تستيقظ وهي تشعر بآلام تكاد تفتك برأسها بسبب بكائها طوال الليل. عيناها حمراوان ومنتفختان. تحرك عنقها يمينًا ويسارًا في حركة لفك تشنج الرقبة، وهي تتأوه بخفوت وتمسك رأسها وتُمسدها بخفة.
تنهض من السرير متجهة إلى الحمام، تؤدي روتينها اليومي، ثم تخرج لترتدي ثيابها. تتذكر حديثه لها أمس، فتد عيناها، ولكن سرعان ما نفضت رأسها. اختارت، رغمًا عنها، أكثر ثيابها احتشامًا: بلوزة خضراء بأكمام طويلة وبنطال جينز طويل وواسع تبعًا للموضة. لا تعلم أهي تريد أن تثبت له خطأه وخطأ حديثه، أم تريد أن يراها هكذا فتتغير أفكاره عنها. ثم رفعت شعرها على شكل كعكة فوضوية.
نزلت للأسفل تسأل الخادمة عن والدها، فأخبرتها أنه بمكتبه. توجهت إليه ودقت على الباب، ثم فتحته وهي ترسم ابتسامة على وجهها وتصنع المرح: "حبيبي بيعمل إيه في المكتب؟ مش إحنا في إجازة ولا إيه؟ يضحك عبد الحميد: "لا يا حبيبتي، متخافيش. أنا بس كنت بعمل مكالمة مهمة." ليكمل بعدها مقترحًا: "إيه رأيك نخلي سعدية تجهز الفطار وناخده ونفطر برا في الأرض بتاعتنا؟ تُرد دانة قائلة بحماس: "إيه ده؟ واو! إحنا عندنا أرض؟ عبد الحميد متسائلاً:
"آه يا حبيبتي. هو بدر مورهالكش وإنتوا بتتفسحوا ولا إيه؟ تبدلت ملامحها للحزن والغضب عند ذكر اسمه، لتغير مجرى الحديث قائلة: "لا... تكمل بابتسامة لم تطل: "طيب يلا بينا بقى." يبتسم والدها لها وهو ينهض: "يلا يا حبيبتي." يضع ذراعه على كتفها ويخرجان. *** في منزل الحاج محمدين، كانوا يجلسون لتناول الإفطار وسط مشاغبة حنين لمصطفى وغيظه لها وخناقتهما الطفولية وضحك الوالدين. محمدين وجليلة. كان يجلس هو شارد الذهن، متجهم الملامح.
ليلاحظه والده فيسأله: "مالك يا بدر؟ ليختطفه من أفكاره فيجيبه: "مفيش يا حاج." لينهض واقفًا مكملًا: "أنا رايح الأرض بقى، عايزين حاجة؟ حنين بسرعة ولهفة: "ثواني يا بدر." ليلتفت لها متسائلاً بعينيه، فتكمل بتوتر: "عبد الرحمن هيجي انهاردة عشان في حاجات مش فاهماها." لينظر لها فترة بتقييم ملامحها، ويحاول ثبر أغوارها في نظرات غامضة، ليقول بعدها: "ماشي، بس يكون حد قاعد معاكوا، مصطفى أو أمي." تومئ له سريعًا بفرحة: "حاضر."
فتنهض وتقبل وجنته قائلة: "شكرًا." يبتسم لها ويذهب مكملًا طريقه. ليقاطعه هذه المرة والده قائلًا: "بدر، إنت مش خارج انهاردة مع دانة؟ لتعود ملامحه لتتجهم والغضب مرة أخرى، ويخرج حديثه غاضبًا دون إرادته: "لا، هو أنا شغال عند الهانم وأنا معرفش؟ أنا ورايا شغل ومش فاضي للدلع الماسخ ده." لتحتد نظرات والده وهو يصيح: "ولد، احترم نفسك وأنت بتتكلم." ليخفض رأسه خجلًا، ويذهب لوالده ويقبل رأسه قائلًا باعتذار:
"أنا آسف يا بابا، مكنش قصدي. أنا بس عندي ضغط في الشغل عشان بقالي يومين مروحتش وكده." ثم يقبل يده، فيربت والده على كتفه بحنان قائلًا: "ربنا يقويك يا بني." يبتسم له ويلقي التحية ويغادر تحت نظرات والده الغامضة. ***
كانت تقف في الحمام تحاول غسل الملابس كما علمتها صباح على الغسالة العادية. كانت حالتها تبدو مزرية، فكانت ترتدي عباءة منزلية من والدة أحمد الواسعة جدًا عليها، فهي لم تجلب معها ملابسها ذات الماركات العالمية والموضة. وأحمد لم يستطع أن يجلب لها أكثر من قميص منزلي جميل وبيجامة بيتية رائعة، لكنه وعدها أنه عندما يقبض مرتبه سيحضر لها المزيد.
كانت العباءة مبللة بل غارقة بالماء بسبب الغسالة، وشعرها الذي لم تتمكن من عمله في تسريحة جميلة كعادتها بسبب انشغالها الشديد في أعمال المنزل التي ألقت صباح على عاتقها، بعد أن كانت أميرة في منزل والدها لا تقوم بإحضار كوب الماء حتى لنفسها. ترفع يدها لتزيح حبات العرق عنها، وصباح جالسة في الخارج أمام التلفاز، لتصيح بصوتها العالي المزعج: "يا رغد، يا رغد، فين الشاي؟ تخرج لها رغد والإرهاق والتعب واضحان على معالمها:
"حاضر، بس ثواني أشيل الغسيل." لتصدر صباح صوتًا من بين شفتيها يدل على تهكمها وسخريتها: "كل ده لسه مطلعتيهوش؟ ... طب يلا يا أختي خلصي." تومئ لها رغد بخنوع، فهي أمام أحمد تعاملها بحب وحنان شديد، أما عندما يخرج من الباب فتظل تأمرها بأشياء كثيرة، فلا تستطيع أن ترتاح ولو قليلًا.
عند ذهابها للمطبخ مرة أخرى، يقطع عليها طريقها صوت خبطات على الباب. لتذهب تفتح الباب، لتصدم وتتسمر مكانها عندما ترى والدها ووالدتها ومعهما ضابط. لتجحظ عيناها من المفاجأة. ***
دلف الحجرة الجالسة مع زوجة خاله، جلس ينتظر نزول معشوقته التي أسرت قلبه، فهو يود لو يقبل الرياضيات والمواد كلها لأجل لحظاته مع حبيبته الصغيرة. ذهبت السيدة جليلة لتحضر له مشروبًا، حينما دخلت حنين الحجرة وهي تحتضن الكتاب وتنظر للأسفل بخجل. فتهلل ملامحه فرحًا وعيناه تلمعان لمعتها الخاصة بها وحدها. يتكلم بابتسامته الآسرة: "تعالي يا حنين." لتذهب وتجلس على الكرسي المجاور له، فيبدأ بالحديث: "عاملة إيه؟ تجيب
بخجل وتوتر من قربه منها: "احم، الحمدلله. وانت؟ يبتسم ابتسامة واسعة: "دلوقتي في أفضل حال، الحمدلله." لتبتسم بخجل وتقول: "طب يلا، مش احم هتشرحلي؟ يومئ بتأكيد ويأخذ منها الكتاب ويبدأ في الشرح. فتأتي والدتها بالقهوة وتضعها أمامه وبعض الفطائر قائلة بابتسامتها الودودة: "يلا بقى عشان تركزوا، وفطاير جليلة هتنور مخكم." ليضحك عليها عبد الرحمن وهو يقول بابتسامة: "تسلم إيدك يا مرات خالي."
بينما تضحك حنين بخفوت. ليعود للشرح مرة أخرى. بينما جليلة ذهبت للمطبخ مرة أخرى. بعد فترة، تنظر للطعام الموجود على شعلة النار كي يطهو. وبعد فترة من الشرح، هي كم بدت فاتنة وهي غبية، هذا ما أتى في بال عبد الرحمن عند رؤيته لنظرة الغباء الطفولية الموجودة بعينها وهي تفتح فمها فتحة صغيرة ببلاهة وذهول.
وَد لو ينفجر ضاحكًا على مظهرها، ولكن، لقد خسر جرحها أو حزنها. فاكتفى بابتسامة تذهب الباقي من عقل تلك الحنين المذهولة من معلوماته ولباقتة، قائلًا: "إيه يا حنين، مش فاهمة إيه بالظبط؟ لتنظر له بذهول، هل افتضحت أمامه؟ لتقول كاذبة بطفولية وكبرياء لذيذين و"أنف مرفوع": "احم، لا طبعًا، أنا فاهمة كل حاجة." لم يستطع كبت ضحكاته عليها ويقول: "طب اشرحي لي المسألة دي تاني." لتنظر له بغيظ لما دائمًا يحارب كي يحرجها، فتقول من بين
أسنانها وابتسامة صفراء: "مش أنت فاهمها؟ عبد الرحمن بابتسامة وتسلي: "طبعًا." لتكمل بنفس نبرتها: "خلاص، أفهمهالك ليه؟ ليحاول عبد الرحمن التحدث بجدية وصرامة زائفة: "عارفة يا حنين، لو مبطلتيش دلع وركزتي، هتتعاقبي. ده غير إني هقول لبدر على فشلك." تنظر له بحقد وغيظ طفولي، ثم تحاول جذب عطفه فتقول ببراءة زائفة وعيون متسعة: "آهون عليك يا عبد الرحمن؟ أنا والله ذكية، بس هي المادة اللي وحشة."
يتنهد بعشق، فتكاد تذهب عقله هذه الجميلة البريئة، قائلًا بصوت خافت بعد الشيء: "لا يا تعبة قلبي." لتنظر له بصدمة وخجل، قائلة في نفسها: "أكيد مش قصده حاجة، أو أنا سمعت غلط." *** كانت دانة جالسة مع والدها والخادمة في الأرض، وهي تنظر حولها ولكنها شاردة في أفكارها. ليربت والدها على كتفها برفق: "مالك يا حبيبتي؟ سرحانة في إيه؟ لتلتفت له بابتسامة مغتصبة: "ولا حاجة. الجو حلو." ليقطع حديثهم محمدين وهي آتية من بعيد بابتسامة:
"يا مرحب يا مرحب! وأنا، تقول الأراضي كلها منورة ليه؟ ليضحك عبد الحميد وهو ينهض: "أهلًا بيك يا عجوز.. أكيد اللي منور الأرض دانة مش أنا." لتبتسم لهم دانة وتنهض لتحيي محمدين. فيقول محمدين وهو يربت على يدها: "طبعًا نورها هي. حد قالك إنك... ليضحكوا جميعًا ويجلس بجانبهم محمدين. يتصل به بدر فيجيب: "أيوة يا ولدي... لا، أنا قاعد مع عمك عبد الحميد في أرضه... طب تعالى وهات الورق."
كانت دانة تستمع للحوار، وعندما علمت بقدومه نهضت لترحل. يوقفها والدها: "رايحة فين يا دانة؟ دانة: "عادي يا بابا، هتمشى شوية." عبد الحميد: "استني يا حبيبتي لما تيجي سعدية عشان متهيشي." لتضحك دانة: "إيه يا بابا؟ هو أنا طفلة؟ متقلقش عليا يا حبيبي."
ثم تلتفت لتذهب، لتصطدم بيد القادم من خلفها، الذي تفاجأ بوجودها، فكان يعتقد أنه والده وعبد الحميد فقط. لينظروا لبعض دقائق، هي تنظر له بحزن وغضب وعتاب، وهو بغضب مماثل وبعض الندم والاشتياق. ثم تلقي التحية وترحل دون أن تلتفت له ثانية. لينظر في أثرها ثوانٍ، ثم يلتفت لهم يلقي التحية بابتسامة مجاملة، ثم يجلس بجانبهم. بعد فترة يقول عبد الحميد:
"متعرفش يا بدر إيه اللي حصل لدانه من ساعة آخر مرة خرجتوا مع بعض وهي بتعيط وسرحانة طول الوقت؟ ليشعر بغصة في حلقه عند معرفته ببكائها، ليقول منهيًا الحوار: "لا يا عمي." عبد الحميد مبتسمًا:
"تعرف يا بدر، أنا عارف إن دانة دلوعة زيادة عن اللزوم، بس ده أنا السبب فيه. لما كانت مع والدتها في الحادثة، الحمدلله ربنا كتب لها عمر جديد، بس دخلت في صدمة. طفلة في سنها شافت حادثة مروعة زي دي، وكمان خسرت أمها. فوديتها لدكاترة كتير وقعدت فترة كبيرة تتعالج، وبعد كده وعدتها إني أعوضها عن كل حاجة وخسارتها لأمها، فكنت بدلعها جدًا، ما هي وحيدتي وحبيبتي، ومفيش حاجة أهم منها في حياتي. كانت كل حاجة تعوزها أجبهالها، تشاور عليها بس تبقى عندها، لغاية ما بقت دلوعة وحساسة أوي. أي حاجة ممكن تجرحها وتزعلها."
كانت عيناه تدمع وهو يتحدث، أما بدر فكان بداخله بركان، فهو جرحها وأحزنها. أشفق عليها كثيرًا، كل هذا يحدث لطفلة في عمرها، وهو كان يزيد الطين بلة كما يقولون. بداخله ندم وحزن يكفي العالم إن توزع، لكنه اكتفى بإيماءة صغيرة وأخذ الأوراق من والده وذهب. كان والد دانة ينظر في أثره مطولًا بغموض وتفكير. كان يسرع في خطواته وينظر حوله عسى أن يراها، ولكن لم يراها. حزن بشدة وأسرع خطواته بغضب وهو يدخل إلى مكتبه.
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق