رواية اسيا الفصل الرابع 4 بقلم ريم اشرف
وقفت في الصالة،
ورديت:
= ألو؟
سكت.
أول ما سمعت الصوت،
اتجمدت مكاني.
= رامي؟!
صوتي خرج مني بستغراب، بوجع،
مكنتش مدركه أن صوتي كان عالي.
على الناحية التانية كان بيتكلم بسرعة…
كأنه مستني اللحظة دي بقاله كتير.
أنا… مكنتش سامعة غير دقات قلبي.
كان بيقول كلام…
بس أنا بدأت أتعصب.
= لا… لا اسمعني كويس.
سكت لحظة… وبعدين قلت بحدة:
= إبعد عن حياتي يا رامي.
اللي كان بينا خلص.
كان لسه بيتكلم…
قفلت السكة في وشه.
وقفت مكاني…
إيدي بتترعش.
نفسي بقى أتقل..
ومش عارفة آخده.
لفّيت…
لقيت الدكتور سيف واقف قدامي.
واضح إنه سمع.
وشي كان مولّع…
ودقات قلبي عالية بشكل مرعب.
حاولت أتكلم…
بس الصوتي كان مخنوق.
= أنا…
الدنيا بدأت تبقا مش واضحه قدم عيوني،
كل حاجة حواليا بقت بعيدة،
حسيت أني هقع من طولي،
وقبل ما أقع…
حسيت بإيده مسكني بسرعة.
_آسيا!
اول مرة أحس بفرق الطول اللي بينا،
رغم أننا تقريبا نفس السن.
فتحت عيني ببطء…
لقيت نفسي على الكنبة،
ولقيته قدامي،
وعينه مليانة قلق.
_آسيا… إنتي سامعاني؟
غمضت عيني لحظة…
وبعدين فتحتها تاني.
= أنا كويسة…
قال بسرعة:
_لا، مش كويسة.
سكت لحظة… وهو مركز في ملامحي:
_هو كل مرة بتتنرفزي فيها… بيحصلك كده؟
بصيت له…
واتوترت.
= مش… بالظبط.
اتنهدت، وعدلت قاعدتي:
= ساعات… لما بضغط…
بحس إني مش قادرة أخد نفسي.
بصيت في الأرض:
= قلبي بيدق بسرعة…
إيدي بتترعش…
الدنيا بتلف بيا…
سكت لحظة… وكملت بصوت أوطى:
= وبحس إني… هفقد السيطرة.
بصلي باهتمام شديد.
= وأوقات…
مببقاش عايزة أتكلم مع حد…
ولا أعمل أي حاجة.
رفع حاجبه شوية:
_وده بيحصلك لما تتعرضي لضغط؟
هزيت راسي بتردد:
= مش عارفة…
مش بعرف أحدد.
سكت لحظة…
وبعدين سأل بهدوء:
_طب إيه اللي حصل في المكالمة،يخليكي تتنرفزي كده؟
بصيت له… باستغراب،
بس لقيت نفسي بتتكلم.
= رامي…
زميلي في الشغل.
وقفت لحظة… وكملت بسرعة:
= كان معجب بيا… قبل ما يتجوز،
ومحصلش نصيب.
حاولت أختصر…
وأعدّي.
كان مركز مع كلامي،
وقال بهدوء:
_واضح إن الموضوع أكبر من كده.
سكت لحظة…
وبعدين كمل:
_بس أنا هحترم إنك مش عايزة تحكي.
بصيت له…
مش عارفة أقول إيه.
_تعالي… نقف في البلكونة شوية.
خرجنا للبلكونة.
الهوا كان حلو وفيه نسمه باردة،
كنت محتاجة ده.
دخلت عملت قهوة…
ورجعت.
قعدنا قدام بعض.
هو كان ماسك الكوباية،
بس عينه عليّا.
وأنا
كنت بحاول أهرب من عينيه…
ومش عارفة.
كان بيحاول يهديني ويكلمني في كذا موضوع،
كنت حاسة أنه بيحاول يلهيني عن اللي حصل.
_______________________
تاني يوم..
روحت الشركة،
كأن مفيش حاجة حصلت.
قعدت على مكتبي،
فتحت اللاب،
وبدأت شغلي فورًا.
كنت مركزة…
أو على الأقل بحاول أبقى كده.
دايما بحب أفصل بين شغلي، وقلبي،
بين وجعي وقلقي،
كل حاجة عندي ليها حدود،
وأنا خت هعد على نفسي،
الزعل، له وقت ويخلص.
روان دخلت،
وقعدت على مكتبها اللي جنبي مباشرة.
بعدها بثواني…
هيثم دخل،
وقعد على المكتب اللي الناحية التانية.
بقى مكتبي في النص…
وأنا بينهم.
حسيت بنظرات روان عليّا…
نظراتها وهي بتراقبني.
بس عملت نفسي مش واخدة بالي.
مركزة في الشاشة…
وإيدي على الكيبورد.
وفجأة…
سمعت صوته.
= روان… محتاج الأوراق بتاعة المشروع الأخير.
اتجمدت لحظة.
رامي.
زمان…
كنت أول ما أسمع صوته، بهدي،
بكون أحسن.
لكن دلوقتي…
حسيت بانقباض في صدري.
ضيق،
وعدم راحة.
يمكن عمري ما كنت مرتاحة…
بس كنت بضحك على نفسي.
قرب من مكتبي، وقال بصوته،
اللي مكنتش قادرة اسمعه اكتر من كده.
= آسيا… محتاج أتكلم معاكي في حاجة مهمة.
مرفعتش عيني من على الشاشة،
وقلت ببرود:
= اتفضل، تقدر تتكلم هنا.
سكت لحظة… واضح إنه متفاجئ من ردي.
= الموضوع محتاج نقعد في المكتب.
رفعت عيني له..
كنت حاسة أني شايفه شخص تاني،
حد عادي.
بنفس اله
دوء:
= لو يخص الشغل، يبقى ينفع يتقال هنا.
كان واضح عليه أنه اضيق.
سكت ثانية…
وبعدين قال:
= تمام.
ولف ومشي.
روان قامت،
وراحت قعدت جنب هيثم.
_شايف؟
قالتها وهي ميلة عليه.
هيثم بص ناحيتي:
_في إيه؟
روان ابتسمت بخبث:
_مش شايف وشها؟
سكتت لحظة…
وبعدين كملت:
_رجعت زي زمان…
باردة… رسمية… وقوية.
هيثم بص تاني ناحيتي،
وبان عليه إنه مش مهتم.
_____________________
بعد شوية قومت،
لمّت شوية ملفات من على مكتبي،
واتحركت.
وقفت قدام مكتب مستر فاروق.
خبطت خفيفة.
_اتفضل.
دخلت.
= صباح الخير يا مستر فاروق.
رفع عينه…
وأول ما شافني، ابتسم،
راجل في أواخر الستينات، شيك، مريح وأقرب راجل لـ قلبي:
_صباح النور يا آسيا.
قربت،
وحطت الملفات قدامه:
= دول الملفات اللي حضرتك طلبتهم.
بدأ يقلب فيهم…
رفع عينه تاني…
وبص ليّ بتركيز:
_مالك؟
اتلخبطت لحظة:
= مفيش.
قفل الملف…
وسند ضهره على الكرسي:
_آسيا… أنا أعرفك كويس.
كمل وهو بيحاول يطمني وقالي:
_في حاجة مضايقاكي.
بصت له…
ولأول مرة من الصبح…
حسيت إني مش محتاجة أمثل أكتر من كده.
أتكلمت:
= أنا… مكنتش مستوعبة اللي بيحصل.
نزلت عيني للأرض:
= يعني إزاي… يعمل كده؟
وهو شايفني قدامه كل يوم؟
إزاي يبقى عادي بالنسبة له…
و أنا… ولا كأني كنت في حياته؟
رفعت عيني له… وعيوني دمعت:
= أنا مكنتش مصدقة…
إنه ممكن يعمل معايا كده، يسبني كده بعد ما كنت بشرحله قد أي أنا ضعيفة، وأني مشتاته بسبب خناق أمي وابويا عليا،
حوار خوفي وقلقي من اللي جاي، ومن قلقي أنه يهجرني تاني،
أزاي يعمل كده في اول فرصة، لا ده في ثانية نسي أنا مين!
بدأت دموعي تنزل من غير وعي.
مستر فاروق ساب القلم من إيده…
وجاه قدمي وهو بيحاول يهديني،
وبص ليّ بجدية.
_أنا حذرتك يا آسيا.
سكت لحظة…
وبعدين كمل:
_من أول ما كلمتيني عشان ييجي يشتغل هنا.
اتنهد:
_ومن أول مرة شوفته…
كنت عارف إنه راجل طموح.
وبص لي بتركيز:
_بس كنت حاسس إنه ميستاهلكيش.
دموعي زادت.
وحاولت أمسحها بسرعة،
بس مقدرتش.
_اهدي… اهدي يا بنتي.
مش كل حاجة بنتمناها تبقى لينا…
ومش كل حد بنحبه يبقى مناسب لينا.
حط إيده على كتفي:
_إنتي أقوى من كده.
بصت له…
أنا عمري ما كنت بشوف مستر فاروق أنه مديري،
هو ابويا، فيه شيء مميز،
مستر فاروق مخلفش بعد حاولي 30 سنة جواز.
فـ بيعتبرني بنته، خصوصًا أنه شبه عارف عني كل حاجة.
في اللحظة دي…
الباب خبط.
السكرتيرة دخلت:
_مستر فاروق، ابن حضرتك وصل.
عدلت كلامها بسرعة:
_قصدي… ابن أخو حضرتك.
_خليه يدخل.
مسحت دموعي بسرعة،
واتعدلت.
= أنا همشي بقى.
هز راسه:
_روحي… ولو احتاجتي أي حاجة، أنا موجود.
لفّت عشان أخرج…
وفتحت الباب.
وأتفجاءت بـ :
= دكتور سيف؟!
هو كمان وقف لحظة…
واضح عليه الصدمة.
_آسيا؟
كان لسه داخل…
وكان لبس كچول، بنطلون وتيشرت بسيط.
مستر فاروق بص باستغراب:
_إنتوا تعرفوا بعض؟
اتلخبطت:
= آه… أصل…
سيف تدخل بهدوء:
_أنا دكتور والدتها.
بص له مستر فاروق…
وبعدين ابتسم:
_طب أدخل يا سيف، دي أسيا من أشطر البنات عندي هنا في الشركة،
بنتي التانية، بعدك طبعًا، وده أبني مش بس أبن أخويا.
حسّت بإحراج…
خصوصًا بعد حالتي من شوية.
= أنا هستأذن.
ومستنتش رد…
وخرجت بسرعة.
____________
وصلت للتراس…
ولقت رضوى واقفة، مستنيني.
أول ما شافتها…
كـ العادة جريت عليها.
رضوى قربت خطوة:
_مالك؟
.
اتنهدت… وبصتلها:
= رامي كلمني.
رضوى رفعت حاجبها:
_إمتى؟
= إمبارح…
ورّن النهارده كمان.
سكتت لحظة… وكملت:
= كان عايز يقابلني…
بيقولي وحشتيني… وعايز نتكلم.
ضحكت بسخرية :
= وكأنه محصلش حاجة.
رضوى عقدت دراعها:
_وقولتي له إيه؟
= قفلت في وشه.
= بس واضح إنه مش ناوي يسكت…
حتى النهارده كان بيحاول يكلمني بعيد عن روان وهيثم.
رضوى سكتت لحظة…
وبعدين ابتسمت بخبث:
_مش عايزة اقولك على هيثم هو كمان.
بصتلها باستغراب:
= ماله؟
رضوى قربت مني شوية:
_هيثم بقاله فترة بيلمح… وبيحاول يقرب مني.
= هيثم؟!
ده هيموت عليكي، أنتي لسه واخده بالك؟
رضوى ضحكت:
_بس عيبه… بيحب يسمع ويعرف اخبار الكل.
= آه ده خطر… ده كده هيبقى عامل زي المخابرات.
ضحكنا أحنا الاتنين.
بصيت ناحية الممر، وابتسمت
رضوي استغربت وقالتي:
_ مالك؟
=بصي وراكي.
رضوي لفتت..
ولقت سيف خارج من مكتب مستر فاروق.
أول ما شافنا… ابتسم
وقرب.
*واضح إن الدنيا صغيرة فعلًا.
رضوي قالتله:
_أي ده انت هنا؟
سيف ضحك:
*أنا كمان متفاجئ زيك.
مستر فاروق يبقى عمي…
وفي مقام أبويا.
رضوى ردت عليه:
_بجد؟!
*آه… هو اللي مربيني تقريبًا.
في اللحظة دي…
كان رامي، وقف بعيد
متابع المشاهد وهو بيشرب الشاي.
عينه علينا
مركّز.
رضوى أخدت بالها.
بصت له…
وبعدين بصت ليا ولـسيف
= طب أنا هروح أخلص حاجة بسرعه عشان متأخرش أكتر من كده.
بصتلها:
= دلوقتي؟
رضوى ابتسمت:
_ثانية وراجعة.
ومشيت…
سيف بص لي بهدوء:
_إنتي كويسة دلوقتي؟
هزت راسي:
= أحسن.
قالي:
_مش عايزك تتوتري، اللي حصلك أمبارح ده بنك اتاك، بيحصل لما تكوني محمله على اعصابك أوي، وخصوصًا لو أنتي حساسة او بداري مشاعرك، وكمان لحظت وانا خايف يكون عندي حق، أنتي دخله على مراحلة من مراحل الاكتئاب الاولي، يعني تقدري تبقي أحسن لو تابعتي مع ثربيثت أو غيرتي جو او حاولتي تغيري روتين يومك.
كان واضح عليه أنه مهتم، رديت عليه، وأنا مكسوفة:
=متقلقش هكون أحسن، الموضوع ممكن ميكونش محتاج كل القلق ده.
بعد شوية…
سيف بص في ساعته:
_أنا لازم أمشي.
= تمام.
ابتسم لي:
_خلي بالك من نفسك.
= حاضر.
مشي…
أول ما مشي…
روحت لـ رضوي..
= رضوى!
رفعت راسها من على المكتب.
= إنتي سيبتيني لوحدي ليه؟!
رضوى ابتسمت بخبث:
_عشان في حد كان مركز معاكم أوي.
=رامي؟!
_ايوة.
= إنتي عملتي كده عشان تغيظيه؟
_أيوة طبعًا.
سكتت لحظة…
وبعدين قالت:
_ولأن سيف مهتم بيكي.
= دي حقيقة بس أنا بحاول أبعد.
_ليه؟
= عشان مش عايزة أدي فرصة لـ حد.
بصت في الأرض:
= أنا بعد اللي حصل…
مش قادرة أثق في حد تاني خلاص،
أنا اديت رامي كل حاجة،
٦ سنين،
٦ سنين بحاول أقنعه يتقدم، كل مرة بحجة شكل،
يعلن علاقتنا، يحس بيّا أي حاجة.
ضحكت بمرارة:
= وفي الآخر؟
أول ما شاف واحدة أحلى…
اتجوزها في ثانية.
سكت وكنت بحاول أهدي نفسي وكملت:
= حسّسني إني ولا حاجة.
بصت لرضوى بعين مليانة وجع:
= حسّسني إني متستاهلش، لا حب ولا حد يبقى ضهري، ولا سند.
رضوى قربت مني.
ومسكت إيدي:
_إنتي غلطانة.
=عارفة المشكلة أني عارفة أني اديتوا أكبر بكتير من حجمه.
____________________
بعد ساعه كان وقت خروجنا من الشغل،
ركبت عربيتي وكنت قاعدة مستنيا رضوي فيها عشان الجو حر،
قولت اشغل الراديو شوية وكنت سامعه إليسا وهي بتعورني بصوتها وبتقول:
«فاكر يا حبيبي في يوم
ما سيبتني أمشي ودموعي في عيني
يومها أنا بالذات
جيت لك عشان إنت اللي بتقويني
وبدل ما أهدى وأرتاح وأنا جوة حضنك
أو تطمّن عيني، كده وتدفيني
ألقاك إنت بتبكّيني.»
وفجاءة لقيت حد بيفتح باب العربية اللي جنبي ودخل،
اول ما رحته ملت العربية من قبل ما ارفع عيني نحيته كنت عارفة ان هو،
بصيت في عيونه اللي ملينا غصب، اول مرة أحس أني عايزة أجري وأبعد عنه، مش خوف منه، ولا من مشاعري،
بس خوف من اللي ممكن أعمله فيه دلوقتي..
وكانت اليسا بتكمل وتقول:
«تسأل عليا ليه؟ هو إحنا لسه إحنا
مستني مني إيه؟ ملامحنا مش ملامحنا
دلوقتي بينا إيه غير ذكرى بتجرَّحنا
ما هي دنيا بتفرّحنا لحظة والباقي بتدبحنا.»
#ريم_اشرف.
#أسيا.
#الجزءالرابع.
