رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم جمال الحفني

رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم جمال الحفني

****الجزء التاسع والثلاثون*****

من المواقف اللي خوفتني وأنا نادرا لما بخاف من بعد ما مرهوب وشدام بقوا معايا كنت في يوم قاعد مع خالي في الوكالة بتاعته, انا تقريبا مليش أصحاب كتير, أتنين تلاته بالكتير وخالي منهم..

 دخلت ورشة جدي واللي خالي بقى هو المسؤول عنها بعد وفاة جدي, ويمكن خالي من الناس القليلة اللي ضافوا على شغل أبوهم وطوروه وكبروه مش وقف بسببهم أو خسر..


 صوت الحديد وهو بيخبط في بعضه مالي المكان، وريحة الجاز والزيوت التقيلة لازقة في الهوا، والمراوح الصغيرة بتلف بسرعة بس من غير ما تفرق مع الحر كإنها بتداعبه, المكان واسع ومليان معدات تقيلة، مواتير متفككة، وجنازير مرمية على الأرض، وكل حاجة عليها طبقة تراب وزيت..


 خالي كان واقف عند الترابيزة بيظبط في قطعة حديد، أول ما شافني سلّم عليّ وقعدنا نتكلم في الشغل والدنيا، كلام عادي جدا، بس من أول دقيقة حسّيت إن في حاجة مش مريحة في المكان!


كان في شاب شغال معاه داخل خارج، شايل عدة، بيفك ويربط في عربية نقل كبيرة واقفة على الرافعة, الموضوع طبيعي جدا، بيشتغل بتركيز، بس كل شوية يرفع عينه ويبصلي، مش بصة عابرة تركيز زيادة عن اللزوم، زي ما يكون بيشبّه عليا أو مبيحبنيش, أو فيه شيء بيني وبينه مش عارف, وأول ما آخد بالي يلف وشه بسرعة ويرجع في شغله كأن مفيش حاجة, حاولت أتجاهل، يمكن بيستغربني، بس الإحساس ما راحش، بالعكس كان بيزيد بمرور الوقت..


خالي بيتكلم وأنا برد عليه، بس نص تركيزي مع الولد وفيه كلام بيقوله خالي مبسمعوش فبيضطر يكرره تاني وهو بيقولي بيسألني مش عوايدك؟

كنت براقبه من طرف عيني وهو رايح وجاي، كل حركة محسوبة، كل وقفة فيها حاجة غريبة مش باينة, شدام ساكت جوايا، ومرهوب حاسس بيه بيتحرك بهدوء حواليا زي ما يكون هو كمان مش متطمن, زي حد مستني لحظة, أو مفاجأة هتحصل في أي وقت1


الولد عدّى جنبي وهو شايل صندوق عدة، لمحته من قريب عينه من بره هادية، بس جواها حاجة واقفة، حاجة بتبص عليا من ورا, وبسبب بعض الطلاسم اللي محوّط نفسي بيهم واللي بيخلوا حواسي الخمسة بيشتغلوا بأضعاف قدراتهم سمعته بيزوم زومه خفيفة, محدش هيسمعهم إلا لو ودنه كانت في شفايف الولد دا..


وقف عند عربية النقل شوية، وبعدين فجأة ساب اللي في إيده، ولف ببطء وبصلي, المرة دي ما لفّش بجسمه بس, عينه فضلت ثابتة عليّ، كأنه أخيرا قرر يواجه!


 صوت الورشة بدأ يهدى في ودني، أو يمكن أنا اللي بقيت سامع أقل، والمروحة فوقنا بقت أبطأ، وكأن الوقت نفسه بيتمط..


الولد بدأ يقرب خطوة خطوة، مش بسرعة، مش تهديد واضح بس فيه حاجة بتتزحف معاه, وقف قدامي على بعد مترين، وسكت وأنا سكت, لحظة طويلة، مفيهاش غير صوت النفس, وبعدين فجأة، وشه اتشد، وفكه قفل جامد، وطلع منه صوت خفيف زمّة مكبوتة، قصيرة، بس تقيلة، كأنه بيمنع حاجة جواه من إنها تطلع, خالي خد باله ومش عارف إذا كان سمع الزمّه ولا مسمعهاش, فسأله مالك يا سليم فيه حاجه, سليم مردش عليه وراح أخد مفتاح كبير من جمب المكتب ورجع للعربية اللي بيصلّح فيها, بقول لخالي ماله سليم فيه حاجه مش مريّحاني؟ 


خالي كان باصص عليه وهو كمان مش مرتاح, قالي دا ولد طيب وابن حلال وبيصرف عليه أهله, بس من فترة بدأت يعمل تصرفات غريبة, بيتعصب ويتخانق ساعات مع الصنايعية, ولما مخه يغيب محدش بيقدر عليه, كل الصنايعية بيمسكوا في دراع واحد من دراعاته ومش بيقدروا يثبتوه لحد ما يهدا لوحده, ولو حد كلمه في اللي حصل ميفتكرش أي حاجه عملها, فقولنا إن مثلا ممكن تكون معاه مشاكل في البيت أو ضغوط سببتله مشاكل نفسية, فقولت للعمال محدش له دعوة بيه وسيبوه في حاله, ولد غلبان وبيشتغل بكل جهده, وطالما اللي بيحصل منه مبيكونش بإيده فانا عمري ما هقطع رزقه, وفعلا العمال اختصروه خالص والحالة اللي بتجيله تقريبا اختفت, ممكن بس تجيله مرة في الشهر أو مرتين بالكتير, خالي خلص كلامه وقام من المكتب وراح ناحية الباب وهو بيسأل عن حد الميكانيكية اللي جمبه وراجعلي تاني..


كلام خالي مطمنيش بالعكس قلقني أكتر, الشاب دا فيه حاجه مش طبيعية وأقرب تفسير للي بيعمله إنه ممسوس, مجرد ما جات فكرة ممسوس في بالي فجأة شدام قالي حاسب وحسيت بيه بيشدني يرميني من على الكرسي طرت في الهوا وفي اللحظة اللي طرت فيها راح وقع على المكتب موتور عربية نقل تقيل, حاجه كدا خمس رجالة ما يقدروش يشيلوها بسهولة, سليم كان في لحظة واحدة شاله ورماني بيه, وقع على المكتب الحديد طبقّه وخلاه زي علبة الشاي الورق..


الحركة كانت مرعبة في بساطتها, مفيش مجهود ظاهر كإن الوزن اتلغى! 


خالي اتجمد في مكانه وتقريبا ركبه سابت وهو شايف ابن اخته لولا ستر ربنا كان هيموت قدام عينه وفي ورشة جده, مرهوب همسلي بكل برود الواد دا مش لوحده, فيه حد معاه!


كنت عايز أصرخ فيه واقوله ياراجل عرفتها لوحدك؟ بس ساعتها اتأكدت إن اللي كان مستخبي طول الوقت بدأ يبان, وفي لحظة كانوا العمال كلهم هجموا على سليم بيحاولوا يثبتوه, وخالي بدأ عقله يرجعله وراح يشتم الواد بأهله وبيقوله ملكش عيش هنا, أنا كان جسمي بيتنفض من الخوف بس في أقل من دقيقة كنت قدرت أسيطر عليه, وبدأت أبص على سليم من تاني, جسمه مشدود بطريقة غريبة, ووشه ثابت بس عنيه فيها شرخ! كإن حد تاني بيبص من وراها, نظراته كانت مثبته عليا ومش مهتم بالأربع عمال اللي ماسكين في إيديه ورجله وواحد فيهم مكتفه من الخلف, سليم زمجر بصوت الكل سمعه ورجله اتحركت ناحيتي والعمال بيحاولوا يثبتوه لكن بعد الثانية والتانية كان بيظهر فشلهم وهو بيتحرك ويرميهم جمبه وفجأة الأربعة طاروا من عليه كإن فيه قوة مخفية رمتهم وسليم جري ناحيتي!


#تلميذ_الجن

جمال الحفني

        الفصل الاربعون من هنا

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا

تعليقات