللي فاتوا لما روحتلك كنتي نكدية ليه؟ فتضحك دانه بقوة وهي تتذكر الأيام الماضية. بعد خناقتها مع بدر، كانت شديدة الحزن والكآبة. كما تقول حنين: أنا نكدية؟ ماشي يا ست حنين. فتضحك حنين بدورها: لا بجد، إيه اللي غيرك؟ تخجل دانه من أن تتكلم فيما صار مع بدر، لتغير مجرى الحوار: مفيش عادي. حنين بابتسامة: ماشي يا ستي، يا رب دايما... تعالي بقا نقعد تحت في الجنانة تحت واعمل حاجة نشربها. لتومئ لها دانه وينزلوا للأسفل. ***
كانت تطلع له بصدمة والدموع متحجرة في عينيها ويدها ترتجف. وهو ينظر لها ببلاهة وتوتر وخوف. بينما كان يطالعهم عادل بخبث وشر، ظنا منه أن من فضلته عليه سيجازيها ويعاقبها هي ووالدها انتقاما على تفضيلها له. فقد رآهم أكثر من مرة، بينما هي دائما تصده وتهينه وتبتعد عنه. لتتكلم أخيرا، ودموعها على وشك الهبوط: اااحنا أسس..فين يا مم..صطفى... ... بيه؟ قائلة آخر كلمة بخمس، ولكن وصل له ودموعها نزلت على وجنتها، ولكنها مسحتها سريعا.
بينما هو يشعر بغصة في حلقه لا يستطيع الكلام. ليحمحم بعد ثوانٍ في محاولة لإيجاد صوته قائلا: احم، خلاص حصل خير. وإنت يا عم حسنين، اقعد في بيتك شوية. ليفزع والدها ظنا منه أنهم سيرفدوه. وهي تنظر له بحزن شديد لنفس ظن والدها. يقول والدها بهلع: ليه يا بيه؟ متقطعش عيشي، والله أنا حاجة كعبلتني مش كبرت ومش قادر أشيل الأقفاص. ليبتسم له مصطفى مطمئنا: متقلقش، أنا مش هرفدك ولا حاجة. أنا بس عاوزك ترتاح شوية وترجع كمان كام يوم.
ومتيخافش، مرتبك زي ماهو مش هينقص حاجة. هنا تخرج الروح الشرسه من فرحة قائلة بعصبية دهشت الجميع وأولهم مصطفى: لا شكرا أوي لخدماتك يا بيه، إحنا مش محتاجين لا شفقة ولا صدقة من حد. وإن كان على المحصول اللي السبب فيه إنه وقع عادل قدام، هدفعُه على أقساط. ليفيق مصطفى سريعا من هجومها. فهو يعلم أنها الآن مجروحة وأي شيء ستتخذه على هذا النحو الشفقة والعطف. ويقول بجدية وحذر وغيظ: ماشي يا آنسة، زي ما تحبي.
بس والدك محتاج يرتاح يومين في البيت، شكله تعبان. فتنظر لوالدها فتجد حقا ملامح الإجهاد والتعب ظاهرة للعيان أمامه. فتومئ على مضض. مصطفى بجدية: اتفضلوا يلا على شغلكم. بينما يخرج الجميع ليوقف فرحة قائلا: استني يا آنسة. لتقف لا إراديا فجأة وتلتفت له قائلة: أنا؟ وتشير لنفسها. ليكمل بنفس الجدية: أه، إنتِ. فتقف بغيظ وحزن. ينهض من المكتب ويسير متجها لها. يقف أمامها وينظر بعينيها التي تعاتبه على كذبه وسخريته منها.
وتلجأ إليه ليخفف عنها حزنها وبؤسها. بينما هو يتأملها بصمت. تقول فرحة بغيظ: حضرتك ناديت لي عشان تسكتني؟ يتكلم بجدية زائفة وهو يحاول أن يخفي تسليته من غيظها: إنتي هتتنقلي من بكرة للمصنع. لتتصاعد شرارات الغضب بعينيها حقا. ألن يعتذر منها؟ ألن يبرر لها؟ ألن يصالحها؟ تكتم حنقها وتقول بنبرة مغتاظة حانقة رغما عنها: حاضر يا فندم. وتتحرك ناحية الباب. فيمسك يدها سريعا. لتنفضها بغضب وتقول بغضب: اوعى تلمسني تاني، إنت فاهم؟
مصطفى بحنان: آسف، مش قصدي. فرحة تنظر بعينيها له وتتمنى تبريرا له. وتقول بنبرة مختنقة خافضة: ليه؟ مصطفى بحزن لحزنها: والله كنت هقولك. لتقاطعه وكأنه فتح باب غضبه ليدخل بكل قوته: إمتى هاااا؟ إمتى؟ لما تتسلى شوية كمان؟ وليه أصلا؟ إيه؟ كنت متراهن عليا؟ بتلعب بيا؟ لا خايف أطمع فيك وأرسم عليك وأنهار بعدها في البكاء. ليسـرع هو مبررا: والله ده في الأول بس.
كان نفسي تتعرفي عليا مصطفى بس مش مصطفى محمدين اللي إنتي وأبوكي بنشتغلوا في أرضهم. وكنت عارف إنك لو عرفتي هتبعدي عني. وعلى فكرة بقا إنتي اللي قولتي مش أنا. أنا بقا عجبني الموضوع فقولتلك أه. لكن والله بعد كده كنت عاوز أقولك، بس كنت خايف لحسن تبعدي عني. تنظر له من بين دموعها بسخرية: والله!!! ودلوقتي يعني أنا مش هبعد؟ ينظر لها بغضب شديد من هذا المسار في الحديث. عن أي بعد تتكلم هذه الغبية؟ فهو
لن يترك أبدا ومهما حدث: إنتي استحالة تبعدي عني يا فرحة... إنتي ملكي خلاص. ده كان سوء تفاهم واتحل. فرحة بغيظ من بروده وأوامره، رغم فرحتها التي من قلبها من كلماته عن عدم بعدها عنه وأنها ملكه: لا يا مصطفى بيه، مش سوء تفاهم ومتـحـلـش. ده انعدام ثقة فيا إني هطمع فيك. وأنا كمان مبقتش أثق فيك ومش ملك حد. يشدها من يدها بعنف وعيناه حمراء من الغضب: أنا بثق فيكي. هي الظروف جت كده. وبعدين إنتي ملكي وبتثقي فيا بردو.
قائلا آخر جملة بابتسامة صفراء لم تصل لعينيه. فرحة بانفعال وهي تسحب يدها بعنف: إيه البرود بتاعك ده؟ انسى يا مصطفى، أنا مش ملكك. وترحل. ليوقفها مرة أخرى بجدية: تكوني موجودة بكرة في المصنع الساعة ٨. فرحة بغيظ في نفسها: ماشي يا مصطفى، أما أوريك. مبقاش أنا فرحة حسنين. وترحل بخطوات سريعة غاضبة. وهي يحدق بها وبأثرها: آه يا فرحة... هتسامحيني؟ وهترجعيلي؟ وساعتها هنتجوز. ليبتسم مرة أخرى
عندما تذكر غيظها قائلا: بتبقى قمر وهي متعصبة. يخربيت حلاوتها. *** يدخل فارس لبدر المكتب دون استئذان بابتسامته السمجة التي يعلم أنها تثير حنق بدر. فينهر بدر بغيظ: إنت إزاي تدخل كده من غير استئذان بيت أبوك هوه؟ ليضحك فارس بصوت عالي وهو يقول: الله، إيه؟ ابن عمي سخن عليا كده ليه؟ مش كفاية ضربك لي؟ بدر بغضب: احمد ربنا إني مقتلتكش فيها. فارس بخبث وهو يغمز بعينيه البينة: دي مهمة أوي بقا. بدر
يسحبه من تلابيب جلبابه: بقولك إيه يا فارس، احترم نفسك ومتجبش سيرتها على لسانك إنت سامع؟ واتقي شري أحسن لك. إنت عارف كويس بدر الغنام وغضبه يقدر يعمل فيك إيه كويس. ليسحب فارس نفسه من بين يدي بدر: ماشي يا بن عمي، وأنا اللي كنت جايه أعتذر لك. بدر بجدية: وفر اعتذارك يا فارس، واظبط وإنت بتتكلم بعد كده. وابعد عن البنات. ليومئ فارس بغير اقتناع ولكنه يقول: ماشي يا ابن عمي... سلام. يزفر بدر ويعود للمكتب ويكمل عمله.
ولكنه رغما عنه يشرد بتلك الجنية التي خطفت قلبه وعقله. *** كانت رغد تجلي الصحون بالمطبخ. لتأتي صباح من خلفها قائلة: بقولك يا رغد، انزلي هاتي الخضار من السوق وبعدين ابقي تعالي كملي. تلتفت لها رغد قائلة بارتباك وخوف: بس أنا أخاف أتوه يا ماما. صباح بتهكم: إنتي مش نزلتي معايا كذا مرة عشان أوريكي الأماكن؟ يلا بلاش دلع، أحمد زمانه جاي وتيجي تعبان وجعان.
عندما تتذكر رغد أحمد وكم يعاني ويعمل بجد واجتهاد ليوفر لها ما تحتاج ويعوضها عن حياتها المرفهة الأولى. فيأتي مرهقا جدا وترتسم على ملامحه التعب والإرهاق. ورغم ذلك يبتسم لها ابتسامته الحنونة الرائعة التي تكفيها وحدها عن العالم بما فيه. لتبتسم بحنان وتومئ بالموافقة وتذهب لترتدي بنطال جينز وبلوزة طويلة إلى حد ما قبل الركبة وبأكمام باللون الأبيض وبها ورود وردية اللون. وتجمع شعرها ذيل حصان وتنزل لتذهب للسوق.
بعد عدة محاولات في التذكر وتشتري الخضروات. ولكن عند العودة تفشل في تذكر من أي طريق أتت. بتلتفت حول نفسها برعب. وكانت هناك عيون متربصة لها كالذئب تراقبها. وهي تفصل جسدها بنظرات شهوانية حيوانية. ثم يقترب منها بإبتسامة خبيثة قائلا: أقدر أساعد الجميل في حاجة؟ تلتفت له بذعر وخوف قائلة بتوتر: لأ، شكراً. ينفي برأسه بنفس الابتسامة: شكراً إيه بس؟ متخافيش، محسوبك الأسطى محمود صاحب الورشة دي. وهو يشير لإحدى المحلات القريبة.
لتومئ بتوتر وخوف قائلة: آآه، ماشي. يقول وهو ينظر لها بنظرات مفصلة ملامحها الجميلة وعيناها الخضراء: ها، بقا أساعدك إزاي؟ تـردد في النهاية، فهي لا تعلم كيف تعود. فتقول بتوتر: أنا كنت عايزة أروح بيت الأستاذ أحمد سمير. ليومئ لها: آه، بيت الست صباح. وتومئ بسرعة ولهفة. فيقول لها: ماشي، تعالي أوديكي يا... فتجيب بعفوية: رغد. محمود بخبث: عاشت الأسماء، اتفضلي. هي لم ترتح له ولا بنظراته أبدا، ولكنها مضطرة.
فتسير بعيدة عنه بمسافة لكي يوجهها إلى المنزل. وعندما تصل تشكره بسرعة وتصعد بخطوات سريعة. بينما هو ظل ينظر لها وهو يقول: آه، مربى بالقشطة... بس تقربلهم إيه دي؟
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق