رواية عشقت محتالة الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم سلمي جاد
أوضة المستشفى كان مسيطر عليها سكون تقيل، ريحة المعقمات مخلوطة بريحة الوجع اللي مالي الأركان. ياسمين دخلت الأوضة لقت جميلة نايمة على السرير، عينيها متعلقة بالفراغ، كأنها بتدور في الهوا على طيف بنتها اللي ملحقتش تشبع منها.رغم إن جميلة والدة طبيعي وكان المفروض تكون دلوقتي في بيتها وسط أهلها وبنتها في حضنها، إلا إن الصدمة كانت أقوى من أي جرح جسدي. صحتها اتدهورت فجأة، ضغطها وطى وجسمها انهار، فالدكاترة اضطروا يعلقوا لها محاليل عشان تسندها شوية، ونادية كانت قاعدة جنبها، عينيها حمراء من كتر العياط بس بتحاول تتماسك.
ياسمين جريت عليها وبسرعة أخدتها في حضنها، وبدأت تطبطب عليها بحنان وهي بتقول بصوت كله أمل:
"متخافيش يا جميلة.. والله العظيم قلبي حاسس إنها هترجع. إن شاء الله خير يا حبيبتي، أدهم وعلي مش هيرجعوا غير وهي معاهم، أرجوكي استهدي بالله كدة."
جميلة ملمحتش برمشها، بس غمضت عينيها بقوة، ونزلت دموع سخنة حرقت خدودها وهي بتهس بضعف ورجاء يزلزل الأرض:
"ياااا رب.. يا رب رجعلي حتة من روحي، ماليش غيرك يا رب."
ياسمين مسحت دموعها وبصت حواليها في الأوضة، سألت بصوت واطي:
"أمال بابا فين يا طنط نادية؟ مش كان هنا؟"
نادية ردت بتنهيدة طويلة وهي بتحاول تظبط قعدتها:
"والدك راح ورا أدهم وعلي يا بنتي، مقدرش يقعد هنا وهو شايف أدهم في الحالة دي. وتقريباً خد يزن معاه عشان يوديه يقعد مع منى لحد ما نشوف الدنيا هترسي على إيه، مش عايزين الولد يحس بالتوتر ده كله وهو لسه صغير."
نادية قامت قعدت على الكنبة اللي في ركن الأوضة، مدت إيدها وخدت مصحف صغير كان محطوط جنبها، فتحته وبدأت تقرأ بقلب خاشع، وصوت همسها بالقرآن كان بيملى الأوضة بسكينة كانت هي دي الحاجة الوحيدة اللي مصبرة الكل.
ياسمين سحبت كرسي وقعدت جنب سرير جميلة، مسكت إيدها اللي متعلق فيها المحلول وبدأت تضغط عليها براحة، وكأنها بتبعت لها القوة من إيدها لإيدها، وفضلت تهون عليها بكلام عن رحمة ربنا ، بينما كانت جميلة في عالم تاني
__________________________________
أدهم كان سايق وعينه مبترمش، كأنه بيسابق الزمن والموت، الكاوتش كان بياكل الأسفلت حرفياً والشر بيتطاير من عينيه اللي بقوا زي جمر النار. علي جنبه كان ماسك الموبايل بيوزع الأوامر على الرجالة: "كل المداخل تتقفل، مش عايز نملة تخرج من المنطقة"
فجأة موبايل أدهم رن، فتحه بسرعة: "أيوة يا بابا"
جاله صوت محمود السويسي اللي كان سايق وراه : "هدي السرعة يا أدهم، كدة هتتقلب ببيكم البنت محتاجة أبوها عايش، اهدا عشان نعرف نتصرف"
أدهم بص في المراية، شاف أسطول عربيات وراه ملوش آخر، أولهم عربية أبوه اللي بيحاول يلحقه. علي سحب الموبايل من أدهم وقال لمحمود: "حاضر يا عمي، أنا هخليه يهدي، إحنا خلاص دخلنا المنطقة اللي ثريا عايشة فيها ."
في الوقت ده، في الشقة القديمة، ثريا خرجت من أوضتها وهي بتجر رجلها بالعافية، معالم التعب والنهجان باينة على وشها الأصفر، السرطان كان بياكل فيها في مراحله الأخيرة، بس الغل كان لسه مديلها قوة زايفة. دخلت أوضة سليم وفتحت النور وهي بتبرطم: "قوم يا سليم، اخلص عشان نن"
لكن الصدمة كانت زي القلم على وشها.. السرير فاضي ... سليم مش موجود، والطفلة مش موجودة! ثريا بدأت تلف في الشقة زي المجنونة، بتفتح الدواليب وتحت السراير وهي بتنهج برعب: "روحت فين يا سليم؟ وديت البنت فين؟ مش وقت جنانك ده"
وفجأة، الباب اتهز بضربة خلت الشقة كلها تتنفض، الخبط استمر بقوة زلزال، وثريا وقفت في نص الصالة مرعوبة، لسه بتفكر تهرب،جريت ناحيةالمنور، لكن كان الباب اتكسر ودخل أدهم زي الإعصار، ووراه محمود وعلي والرجالة بأسلحتهم.
أدهم اتقدم منها بخطوات سريعة، وعروق إيده بارزة لدرجة إن مفاصله ابيضت وهو بيقبض على كتافها بغل: "بنتي فين يا ثريا؟ انطقي قبل ما أمحيكي من الدنيا"
محمود قرب منها والغضب مالي ملامحه: "وديتي حفيدتي فين يا ثريا؟ اتقي الله في البنت اللي ملهاش ذنب."
ثريا كانت بتبص لهم بذهول وأنفاسها بتتسارع: "أنتوا.. أنتوا عرفتوا مكاني إزاي؟"
أدهم صرخ في وشها بهستيريا: "عشان أنتي غبية ...الصورة اللي بعتيها كانت هي الخيط اللي خنقك .مش هكرر سؤالي تاني، بنتي فين؟"
ثريا ردت برعب حقيقي وهي بتترعش: "معرفش.. والله معرفش"
علي صرخ في الرجالة: "فتشوا الشقة حتة حتة ،مستنيين إيه؟" ودخل يدور معاهم. دقايق مرت كأنها سنين، وخرج علي وشه باين عليه الإحباط: "ملقناش حد يا أدهم.. الشقة فاضية تماماً"
أدهم قرب من ثريا لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وشها: "انطقي وديتي بنتي فين؟ متخلينيش أخالف مبادئي وأبقى أول ست أمد إيدي عليها.. أنا معنديش أغلى من بنتي، ولو حصل لها حاجة مفيش قوة على الأرض هتحميكي مني"
محمود وقف قصاد أدهم وهداه بإيده، ووجه كلامه لثريا بنبرة فيها رجاء وألم: "اتكلمي يا ثريا.. قولي مكان البنت وأنا بوعدك إن مفيش حد هيلمسك، هنحميكي ومش هنأذيكي بس قولي البنت فين"
ثريا وقعت على الكنبة وهي بتنهج من الوجع اللي زاد عليها فجأة: "صدقوني معرفش.. أنا صحيت ملقيتهاش هي وسليم."
أدهم ضيق عينيه باستغراب: "سليم؟ سليم مين؟"
ثريا بتعب: "سليم ابني.. ابن إبراهيم السويسي ... ابن عمك يا أدهم بيه"
__________________________________
انفتح باب الغرفة ببطء شديد، سليم كان بيتحرك زي الطيف، نص وشه متداري ورا كمامة سودة وعينه بتلف في المكان بحذر. ياسمين كانت لسه خارجة من الغرفة عشان تشتري حاجة، ونادية غلبها النوم من كتر التعب وقاعدة بميل على الكنبة، أما جميلة فكانت غايبة عن الدنيا في نوم عميق، وإيدها الموصلة بالمحلول كانت مرخية بضعف يوجع القلب.
سليم مشي على طرطيف صوابعه، بيحاول ميطلعش نفس، لحد ما وصل للسرير الصغير اللي جنب جميلة. ميل براسه وبص لـ ريحانة اللي كانت نايمة بسلام بعد ما نيمها في الطريق عشان يضمن إنها متصحاش أو تعيط وتكشفه. مد إيده بلمسة خفيفة جداً وباس جبينها بحنية، وهمس بصوت واطي ومبحوح كأنه بيودع حتة من قلبه:
"سلام يا ريحانة.. كان لازم أعمل كدة عشانك. أنا هروح لماما، وهحاول أقنعها تنسى الانتقام ده خالص ونعيش في سلام.. يمكن القدر يجمعنا لما تكبري وتكون حياتنا اتغيرت وبقت أنضف من كدة."
حطها برفق شديد في السرير الوردي المجهز للبيبي، غطاها براحة وبص لها نظرة أخيرة مليانة ندم وأمل في نفس الوقت، وقبل ما حد يحس بيه، انسحب وخرج وقفل الباب وراه بنفس الهدوء اللي دخل بيه.
بعد دقايق، دخلت ياسمين وهي شايلة كوباية نسكافيه وبتحاول تفتح عينها من النوم، وقفت ثانية باستغراب وهي بتبص للباب:
"غريبة.. أنا متأكدة إني قفلت الباب ورايا وأنا خارجة.. يمكن ممرضة دخلت تشوف جميلة ونسيته مفتوح."
هزت راسها بلامبالاة وقعدت على الكرسي، بدأت تشرب النسكافيه وهي بتبص للسماء من الشباك، والسرير الصغير كان ورا ظهرها بأمتار طفيفة. وفجأة، جميلة بدأت تتحرك وتفتح عينيها ببطء، ياسمين ابتسمت لها وقالت بهدوء:
"صباح الخير يا جميلة.. صحيتي يا حبيبتي؟"
جميلة سألت بصوت مبحوح وهي بتحاول تركز:
"أنا نمت إزاي يا ياسمين؟ أدهم رجع؟ الساعة كام دلوقتي؟"
ياسمين ردت وهي بتهديها:
"الممرضة قالتلي إن المحلول فيه نسبة مهدئ عشان جسمك يرتاح والتوتر ده يقل شوية لإنه غلط عليكي.. أدهم لسه مجاش يا جميلة، بس إن شاء الله خييير."
جميلة هزت راسها بتعب، ولسه هترد، فجأة سكتت تماماً.. وعينيها وسعت بصدمة خلت ياسمين تتنفض في مكانها. في اللحظة دي، دوي صوت بكاء طفل رضيع رن في أركان الأوضة، صوت عالي وبريء قطع سكون المكان.
نادية صحيت مفزوعة من على الكنبة وهي بتتعدل:
"فيه إيه؟ إيه الصوت ده؟ ياسمين.. أنا سامعة صوت عياط نونو في الأوضة ؟!"
ياسمين بلعت ريقها، النسكافيه كان هيقع من إيدها، قامت ببطء ورجلها مش شايلاها واتوجهت لمصدر الصوت. وقفت قدام السرير الصغير وميلت براسها، وفجأة شهقت شهقة خضة وذهول خلت قلب جميلة يقع:
"مش ممكن!! مستحييييل"
جميلة عيونها اتملت دموع وصوتها ارتعش بهستيريا:
"بنتي؟ ياسمين ردي عليا.. دي بنتي صح؟ بنتي رجعت؟"
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق، وشالت البنت اللي كانت بتحرك إيدها في الهوا، وقربت من جميلة وهي بتعيط من الفرحة:
"أيوه يا جميلة. بس إزاي مستحيييل "
جميلة خدت البنت في حضنها ودفنت وشها فيها وهي بتصرخ وتضحك في نفس الوقت، بينما نادية كانت وراهم بتكبر وبتحمد ربنا بذهول، والكل بيسأل نفس السؤال ... إزي وصلت هنا؟!
_________________________________
محمود اتصدم، الكلمة وقعت عليه زي الصاعقة: "سليم؟ إبراهيم كان عنده ولد؟"
ثريا رفعت عينيها وبصت له بغل وكسرة: "أيوه.. إبراهيم اللي أنت قتلته أنت وابنك بعمايلكم . إبراهيم اللي كان شايل هم العيلة دي لوحده"
محمود بصوت عالي وهزة راس حزينة: "إبراهيم؟ أنتي لسه بتفكري كدة؟ لسه شايفة إبراهيم ملاك؟ يا ثريا فوقي، إبراهيم ده هو اللي دمر حياتنا ،أنتي متعرفيش حقيقته الدنيئة اللي كان مخبيها عنك طول السنين دي"
ثريا صرخت بتوهان: "قصدك إيه؟ أنت كداب ...أنت طول عمرك بتغير منه وعايز تشوه صورته ،هو قالي إنكم موتم في حادثة، وإنه خسر الشركة بسبب قلة خبرته، وعشنا في فقر وهو كان بيزورنا أتا وابنه بالعافية عشان يبعدنا عن المشاكل"
محمود قعد بتعب قدامها وبدأ يسرد الحقيقة المرة: "لا يا ثريا، إبراهيم هو اللي حاول يقتلني من عشرين سنة، هو اللي رمى ولادي في دار أيتام وعاش بفلوسي، إبراهيم هو اللي قتل مراتي هو اللي فضل يمثل عليكي دور الضحية وهو الشيطان الحقيقي"
بدأ يحكي لها بالتفصيل مل اللي إبراهيم عمله، وثريا وشها بدأ يتحول لورقة سيجارة، الدم هرب من عروقها وأنفاسها بقت سريعة ومتقطعة: "مستحيل.. مستحيل إبراهيم يعمل كدة.. مستحيل يكون خدعني كل السنين دي.. أنا ضيعت عمري عشانه؟"
أدهم حس إن الست دي بتنهار، نزل على ركبته قدامها وقال بصوت فيه رجاء: "يا ست ثريا، أنتي دلوقتي عرفتي الحقيقة.. خلاص، اللعبة خلصت. أرجوكي قوليلي سليم خد بنتي وراح فين؟ أنقذي ما يمكن إنقاذه واعملي حاجة صح قبل ما تقابلي ربنا"
ثريا بدأت تتشنق وتشهق بصعوبة، وشها بدأ يزرق، وهمست بكلمات متقطعة: "سامحوني.. سامحوني.. أنا رايحة له.. ومصيري هيكون زيه.."
محمود بخوف: "مالك يا ثريا؟ فيه إيه؟"
ثريا فتحت عينيها بقوة في انتفاضة أخيرة، وشهقت شهقة طويلة وهي بتهتف باسم: "سليم.. سليم.." وفجأة غابت عن الوعي وغمضت عينيها للأبد.
أدهم وقف مذهول، وعلي جري قاس نبضها، وبص لأدهم بأسى وهز راسه: "ماتت يا أدهم.. ماتت."
أدهم صرخ بوجع هز حيطان البيت: "لااااااا بنتي فين؟ سليم خد بنتي وراح فين؟ بنتي راحت فين يا علي؟"
محمود وقف مكسور، عينه على جثة الست اللي عاشت وماتت مخدوعة
فجأة، قطع سكون الانكسار في بيت ثريا رنة موبايل علي الملحّة.. كان اسم "ياسمين" بيلمع على الشاشة كأنه طوق نجاة وسط بحر مالح. علي، بصوت ميت ومنهد من فرط التعب والخيبة، رفع الموبايل وودنه عليه، وعينه بتراقب أدهم اللي كان قاعد على أقرب كرسي، حاطط راسه بين كفوفه بكسرة قتالة، كأن جبال الأرض كلها نزلت فوق كتافه:
ـ "أيوه يا ياسمين..."
ثواني.. وعلي وقف مكانه كأن صاعقة ضربته وشلت حركته. عينه وسعت لدرجة مرعبة، والدم هرب من وشه، وتلفون كان هيقع من إيده غصب عنه. صرخة مكتومة طلعت من حنجرته هزت أركان الشقة الضلمة:
ـ "إيه!! بتقولي إيه؟ البنت عندكم؟ في المستشفى؟! إزاي؟ أنتي بتتكلمي جد؟"
أدهم قام انتفض من مكانه كأن كهربا لمسته، الصدمة والخضة شلت تفكيره وحركته للحظات. بص لعلي وعينه مبرقة، حاسس بإن الأرض بتميل بيه، وحس في الحظة دي إنه نسي إزاي يتكلم، الحروف هربت من لسانه. قرب من علي بغريزة أب بيموت، ومسك قميصه بعنف وهو بيترعش كله، وصوته طالع بحشرجة مرعبة:
ـ "بنت مين اللي بتتكلم عنها.. رد عليا يا علي .... بنتي أنا؟؟"
علي، والدموع نزلت من عينه من فرط الفرحة الذهول، ساب الموبايل وربت على كتف أدهم بقوة وهستيرية:
ـ " أيوة بنتك ...بنتك يا أدهم ... ياسمين بتقول إنها لقتها فجأة في السرير جنب جميلة، أنا مش فاهم حاجة ولا عا
رف ده حصل إزاي.. بس يلا بينا.. يلا بينا يا صاحبي على المستشفى، بنتك رجعت"
أدهم مسمعش باقي الكلام، سحب مفاتيحه وجري على السلم كأنه طاير، مكنش شايف قدامه غير صورة بنته، وعقله مش قادر يستوعب المعجزة اللي حصلت.
في المستشفى، كانت غرفة جميلة عبارة عن قطعة من الجنة انتزعت من وسط جحيم الوجع. جميلة، اللي كانت من ساعات مجرد جثة هامدة، كانت دلوقتي حاضنة بنتها بقوة خرافية، كأنها بتحاول تدخلها جوه ضلوعها، تخبيها من الدنيا كلها جوه قلبها. كانت بتبكي وتضحك في نفس اللحظة، دموع الفرحة كانت بتغسل وشها الشاحب، وعمالة تبوس كل إنش في وش بنتها بلهفة وحرمان ميتوصفش. كانت بتبوس جبينها، خدودها الناعمة، عيونها المقفولة، وإيديها الصغيرة اللي في حجم عقلة الصباع.
ـ "يا روح ماما.. يا قلب ماما.. يا عيون ماما من جوه.. يا نور عيني اللي رجعلي وردلي روحي تاني.. مكنتش مصدقة إني هشم ريحتك تاني يا حبيبتي."
ياسمين ونادية كانوا واقفين في ركن الأوضة، ميتين من العياط والتأثر، المنظر كان أسطوري، مشهد ولادة جديدة للعيلة كلها.
فجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل أدهم.. أول ما عينه وقعت على السرير، اتصنم في مكانه، كأن الزمن وقف بيه. ملامحه اتحولت في ثانية من الرعب والكسرة للذهول التام وعدم التصديق. بَص لجميلة، وبَص للطفلة اللي في حضنها، وحس إن عقله بيخونه، إن ده أكيد سراب من كتر القهر.
جميلة، مكنتش حاسة بوجوده ولا بأي حاجة حواليها، كانت غرقانة في ريحة بنتها وبراءتها. لكن أدهم بدأ يقرب.. خطواته كانت بطيئة، حذرة، ومقلقلة، كأنه خايف يلمس المشهد ده فيختفي، ويطلع حلم قاسي تاني. كان بيلهث بأنفاس مقطوعة، وعينه بتلمع بدموع ممزوجة برعب وأمل.
ياسمين بعدت براحة وسابت مكانها لأدهم، وراحت لعلي اللي كان وصل ووقف جنب نادية، وضم ياسمين لحضنه بقوة، وهما متابعين المشهد وهما بيحبسوا أنفاسهم، ودموعهم نازلة صامتة.
أدهم وقف قصاد السرير، ملامحه كانت بتنهار تماماً. جميلة رفعت راسها ببطء، وأول ما شافت عينه، ضحكت بوجع وفرحة هستيرية، ودموعها نزلت شلالات:
ـ " بنتنا يا أدهم.. رجعت يا حبيبي.. بنتنا رجعت."
أدهم مكنش قادر ينطق، وقع على ركبه جنب السرير كأنه بيقدم آيات الشكر، مد إيده المرتجفة ببطء شديد، ولمس وش ريحانة بصباعه، وكأنه بيتأكد إنها حقيقية مش خيال. بمجرد ما حس بملمس جلدها الناعم الدافي، الانهيار التام صابه.
دفن وشه في وسط جميلة وبنته، وصدره بدأ يعلو ويهبط بشهقات مكتومة وقوية، دموعه نزلت بغزارة وبللت هدوم جميلة ووش الطفلة. بدأ يبوس في إيديها الصغيرة بجنون، ويشم ريحتها بلهفة أب كان بيموت من غيرها، ريحة براءة وطهر مكنش يتخيل إنها هترجعله تاني.
ضم جميلة وبنته في حضن واحد، حضن كان بيلم شتات روحه اللي ضاعت وتبددت، حضن بيعلن نهاية الكابوس وبداية حياة جديدة. بدأ يبوس جبين جميلة بحرقة وندم وشكر، ويرجع يبوس راس بنته بحنان مفرط، ويضمهم هما الاتنين لقلبه بقوة خرافية، وكأنه بيقول للعالم كله، ولأي قوة شر، إن مفيش حاجة على الأرض هتقدر تفرقهم تاني بعد النهاردة.
كانت لحظة صمت مهيبة في الأوضة، مبيقطعهاش غير صوت شهقات أدهم العالية، وضحكات جميلة المكسورة الممزوجة بالبكا، ومناغاة ريحانة الصغيرة اللي كأنها كانت بتحس بأبوها وبتعلن براءتها من كل اللي حصل. أدهم همس وهو بيبوس إيد جميلة بقهر وفرحة:
ـ "حقك عليا.. وحقها عليا.. نورتي دنيتنا يا حبيبة أبوكي.. يا أغلى حاجة في دنيتي ."
#رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد
