رواية اسيرة الغريم الفصل الخامس 5 بقلم ولاء رفعت

رواية اسيرة الغريم الفصل الخامس 5 بقلم ولاء رفعت

#الفصل_الخامس

#أسيرة_الغريم

#ولاء_رفعت

سارت إلي المطبخ بخطوات متعثرة، فأخذت شيئاً خبئته خلف ظهرها. 

عادت إليه وفتحت باب الحمام فوجدته يستحم و يغني وكأنه لم يقترف شيئاً في حقها، انتبه إليها فابتسم: 

- إيه لحقت أوحشك فجيالي الحمام؟! 


و غمز بعينه، ثم نظر إلي ثوبها الممزق وسألها: 

-مالبستيش الفستان اللي ادتهولك ليه؟، و لا أقولك تعالي يا حب، ناخد دش العرسان و أبقي ألبسي الفستان بعدين. 


وإذا بها ترفع يدها المخبأة خلف ظهرها، شاهرة سكين حادة صارخة: 

- أنا هقتلك. 


قالتها، فوقف أمامها مصدومًا، وهيهات أن يصدّق ما يرى.

 هجمت عليه بالسكين كالوحش الجريح، فصاح مبتعدًا عنها بسرعة:

– يا بنت المجانين!

وفي لحظة خاطفة، مد يده وجذب منشفة قطنية لفّها حول خصره بسرعة. أما هي، فأخذت تلحق به كالمجنونة، تطعنه في الهواء وتصرخ بجنون أعمى.

 كادت طعنة منها تصيبه في كتفه، لكنه انفلت منها ببراعة، وباغتها بأن قيّدها من الخلف بذراعيه القويتين، وقبض بشدة على رسغ يدها التي تمسك بالسكين.

حاولت أن تبعد عنه وتزيح ذراعه القابضة على خصرها، وهي تصرخ بصوت ممزوج بالألم والغضب واليأس:

– ابعد عني، أوعي، ماتلمسنيش!، أنا بكرهك، بكرهك!

كل كلمة كانت تصرخ بها تنبعث من أعماق ألم نفسي عميق وجسدي مؤلم، يخترق الروح قبل الجسد. 

  شعر بكل ذلك يتدفق إليه كالسُم الزعاف، وكم آلمه قلبه من أجلها، ولعن نفسه في سره لأنه هو من اتخذ ذلك القرار المشؤوم، الذي فعله بها من أجل ضمان بقائها معه، حتى لو علمت يومًا بأمر زواجه العرفي من غيرها.


ابتلع غصة ثقيلة علقت بحلقه للتو، وقال لها بصوت هادئ قدر الإمكان، علّها تهدأ:

– طب اهدي وأنا هاسيبك، اهدي مش هعملك حاجة، بس سيبي السكينة دي من إيدك، مكلبشة فيها كده ليه!


– أنا بكرهك، أنا بكرهك.

ظلت ترددها كالتائهة في صحراء الوجع، وصوتها يخبو شيئًا فشيئًا حتى تراخت أعصاب يدها، فسقطت السكين على الأرض بصوت معدني حاد.

وفي لحظة واحدة، استدار بها ليصبح وجهها في وجهه، ثم عانقها بقوة.


 فكم شعر بالشفقة والحزن الشديدين عليها، وعلى ما فعله بها بيده، همس لها وهو يخبئ رأسها في صدره، صوته يرتجف قليلاً:

– حقك عليا، أنا آسف.

وأردف داخل عقله بصوت لا يسمعه أحد سواه، بعد أن اغلق عينيه بألم:

– مكنش قدامي غير الحل ده، سامحيني يا نور، سامحيني يا حبيبتي.


                          ❈-❈-❈

أصوات موسيقى صاخبة تملأ المكان، تضرب في الصدور وتخترق الآذان، ممزوجة بضحكات عالية وقرع كؤوس متلاحق، وأضواء ملونة تتراقص مع إيقاع الموسيقى كما يتراقص أولئك الغارقون في بحر اللهو على ساحة الرقص الواسعة.

وها هي دارين تجلس في ركن المشروبات والخمور، تحتسي كأسها ببطء، كأنها تبتلع مع كل رشفة جرعة جديدة من وجعها الثقيل.

وجوارها جلست صديقتها ترمقها بنظرة امتعاض واضحة، وقالت بصوت يحاول أن يرتفع فوق صخب المكان:

– داري، كفاية شرب عشان تقدري تروحي.


رمقتها الأخرى بسخرية مُرة، وآثار الثمل بادية على وجهها وعلى حديثها الذي أصبح ثقيل متعثر:

– أروح!، أروح لمين؟!، أنا هبات هنا.


– تباتي فين!، طيب تعالي نرجع للطربيزة بتاعتنا، قاعدة البار مش بيجي من وراها غير المشاكل.

قالتها صاحبتها ثم انتبهت فجأة إلى شخص قادم نحوهما، فأردفت بحدة:

– أهي المشاكل بنفسها جاية علينا، أوف بجد عليكي، قومي.


زفرت دارين بغضب شديد، وتركت كأسها بعنف على الطاولة الرخامية، فارتطم الزجاج بصوت حاد:

– أوف أنتي بقي اسكتي، مش عارفه تسكتي!، إحنا جايين ننبسط، ننسي، أنا عايزه أنسي.


– ما تيجي تقعدي معايا وننسي مع بعض.

فهذا صوت رجل في الثلاثينات من عمره، جلس بجرأة جوارها، وأخذ يشملها بنظرات جريئة سافرة، اقترب منها أكثر حتى شعرت بدفء نفسه على بشرتها، وهمس جوار أذنها بصوت خفيض مفعم بالرغبة:

– فستانك جامد أوي، وأنتي أجمد وأجمد.


وفي الخارج، بالقرب من بوابة الملهى، اصطفت سيارتان فاخرتان بلون أسود لامع.

 قال جسار الذي يجلس في المقعد الأمامي:

– استني هنا يا باشا وأنا هاروح أجيب دارين هانم. 


رد الآخر، ويبدو غاضبًا للغاية، وصوته كالبركان الذي علي وشك الانفجار:

– مش هاترضي تيجي معاك زي المرة اللي فاتت، وهاتفرج عليك الدنيا جوه، أنا هاروح لها بنفسي.


هبط من السيارة بهيئة حازمة، واتجه نحو الملهى في خطى واسعة، وفي ظله يسير حارسه الشخصي، ويتبعهما اثنان آخران من رجال الحراسة يترصدون كل ما حولهم بحذر شديد.


بالعودة إلى دارين، التي كانت تنظر إلى الرجل الذي يرافقها في الشرب، يمدّ يده إليها بكأس مليئة بالخمر الفاخر وقال بصوت مفعم بالثقة:

– دي حاجة سبيشال هاتعجبك، البارمان بيعملها ليا مخصوص.


رفعت الكأس نحو فمها وارتشفت القليل منه، ثم ابتسمت ابتسامة ثملة:

– حلو الكوكتيل ده أوي.


فمد لها يده بعلبة معدنية أنيقة قام بفتحها على الفور:

– وخديلك سيجارة من دي معاها، هاتخليكي عايزة تطيري.


أخذت السيجارة ووضعتها بين شفتيها ببطء، رفع يده بقداحة ليشعلها لها. 

 وإذا بيد قوية حازمة تخطف السيجارة من بين شفتيها فجأة، وصوت صاحب اليد يدوي نذيرًا بالعواقب الوخيمة:

– برضه ركبتي دماغك وخرجتي من ورايا؟!


حدقت به دارين بابتسامة بلهاء، ورددت اسمه بصوت متمايل:

– صفوان حبيبي!، ولا نقول طليقي؟!


فوقف الرجل الجالس يرمق صفوان بنظرة شرسة مليئة بالتحدي، وقال بحدة:

– أنت يا عم الوحش، مش شايفها واقفة معايا؟


رمقه صفوان بنظرة قاتلة باردة، ثم نظر إلى جسار الذي كان يقف جانبًا، وأشار له بعينيه نحو الرجل. 

 وفي لحظة خاطفة، قبض جسار على ذراع الرجل عنوة وأبعده بقوة بعيدًا عنهما.


بينما خلع سسيادة النائب سترة بدلته الفاخرة بسرعة، وأجبرها على ارتدائها رغم مقاومتها الضعيفة، ثم قبض على رسغها بشدة وأمرها من بين أسنانه بصوت خفيض غاضب:

– يلا قدامي.


حاولت أن تجذب ذراعها بوهن وأومأت له برفض واضح:

– لاء، مش هاروح.


أخذ يتمتم بالاستغفار في محاولة للسيطرة على غضبه، ثم أمرها مرة أخرى بصرامة لا تقبل الجدل:

– أنا مش هكرر كلامي تاني يا دارين.


رفعت حاجبها بتحدٍّ واضح، وسألته بسخرية ممزوجة بالثمالة:

– هاتعمل إيه يعني؟، هاتمد إيدك عليا؟! لو راجل اعملها.


جزَ على شفته السفلى وفكه حتى انتفخت عروق عنقه النافرة، وإذا به يحملها فجأة من خصرها بقوة، فأخذت تصرخ وتركل بقدميها في الهواء بعنف:

– نزلني، نزلني، مش عايزه أروح.


وفي الخارج، فتح السائق له الباب الخلفي للسيارة فأدخلها صفوان عنوة رغم صراخها المتواصل، ثم دخل جالسًا جوارها. 

 تبعه السائق ورجال الحراسة في السيارة الأخرى، وانطلقت السيارتان مسرعتين في اتجاه القصر.


                          ❈-❈-❈


ضغط السائق على زر الحائل الذي يفصل بين المقاعد الأمامية والخلفية، فارتفع الزجاج المعتم ببطء، مانحًا المقصورة الخلفية خصوصية تامة ومعزولة عن العالم الخارجي.

أما هي تحاول فتح باب السيارة بيأس، إلا أنها وجدته مغلقًا، فأخذت تصيح كالطفلة المذعورة:

– نزلني، مش عايزه أروح معاك، أنا....

لم تستطع إكمال صياحها، إذا به قبض  على نحرها بيده القوية، وبنظرة جليدية جعلتها ترتجف من الخوف، نظرة تحمل تهديدًا لا مزحة فيه:

– اخرسي أحسن لك، عشان أنا علي آخري منك ومن عمايلك، وجزاء ليكي يا دارين، مش هتخرجي من باب أوضتك خالص غير لما أنا أقول.


شعرت بالاختناق، وتجمعت الدموع في عينيها بسرعة، حاولت إبعاد يده عن عنقها بكل ما أوتيت من قوة ضعيفة، فأبعد يده عنها. 

 وفي تلك اللحظة، ذهبت شجاعتها وتحديها أدراج الرياح، لتظهر أمامه على حقيقتها، أجهشت في البكاء، وأخبرته بضعف شديد من بين دموعها الغزيرة:

– جوه أوضتي أو بره، أنت كده كده حابسني، مش فارقة كتير.


حاولت أن تهدأ وتمسح دموعها بظهر يدها، ثم تكمل حديثها وتسأله وهي في أسوأ حال لها:

– أنت ليه بتعمل فيا كده؟

زفر بغضب شديد وأجابها بحدة:

– أنتي اللي بتعملي كده في نفسك، لما ما بتحترمهاش، ولا بتحترميني أنا شخصيًا. حتى وأنتي علي ذمتي، مش قادرة تستوعبي إن حياتك قبل الجواز غير بعد الجواز، مقضياها سهر وشرب سجاير وخمرة، غير لبسك اللي مفيش فرق بينه وبين اللانجيري... وجاية في الآخر بتلوميني أنا وبتقوليلي بتعمل فيا كده ليه؟


– ومسألتش نفسك مرة واحدة أنا بعمل كل ده ليه؟ مش يمكن كنت بحاول أخليك تهتم بيا حتى لو بلجأ لطرق غلط؟!


قالتها وهي تحاول ألا تنجرف إلى نوبة بكاء جديدة، قابلها بجمود واضح وعقب على حديثها ببرود:

– مش مبرر، وعمري ما قصرت معاكي وبعاملك بما يرضي الله.


وقد كان انفجرت في وجهه بقلب جريح ينزف:

– بس عمرك ما حبتني، ولا مرة شوفت لمعة الحب في عينيك ليا، ما انكرش غيرتك عليا وما قصرتش معايا في أي مناسبة، بس كل ده من غير مشاعر، حتى لما بتسافر وبترجع ولا مرة لاقيتك مشتاقلي، أنا اللي دايماً بجري وراك وملهوفة عليك، حاولت كتير أخلي قلبك يدقلي، بس بلاقي نفسي في وش حيطة سد، سور عالي أوي بيني وبينك، كل ما أحاول أهده ألاقيك بتعليه.


تهرب من النظر إليها، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن كل ما تخبره به صحيح، فقال بإنكار واضح:

– كل دي أوهام في دماغك، ويعلم ربنا ما قصرتش في أي حق من حقوقك.


– وأنا مش محتاجة لرفاهيات ولا فلوس، أنا كل اللي عايزاه منك ده.

وضعت يدها على موضع قلبه، وأردفت بصوت مكسور يحمل كل ما فيها من ألم وتوسل:

– أنا مستعدة أعمل أي حاجة، بس أكون جوه قلبك.

رفعت يديها لتحاوط وجهه بين كفيها الناعمتين، وحدقت صوب عينيه مباشرة، وسألته بصوت مكسور يحمل كل ما في قلبها من ألم وتوسل:

– هو أنا وحشة؟!، أنا ما استاهلش أتحب؟!، رد عليا وريح قلبي.


نظر إليها ولم يشعر قلبه نحوها سوى بالحزن العميق والشفقة الشديدة. 

 كانت تتوسل إليه وتشحذ منه حبًا لم يشعر به يومًا تجاهها، ففؤاده كان منشغلاً بأخرى، تلك التي احتلت تفكيره ووجدانه منذ سنة كاملة، حتى عثر عليها أخيرًا وعزم ألا يتركها أبدًا، بل سيجعلها ملكًا له بأي ثمن. 


مهلاً... إنه يراها الآن بدلاً من التي تقبع أمامه، يرى تلك التي يحبها تبكي وكأنها تستغيث به، انخرط في خياله حتى وجد نفسه يعانقها بل ويقبلها بحرارة لم يعرفها من قبل.

فبادلته دارين القبلة التي شعرت بها لأول مرة معه، ليست مثل قبلاته السابقة التي كان يعطيها لها كتأدية واجب بارد، بل قبلة رجل عاشق إلى حد الثمالة، قبلة مليئة بشوق يحرق الروح.

لم تكتفِ بذلك، فجلست على فخذيه، وتخللت أناملها خصلات شعره، وجذبت رأسه نحوها لتعمق القبلة أكثر فأكثر، وما فعلته كان كافيًا ليُفيق فجأة من خياله، وأدرك أنه يقبل ابنة عمه المحرمة عليه!


وإذا به يبعدها عنه بعنف شديد، ويرمقها بنظرة غضب مكبوت يختلط فيها الاشمئزاز بالدهشة، بينما هي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتعجب في آن واحد. اقتربت منه مرة أخرى وأمسكت بيده، تخبره بصوت مليء بالأمل الممزوج باليأس:

– شوفت لما خرجت مشاعرك حصل إيه!، وافق بس على جوازي من محلل عشان نعرف نرجع لبعض، نبدأ حتى من جديد... إدي لنفسك فرصة وأنا كمان هاتغير، مش هسهر ولا هاروح نايتات، ولا هحط في بوقي خمرة تاني، حتى السجاير هبطلها.


كم ألمه قلبه وهو ينظر إليها وهي تخبره بذلك كله!، لا تعلم أبدًا أنه لم يكن يقبلها هي، ولم يشعر قط يومًا نحوها بالحب والعشق الحقيقي. 

 قلبه لم يخفق يومًا، وعندما نبض أخيرًا، فكان من أجل المرأة التي ينتظر أن يعرف عنها كل شيء.

سحب يده من يدها بهدوء بارد، ثم أدار وجهه نحو النافذة للحظات، يحاول أن يجمع شتات أفكاره، وعندما التفت إليها مجددًا، كانت عيناه تحملان بريق قاسي، مزيج من الغضب والامتلاك. 

قال بصوت خفيض، ثقيل، يحمل في طياته صلابة لا تقبل النقاش:

– و أنا بقولهالك للمرة المليون، مش هسمح بجوازك من محلل، وافهميها زي ما تفهميها. 


زفر بعمق، ثم نظر إليها نظرة طويلة ثاقبة، ثم أردف بجفاء واضح: 

– ولو فكرتي تعملي أي حاجة من ورايا، هاخليكي تندمي ندم عمرك ماشوفتيه في حياتك، سامعاني يا دارين؟! 

وختم نهاية حديثه بإمساك ذقنها بعد أن ألقي عليها كل كلمة وكأنه ألقي صوبها خناجر جميعها اخترقت قلبها، تغيرت ملامحها في لحظة.

ذابت الدموع في عينيها، وانطفأ بريق الأمل الذي كان يلمع فيهما منذ قليل، بدأ كبرياؤها المجروح يصحو من سباته بقوة، كالنار التي تشتعل فجأة بعد أن كادت تخمد. 

 استقامت في جلستها، ورفعت ذقنها بتحد واضح، وهي تحدق إليه بنظرة جديدة مليئة بالغضب والإهانة.

مسحت دموعها بظهر يدها بعنف، وقالت بصوت مرتجف في البداية، ثم أصبح أقوى وأكثر حدة مع كل كلمة:

- مش هاتسمحلي اتجوز محلل، وافهمها زي ما افهمها؟! 


ضحكت ضحكة مرة قصيرة، مليئة بالسخرية والألم:

– يا نهار أسود عليّ، أنا كنت لسه بتحايل عليك وبتترجاك وبقولك هتغير وهبطل كل حاجة عشانك... وفي الأخر بكل بجاحة بتهددني؟!


نظرت إليه بنظرة حادة، عيناها تلمعان بحماسة الكبرياء المستعاد:

– أنا مش قطعة ديكور تملكها يا صفوان، ويوم ما تستغني عنها تركنها علي الرف ومش عايز حد يقربلها، أنا واحدة حرة، أملك قراري و مصيري، و مستعدة اخرج قلبي من مكانه وأدوس عليه بجذمتي، لكن مقعدش مذلولة تحت رحمتك يا سيادة النائب. 


جز علي أسنانه من رد فعلها وقولها بصوت جهوري مرتفع و كم ازعجه تلك النبرة، رمقها بتحذير: 

- صوتك ما يعلاش. 


صاحت بصوت أقرب للصراخ: 

–لاء هعليه براحتي، واسمعني كويس يا ابن عمي، افتكر كويس أن بقالي سنة بحالها اتحايلت عليك، و أنت علي نفس ردك ووضعك، لأنك أنت اللي هاتندم الفترة الجاية، واللي في دماغي هاعمله، و لو راجل وريني هاتعمل إيه. 


في تلك اللحظة، انفجر وتحول وجهه إلى قناع من الغضب الشديد، وبرقت عيناه بشرارة خطرة. 

 مدّ يده بسرعة البرق وقبض على ذراعها بقوة ألمتها، جذبها نحوه بشدة حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها. 

صوته خرج غليظ، يحمل تهديد حقيقي وغضب كظيم، شدَّ قبضته على ذراعها أكثر، حتى شعرت بعظامها تئن تحت أصابعه:

– بلاش تتحديني وتهدديني أنا، بدل ما أخليكي تتمني الموت ولا هاتطوليه، هاحرمك منك كل حاجة بتحبيها، كل حاجة بتتمسكي بيها، وهسيبك لحد أخر نفس ليكي زي ما بتقولي لا طايلة سما و لا أرض. 


اقترب أكثر من أذنها حتى شعرت بدفء نفسه الساخن على جلدها، وهمس بصوت جليدي مرعب:

– ولو فضلتي علي وضعك… هوريكي قد إيه أنا قادر أدمر حياتك في ثواني، مش هسيبك تتجوزي محلل ولا غيره، ولا حتى هتفكري في راجل تاني يبصلك. 


ثم دفعها بعيدًا عنه بقوة، فارتطم ظهرها بالمقعد، وجلس مستقيمًا، يلهث من شدة الغضب، عروق عنقه منتفخة، ونظرته لا تزال تحرقها كالجمر.


                         ❈-❈-❈


بعد انتهاء حفل الزفاف وسط أجواء من البهجة، صعد العروسين إلى عش الزوجية، و ما إن أغلق الباب خلفهما حتى تحول وجه عمرو من قناع الابتسامة إلي آخر من الغضب الواضح.

اقتربت ريم منه وسألته بحماقة مصطنعة: 

– مالك يا عمرو يا حبيبي؟، فيه حد ضايقك في الفرح؟

 

حدقها بنظرة حادة، وصوته خرج ثقيل حاد يحمل غضب وغيرة واضحة:

– اقسم بالله لو واحد غيري ودخل ياخدك من الكوافير ولقاكي بالمنظر ده، لكان خدك من ايدك وطلع علي الشقة و لا كان فيه فرح و لا زفت. 


– كل ده عشان الفستان مكشوف شوية من فوق؟!، ما عرايس كتير بيلبسوا كده و فساتين عريانه أكتر من كده كمان، وفيديوهات افراحهم ماليه الفيس والسوشيال ميديا. 


ضرب الحائط جواره بقبضته وهدر بصوت افزعها: 

– ماليش دعوة بحد، الراجل اللي بيقبل على نفسه إن مراته تطلع كده قدام الناس، نص صدرها باين، يبقى لا مؤاخذة بيتقال عليه إنه بقرون وكلمة تانية مش هاينفع أقولهالك. 


بينما الأخرى بذكائها الأنثوي وتمثيلها البارع، امتصت غضبه فورًا بدلالها المعتاد، أول ما فعلته، انفجرت في البكاء و دموعها تتساقط بسرعة كأنها حقيقية تمامًا، ثم أمسكت بيده بكل حنان ووضعتها على شفتيها تقبّلها مرارًا وهي تعتذر له بصوت مكسور:

– آسفة يا عمرو… والله آسفة، ما كنتش أقصد أزعلك، مش هعمل كده تاني... حقك عليا. 


حركتها هذه رغم غضبه الشديد منها، جعلته يشعر بالضيق من نفسه وبالذنب الذي يعتصر قلبه وهو يراها تبكي وتقبّل يده. 

لم يستطع الصمود طويلاً، فمدّ ذراعيه وأخذها في حضنه بقوة، وهو يمسح على شعرها بلطف قائلاً بصوت أصبح أكثر هدوء:

– خلاص ماتعيطش… واتمني أنك ماتعمليش الحركة دي تاني.


رفعت وجهها إليه، عيناها لا تزالان دامعتين، وقالت بدلال ناعم:

– حاضر… واوعي تزعل مني، عشان خاطري.


ثم وقفت على مقدمة حذائها، وطبعت قبلة طويلة مثيرة على جبهته، قبلة حملت في طياتها وعودًا صامتة وإغراء خفي، كافية لتُذيب ما تبقى من غضبه، فنسي كل شيء في لحظة.


و في لحظة خلع سترة بدلته بسرعة ورماها على أحد الكراسي بلا اكتراث، ابتعدت خطوة إلى الخلف ونظرت إليه بعينين بريئتين مليئتين بالغنج، وسألته بصوت ناعم يحمل الكثير من الدلال:

– عموري حبيبي، أنت بتعمل إيه؟


في خطوة واحدة منه كان أمامها مباشرة، حملها على ذراعيه بسهولة كأنها ريشة خفيفة، وقال لها بصوت خشن مفعم بالرغبة:

– هاتعرفي دلوقتي.


فضحكت ضحكة مرحة مليئة بالخجل الزائف والإثارة، ذهب بها إلي غرفة النوم حتي انخفضت ضحكاتها تدريجيًا،  واختفت داخل فمه وهو يغلق الباب خلفهما. 


بعد مرور وقت... 

 هدأت العاصفة الحميمة وتلاشى صوت الأنفاس المتسارعة، نهض من أعلاها ببطء. 

 كان وجهه متجهمًا، وقد انطفأت نار الرغبة التي كانت تشتعل من عينيه منذ قليل، وحل محلها تعبير غامض يجمع بين الارتباك والشك والضيق.

لاحظت ريم تغيره المفاجئ، دب الرعب في قلبها دفعة واحدة، خافت أن يكون قد اكتشف أمرها، فارتجفت أصابعها تحت الدثار، وشعرت بدمها يتجمد في عروقها. هل لاحظ شيئًا؟، هل شعر بالفرق؟، هل الحل الزائف في اللحظة الحاسمة؟


نهض بهدوء، والتقط سرواله من على الأرض وارتداه بصمت، وقف ينظر إليها طويلاً، بنظرة ثاقبة تخترق ضوء الإضاءة الخافت. 

 داخل رأسه دارت مئات الأسئلة في لحظات، وهو يتمنى في قرارة نفسه أن يكون ما يشعر به مجرد شك عابر، وليس حقيقة مرة.


أما هي، فقد حاولت بكل قوتها أن تخفي رعبها.

  ابتسمت له بخجل مصطنع، وسحبت الدثار حتى غطت جسدها العاري، قالت بصوت ناعم يحاول أن يبدو طبيعي:

– أنا جعانةجداً… هاقوم أخد شاور ونتعشا، ماما عملالنا أكل حلو أوي.


حاولت أن تتهرب من نظراته الثاقبة، فنهضت مسرعة وهي تلف الدثار حول جسدها، لكن صوته وقفها فجأة، نبرته كانت هادئة، لكنها حازمة وباردة بما يكفي لتجعلها تتسمر في مكانها كالتمثال:

– أنتي كنتي تعرفي حد قبلي؟


                         ❈-❈-❈

و في مكان آخر في الحارة...ها هي تعيش المشهد من جديد، نفس الغرفة وذات السرير، نفس اليدين القاسيتين. 

  يضحك مؤمن ضحكته المجنونة وهو يمزق ثيابها، وكلما صرخت يزداد عنفًا، لكن هذه المرة تظهر  وجوه أبيها وإخوتها تظهر فجأة في زوايا الغرفة، ينظرون إليها بصمت وخيبة أمل، لا يحركون ساكناً.

فجأة اختفى مؤمن من فوقها كأنه دخان، 

نهضت مذعورة، تركض خارج الغرفة، لتجد نفسها في ممر طويل مظلم لا نهاية له. 

 تسمع صوته يتردد من كل مكان:

– أنتي مراتي... أعمل فيكي اللي أنا عايزه.


ركضت بقوة حتى شعرت أن رئتيها ستحترقان، ثم سقطت فجأة، وقعت في حفرة عميقة مظلمة، باردة، رطبة، حاولت النهوض لكن الحفرة كانت زلقة، وكلما حاولت تسلق جدرانها انزلقت أكثر.


بدأت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة:

– ألحقوني، يا ماما. 

فجأة امتدت إليها يد من أعلى الحفرة، يد رجل قوية، لكن وجهه غامض، مشوش، كأن الظلام يبتلعه. 

 أمسكت بها بيأس، وشدّها بقوة، تحاول الصعود وهو يسحبها، أصابعها تتشبث به، لكنها كانت تنزلق مرة أخرى، فيحاول مرارًا وتكرارًا حتي دوى صوت أذان الفجر في مسامعها

"الله أكبر... الله أكبر..."

فتحت عينيها فجأة، جسدها يرتجف بعرق بارد، لتكتشف إنها في غرفتها و مارأته ليس سوى كابوس.

لم تستطع رؤية أي شئ، فالظلام لا يزال يملأ المكان، لكن صوت المؤذن يتردد.

جلست على السرير، تضع يدها على صدرها الذي يدق بعنف، تذكرت كل شيء دفعة واحدة. 

 الغرفة، الصفعات، التمزيق، الانتهاك... ثم عودتها إلى البيت وتظاهرها بالنوم عندما سمعت صوت مجئ أبيها وشقيقيها، تعجز من النظر في عيونهم، تشعر أنها هي الملوثة، هي التي اقترفت ذنب عظيم، وكأنها الجاني وليست المجني عليها. 


انفجرت في البكاء بهدوء حتى لا يسمعها أحد، وبعد أن بدأت تهدأ مسحت دموعها بكمها، ثم نهضت متجهة إلى الحمام.

اغتسلت وأخذت تحك جسدها بتقزز، لتزيل أثر لمساته من عليها، وبعد أن انتهت من الاغتسال، ارتدت إسدال الصلاة، عادت إلي غرفتها لتؤدي فرض الفجر.

بعد السلام ظلت ساجدة طويلًا، وهي تبكي في سجودها بهدوء، همست بصوت مكسور مختنق بالدموع:

– يا رب... أنا مش عارفة أعمل إيه، أنا اتظلمت يا رب... أنا خايفة أوي... سامحني إن كنت أنا اللي غلطانة... ولو مش غلطانة، يا رب أنت حسبي ووكيلي... أستغفرك يا الله... أستغفرك وأتوب أليك... يارب  مش قادرة استحمل... يارب. 

ظلت تتضرع وتستغفر وتبكي. 


                         ❈-❈-❈


و في مكان آخر، في قصر الشاذلي... 

لم يأته النوم ليلتها، وكأن الهموم قد عقدت معه عهد على أن لا تفارقه. 

 دارت في رأسه كلمات ابنة عمه كالسيوف الحادة، ودموعها التي رآها تترقرق في عينيها كأنها تحاكمه من بعيد، تساءل في قرارة نفسه، أهو ظالمها بما يفعله بها، أم أنه يحميها ويحمي نفسه كما يُخيل إليه؟!

 لو كان يحبها حقًا لمنحها فرصة أخيرة يبدآن بها صفحة جديدة، لكن قلبه لم يعد ملك يديه، ففؤاده معلَّق في مكان آخر، ومصيره مجهول يلوح في الأفق كالسراب. 

 تمنى لو يأتي الصباح سريعًا، ويأتيه جسار بكل ما يعرفه عنها، اسمها، ومن هي في الواقع.

وكأن حارسه الشخصي كان يقرأ أفكاره من بعيد، أرسل إليه رسالة... استقبلها صفوان متعجبًا من سرعة إنجاز الرجل في جلب المعلومات عن التي سلبت لبه وأرقته.

فتح الرسالة وقرأ ما تحتويه

«تخيل يا باشا، طلعت بنت عم عمرو السواق، وإحنا دايخين عليها بقالنا سنة»

ومرفق بالرسالة ملف، ففتحه على الفور وعيناه تلمعان وهو يقرأ اسمها

 «نور عيسى المنياوي»... العمر سبع وعشرون عامًا... تخرجت من المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة... تقطن في حي الشرابية... تعمل في صيدلية تقع بالقرب من سكنها...

أخذ يقرأ عن أسرتها وعائلتها، وكان اسم عمرو ضمنها. 

توقفت عيناه فجأة عند اسم «مؤمن عبد الحق»، ليس لصلة القرابة فحسب، بل لصلة الترابط بينهما، لاسيما تلك الجملة القاسية

«ابن خالها وخطيبها، وتم عقد قرانهم من سبع سنين»

شعر بحشرجة ضارية تعتصر حلقه وهو يقرأ الجملة للمرة الثالثة، نهض مسرعًا وفتح الثلاجة الصغيرة، أخرج زجاجة مياه معدنية، شرب منها رشفات متتالية حتى هدأ السعال وتلك الحشرجة التي كادت تخنقه.

استقبل رسالة أخرى، وكانت ملف خاص بمؤمن، قرأه سريعًا.

«مؤمن عبدالحق... ثلاثون عامًا... درس في المعهد الفني الصناعي لمدة عام واحد ولم يكمل دراسته... يعمل في مركز صيانة سيارات...

مرر صفوان المعلومات التي لا تهمه حتي ألتقطت عينيه معلومة مهمة للغاية، يبدو أن جسار قد أتمَّ مهمته على أكمل وجه. 

قرأ المعلومة مرة أخرى فارتسمت علي ثغره ابتسامة المنتصر في ساحة الحرب، حيث وجد غايته على طبق من ذهب، و التي ستمكنه من إمتلاك نور! 


                          ❈-❈-❈


اجتمعت عائلة الشاذلي حول مائدة الإفطار، كما اعتادوا في كل صباح. 

جلس صفوان على رأس المائدة كالعادة، وضعت الخادمة أمامه فنجان قهوته السوداء، وكان واضحًا على وجهه آثار السهر الطويل وعدم النوم. 

بينما شقيقه يتناول طعامه وعيناه تراقب الجميع مراقبة دقيقة، ثم سأله بابتسامة ساخرة:

– واضح إنك رجعت متأخر امبارح لدرجة معرفتش تنام، هو الفرح كان حلو أوي كده؟


ارتشف الأخر القليل من القهوة بهدوء، ثم أجاب بصوت هادئ مُتعب:

– مش متأخر ولا حاجة، أنا بس مجاليش نوم وعندي ميعاد مهم لازم أروح الشركة.


ارتشف مرة أخرى من فنجانه، ثم أردف يسأله:

– كلمت فايا زي ما قولتلك؟


فتدخلت أسما وسألت زوجها:

– مالها فايا؟


فأجاب صفوان:

– هتبدأ تدريب الشهرين دول قبل ما تستلم الشغل في الشركة، وبما إن تخصصها في القسم اللي ماسكه هشام، فوصيته عليها.


وقبل أن يتحدث هشام، ظهرت فايا أمامه، قادمه نحوهم، تتثاءب بصوت خافت، ثم ألقت عليهم تحية الصباح:

–good morning. 


فعلقت شقيقتها بمزاح:

–واضح إنها هتبدأ تدريب وبكل نشاط.


ضحك هشام وقال متعمدًا إثارة حنق شقيقة زوجته:

– خدي بالك يا فايا، الشركة مش زي المدرسة أو الجامعة، يعني مفيش أروح ولا أرجع منها على كيفي، ليها مواعيد حضور وإنصراف وبجهاز بصمة ماشي علي الكل. 


رمقته الأخرى بنظرة حادة، وتذكرت تعليماته وتنبيهاته السابقة عن العمل تحت إدارته في الشركة، لكن سخريته منها وتذكيره الدائم بأنها ما زالت طفلة أزعجها كثيرًا، فتعمدت تجاهله تمامًا وسألت شقيقتها:

– فين داري؟


أجابت الأخرى بغير دراية بما حدث في الليلة السابقة، لكن والدتها لم تجهل ما فعلته ابنتها من خروج دون علم أحد، فقالت بتهكم واضح:

– الهانم أختك المحترمة بعد ما أسما طلعت من عندها وروحت على أوضتها، غفلتنا وخرجت من ورانا، اتصلت عليها مش بترد، لحد ما لاقيتها راجعة مع صفوان بعد نص الليل، شكلها كانت سهرانة كالعادة وهو راح جابها.


رمقتها ابنتها بعتاب صامت على حديثها عن شقيقتها الكبرى أمام الجميع والخدم الذين يتنقلون في أرجاء القصر، بينما قالت لشقيق زوجها باعتذار:

– معلش يا أبيه، دارين بتمر بحالة نفسية صعبة شوية.


عقب زوجها بتهكم ضاري:

– وهو كل اللي بيمر بحالة نفسية يروح النايت يشرب ويسكر؟!


رمقته أسما بامتعاض واضح:

– قصدك إيه يا هشام؟


– قصدي إن أختك زودتها أوي، ولا عاملة حساب للعيلة ولا اللي عايشة معاهم ولا حتى لمكانة طليقها اللي كل شوية يروح يجيبها من على البار، والله اعلم مين بيبقي قاعد معاها هناك. 


ساد صمت ثقيل على المائدة بعد كلماته، كأن الهواء نفسه تجمد في صدور الجالسين. 

 توقفت الملاعق لحظة فوق الأطباق، وتبادلت العيون نظرات حذرة، رفعت أسما حاجبيها بحدة، وحذرته بغضب:

– هشام… اللي بتتكلم عنها دي تبقي أختي الكبيرة، ياريت ما تدخلش عشان مانزعلش من بعض. 


عقبت والدتها والتي يبدو فاض بها الكيل من ابنتها الكبري: 

– جوزك عنده حق، مش بيفتري عليها و لا بيقول حاجة من عنده. 


بينما هشام لم يتراجع، بل مال قليلًا إلى الخلف في مقعده، واضعًا ذراعه فوق ظهر كرسي أسما، قائلًا ببرود مستفز:

– و اللي بيغلط يستحمل نتيجة غلطه لوحده، مش يخلي غيره يشلها معاه! 


ارتسم الضيق على وجه فايا، وشدت شفتيها وهي تنظر إليه بنفور، بينما ظل صفوان صامتًا لحظة، يحدق في فنجان قهوته، ضرب المائدة بقبضته فاهتز كل شئ عليها، نظر إلي شقيقه وأمره بصوت يبدو هادئ ظاهريًا لكنه حاسم:

– هشام... كفاية. 


كانت جملته قصيرة، لكنها خرجت بنبرة جعلت الجميع يلتفت إليه، فابتسم شقيقه ابتسامة جانبية ساخرة:

– هو أنا قولت حاجة غلط؟


ظل شقيقه يرمقه بالنظرة التي تحمل ذلك الهدوء الخطير الذي يسبق العاصفة.

– قولت كفاية. 


جز الأخر علي فكه، فكم يكره توبيخ شقيقه له حتي لو بنظرة، امسك بمحرمة ورقية، مسح يديه ونهض: 

– أنا ماشي. 


ورمق فايا التي أدركت من نظرته أن تتبعه! 


                           ❈-❈-❈


ذهب إلي الخارج، فنهضت الأخرى تلحق به مناديه: 

– أبيه، استني. 


ألتفت إليها وفتح لها باب سيارته، فقالت له وتعطيه مفتاح سيارته القديمة: 

– أنا كنت بنادي عليك عشان أقولك شكراً مش عايزة.... 


– اركبي. 

أمرها ودفعها لداخل السيارة و كأنه لم تقل له شيئًا ثم صفق الباب، بينما هي انتابتها حالة من الذهول، تتبعته ببصرها وهو يجلس جوارها خلف عجلة القيادة. 

وقبل أن ينطلق ألتفت نحوها ليغلق لها حزام الأمان، و بأفعاله المفاجئة تلك جعلتها تعود بالذاكرة إلي سنوات مضت.... 

فلاش باك...

انتهي يومها الدراسي داخل مدرستها اللغات الدولية، فقد بلغت السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية، وفي الفناء يهرع الفتيان والفتيات نحو الحافلة المدرسية الخاصة وسط ضحكات وصيحات مرحة، بينما هي فقلبها يخفق بقوة اليوم، حيث تنتظر شيئًا واحد في هذا اليوم المميز. 


قبل أن تطأ قدماها درج الحافلة، رن هاتفها فجأة، نظرت إلى الشاشة، فارتجف قلبها الصغير  واندفع الدم إلى وجنتيها. كان اسمه يلمع أمام عينيها، لم تكن تريد تهنئة من أحد، ولا حفل صاخب، ولا حتى كلمة من أقرب الناس إليها؛ كل ما أرادته هو سماع صوته هو فقط.


 ابتعدت قليلاً عن الضوضاء، وقفت في مكان هادئ، رفعت الهاتف إلى أذنها والفرحة ترقص في عينيها، والسعادة تُضيء ملامحها البريئة.


–ألو؟، هشام؟

جاءها صوته الدافئ، ممزوج بضحكة خفيفة أذابت قلبها:

–فايو حبيبتي، فينك كده؟ وبتعملي إيه؟


ردت بصوتها الناعم الذي يسحر كل من يسمعه:

–رايحة أركب باص المدرسة، مروحين.


فجأة نادتها صاحبتها من بعيد بصوت عال:

–فايا؟، يا فايا؟، يلا الباص هيتحرك. 


لوحت لها الأخرى بيدها بسرعة، مشيرة إلى أنها قادمة لاحقاً، وسمعت في الوقت ذاته صوت هشام يقول لها بهدوء حازم:

–ما تطلعيش الباص، تعالي على البوابة.


سألته بتعجب:

–ليه؟


صمتت برهة وعقلها يفكر في تفسير السبب، فأضاف هشام:

–تعالي عند البوابة وأنتي هتعرفي.


فأجابته بطاعة معتادة:

–أوك.


تحركت نحو البوابة، فأوقفتها صاحبتها أمامها تسأل بدهشة:

–رايحة فين؟ الباص من هنا يا زهايمر!


لكن الأخرى لم تكد تسمعها، فقد كانت مستمرة في المكالمة، تتبع تعليماته كما اعتادت دائمًا، وبمجرد أن خرجت من البوابة الرئيسية، توقفت فجأة كأن قدميها غرزتا في الأرض. 

وقفت مشدوهة لثوان، لا تصدق عينيها، 

ترى هشام واقفًا أمامها، و علي ثغره ابتسامة ساحرة من وراء نظارته الشمسية الداكنة، وقد وضع يديه الاثنتين خلف ظهره، صاحت بفرحة لم تستطع كبحها:

–هشام!


ركضت نحوه بلهفة شديدة، وقد خفق قلبها خفقان عنيف، وعندما وقفت أمامه سألته: 

–إيه ده؟ أنت رجعت إمتى من سويسرا؟


كانت تتمنى في قرارة نفسها أن يعانقها كما اعتاد أن يفعل كلما عاد من سفر بعيد، لكنه اكتفى هذه المرة بمد يده للسلام. انتفضت من الصدمة والحرج، لكنه أظهر عدم اكتراث بما فعل، وقال بهدوء:

–لسه جاي من المطار، خليت السواق ياخد الشنط ويروح على القصر، وخليت حد من الجارد يجيبلي العربية وجيت لك... قولت أعملك مفاجأة، بما إنه يوم مميز.


في لحظة واحدة قد نست رد فعله البارد، فانفرجت أساريرها بابتسامة عريضة مليئة بالسعادة الصافية، قالت له بصوت يهيم عشقًا:

–أحلى مفاجأة حصلتلي في عيد ميلادي.


حاوط ظهرها بذراعه من الأعلي بلطف:

–تعالي عشان أجيبلك هديتك قبل ما نروح، ملحقتش أشتري حاجة قبل ما أجيلك غير بس علبة الشوكولاتة اللي أنتي بتحبيها.


ذهبت معه إلى السيارة الفارهة المتوقفة قرب البوابة، فتح لها الباب الأمامي بلباقة:

–اتفضلي.


خلعت حقيبة ظهرها، فأخذها منها وألقاها على المقعد الخلفي، بينما هي جلست في الكرسي الأمامي، وهو دار حول السيارة ثم جلس في مقعد القيادة. 

وقبل أن يحرك السيارة، رآها تكافح مع حزام الأمان، غير قادرة على إغلاقه، مال بجذعه نحوها، وأمسك الحزام بيده، فانتفضت  من شدة الخجل والتوتر. اقترب وجهه من وجهها حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح بشرتها الناعمة، قائلاً بصوت خافت مازحًا:

–برضه لسه ما بتعرفيش تقفلي الحزام!، عشان لسه طفلة.


ألقى الكلمة الأخيرة بمزاح واضح، فصاحت بوجه عابس رافض:

–أنا مش طفلة يا أبيه!


انفجر ضاحكًا، وقال لها:

–طالما قولتي أبيه يبقى لسه طفلة.


زمت شفتيها بضيق:

–أنا متعودة أقولك أبيه زي ما بنادي أبيه صفوان، وبصراحة لما ماما بتسمعني وأنا بندهلك باسمك كده من غير أي ألقاب، بتقعد تديني محاضرة في الذوق والإتيكيت.


وضع يده على يدها بلطف، ورمقها بنظرة عميقة جعلت قلبها يدق حتى كاد يخرج من بين ضلوعها، قال لها بصوت عذب دافئ:

–ناديني باللي أنتي تحبيه بيني وبينك، لكن في القصر قدامهم قوليلي أبيه، اتفقنا؟


أومأت له بخجل شديد، وهي تشعر بحرارة يده التي لا تزال تمسك بيدها.

وما زاد الأمر وجعل قلبها يقع في سابع أرض، عندما رفع يدها بلطف وطبع قبلة خفيفة في راحة كفها، فارتجفت  خلايا جسدها، رفع عينيه إليها بابتسامة ماكرة، وترك يدها ليضع ذراعه خلف كتفيها من جديد، ثم حرك عجلة القيادة بيده الأخرى، منطلقًا بالسيارة في هدوء.


                          ❈-❈-❈


يمكث في غرفته الضيقة التي يغرقها الظلام إلا من ضوء خافت يتسلل من فتحات النافذة. 

 يمسك هاتفه بقوة حتى كادت أصابعه تتحطم، وعيناه تحترقان من الغضب والألم والعجز، كيف فعل ذلك؟!... كيف فعل بها ما اقترفه دون رحمة؟!

كان عقله يدور في حلقة مفرغة من الجنون، كلما تذكر ما حدث في الأمس، وكيف جعل ابنة عمته وزوجته كالوردة المذبوحة، يشتعل دمه. 

حاول أن يكتب لها رسالة، فتح الدردشة التي بينهما، وأصابعه ترتجف على الحروف:

«نور يا حبيبتي، أنا آسف...» 

قام بمسحها

«يا نور، أنا عارف إني ما استاهلش حبك و...» 

مسحها مرة أخرى

«والله ما كنت أعرف إن الدنيا هتوصل بينا لكده...» 

مسحها بغضب للمرة الثالثة، كل كلمة تبدو ناقصة، كل اعتذار يبدو تافهًا أمام ما حدث. أخيرًا أطلق زفرة طويلة حارة مليئة بالضيق والغيظ، ثم أغلق الهاتف بعنف وألقاه على السرير، فارتطم بالحائط قبل أن يهوي على الفراش.

وفجأة... طرق خفيف على باب الغرفة، صاح مؤمن بغضب مكتوم:

– أنا قولتلك مش هافطر يا ماه!، مش طافح!


جاء صوت والدته من خلف الباب بحزن يحمل أثر دموع علي وشك الإنهمار:

– يا بني، بخبط عشان أقولك في واحد بره بيسأل عليك وعايزك ضروري.


صاح مرة أخرى، وهو لا يزال مغلقًا على نفسه:

– قوليله نايم، مش عايز أشوف حد. 


ردت أمه بهمس يشوبه الحزن:

– يا بني افتح... شكله جاي من طرف مهم أوي، بيقول إنه تبع البيه اللي بيشتغل جوز أختك عنده سواق.


انتبه فجأة لكلام والدته، رفع رأسه بسرعة، وشعر بتوتر جديد يسري في جسده، ارتدى قميصه القطني ذا نصف الأكمام، وفتح الباب و

، خرج إلى الصالة.

وقف أمامه رجل قوي البنية، لكنه يبدو أنيقًا بطريقة لافتة. سأله مؤمن مباشرة:

–أؤمر يا نجم.


أجاب الرجل بحزم واضح، وكأنه ينقل أمرًا لا يقبل النقاش:

– الباشا مستنيك في مكتبه، وطلب مني أجيلك آخدك لحد هناك وأرجعك تاني. 


حك الأخر ذقنه بحيرة واضحة، وتجهم وجهه:

– ماتعرفش هو عايزني في إيه؟


رفع الرجل كتفيه بعدم معرفة، وأجاب بهدوء:

– علمي علمك يا أستاذ مؤمن.


تنهد مؤمن بعمق، ثم قال بصوت ثقيل:

– اديني عشر دقايق هاجهز وجاي معاك.


– تمام، وأنا هنزل أستناك تحت، بس ياريت ماتتأخرش.


                            ❈-❈-❈    

  

عودة إلي الوقت الحالي... 

انتبهت إنه توقف لدي محطة بنزين، فقال لها: 

– أنا نازل أجيب حاجة من السوبر ماركت عقبال ما يفولو العربية، خليكي مكانك. 


هبط من السيارة، جذبت بصرها تلك الدمية المعلقة، لحظات وانتبهت علي الجهة الأخرى من الطريق، ذاك المركز التجاري ليذكرها بمشاهد متتابعة، ظنت أنها دفنتها منذ سنوات! 


فلاش باك.... 

توقف أمام أحد المراكز التجارية الفاخرة المعروفة بمتاجر الماركات العالمية الشهيرة، سألته وهي تقرأ اسم المركز بفضول:

–إحنا وقفنا هنا ليه؟


أجابها بهدوء:

–استني هنا، أنا نازل أجيب حاجة وراجعلك على طول ومتتحركيش من العربية.


أومأت له بطاعة لا جدال فيها، كما اعتادت أن تطيعه دائمًا، أو بالأحرى كما جعلها تعتاد ذلك!

 انتظرته أكثر من ربع ساعة، تتأمل هذه الدمية المعلقة أسفل المرآة الأمامية، دمية علي شكل رجل وأمرأة في وضع عناق جعلهما كالجسد الواحد.

و ها هي انتبهت إليه عندما عاد يحمل في يده علبة كبيرة أنيقة، فتح باب السيارة وجلس، مد إليها العلبة بابتسامة عريضة قائلاً:

–كل سنة وأنتي أجمل طفلة. 


–طفلة!

رددتها بصوت ممتلئ بالحنق، وبرغم لهفتها الشديدة لمعرفة ما بداخل العلبة الكبيرة، إلا أن الكلمة التي يكررها لها بمزاح دائم كانت تثير غضبها كل مرة. أشاحت بوجهها نحو الجهة الأخرى بعناد واضح، وعقدت ذراعيها أمام صدرها في حركة تعبر عن امتعاضها الشديد.


ابتسم في سره، ثم قام بوضع العلبة على المقعد الخلفي بهدوء، اقترب منها حتى غمرها دفء قربه، وأمسك ذقنها بلطف حازم بأصابعه، موجهًا وجهها نحوه حتى اضطرت إلى النظر إليه، سألها بصوته العذب الرجولي ذي النبرة الهادئة الدافئة التي تذيب فؤادها:

–أنتي زعلتي بجد؟


بصرت إليه بعينين ممتلئتين بالضيق، وقالت بصوت واضح:

–أه، زعلت منك، لأن أنا مش طفلة.


ابتسم لها واخبرها بمزاح ناعم:

–بهزر معاكي، يعني بذمتك في طفلة كلها أنوثة وزي القمر كده؟


تغضن وجهها بدماء الخجل الوردية التي صعدت فجأة إلى خديها، فأصبحت وجنتاها كالورد اليانع، لكنها تذكرت في تلك اللحظة أكبر همّها وحزنها الدائم، فبصرت إليه بعينين ممتلئتين بالحزن، وقالت بصوت منكسر:

–قمر إزاي وزمايلي علي طول بينادوني بـ freckled girl (فتاة النمش)! 


عقد ما بين حاجبيه، فنظر لها بجدية قائلًا بصوتٍ حازم يحمل غضب خفي:

–زمايلك دول أغبيا وما بيفهموش حاجة، أنتي زي القمر، والنمش اللي أنتي متضايقة منه أنا شايفه جمال مميز.


بصرت إليه مبتسمة بخجل وأمل، سألته بصوت ناعم:

–بجد ولا بتجاملني؟


حاوط وجهها بكفيه بلطف ودفء، 

حدق صوب عينيها بنظرة عميقة جعلتها تاهت تمامًا في زرقاويتيه ليخبرها:

–أنا مش بجاملك، فعلاً شايفك حلوة أوي، والنمش في وشك  أنا بشوفه زي العسل المنقط، وكل ما أتأمل فيه ببقى عايز...


صمت للحظة وكأنه يتردد من فعل ما هو مقبل عليه، ثم أردف بأمر حازم:

–غمضي عينيكي.


اغمضت عينيها، والتوتر يداهمها، خاصة حين شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها، وإذا بها تجمدت كالتمثال حين شعرت بشفتيه تلامسان خدها، ثم بدأ يطبع قبلات خفيفة ناعمة على أنحاء وجهها. 

هيهات وكادت شفتاه تصلان إلى موطن كلماتها، فتحت عينيها مذعورة وابتعدت قليلاً، فاعتدلت في جلستها.


بصرت إليه بخوف مختلط بالخجل، بينما هو فقد نظر إليها بهدوء تام، لكنه كان يخفي وراء عينيه نظرة وعيد صامت، نظرة تقول إنه سيجعلها هي التي تتمنى قربه، وتطوق أن يقبلها ويفعل ما يحلو له معها.


انطلق بالسيارة دون أن ينطق بكلمة واحدة، وهي ظلت صامتة، وقلبها يدق بعنف.


عودة إلي الوقت الحالي... 


                          ❈-❈-❈


عندما وصل إلى المبنى الضخم الذي يضم شركة آل الشاذلي، صعد إلى الطابق الأعلى. ما إن فتح الباب الخشبي الثقيل حتى وجد نفسه أمام مكتب فخم واسع، يفوح منه رائحة الخشب النبيل والجلد الفاخر.

  بينما صفوان الشاذلي واقفًا خلف مكتبه، يرتدي بدلة أنيقة داكنة، وقد بدا في غاية الهيبة والأناقة، ابتسم له بهدوء ومد يده بثقة:

– أهلاً وسهلاً يا مؤمن، اتفضل، اتفضل.


ثم أشار إلى علبة السيجار الفاخرة الموضوعة على الطاولة الجانبية وقال بلباقة:

– تتفضل سيجار؟


شعر الأخر بحرج واضح، فاعتذر بأدب:

– لا يا باشا، شكرًا. 


جلس على الكرسي المقابل للمكتب، ثم رفع عينيه إلى صفوان وسأل بلباقة لا تخلو من حذر:

– خير يا باشا؟، حضرتك بعت لي واحد من رجالتك جابني لحد هنا. 


ابتسم الأخر له ومال بجسده قليلاً إلى الأمام، يخبره بصوته الأجش الهادئ الذي يحمل سلطة وهيبة:

– خير طبعًا، أنا من غير لف ودوران هاجيبلك من الآخر، عشان كل دقيقة بتضيع من وقتنا ليها تمن، لذلك هاختصر عليك الحوار كله وأقولك على طول، أنا عايز أعقد معاك صفقة.


تعجب مؤمن واعتلت الدهشة ملامحه، ارتفع حاجباه غير مصدق، ثم ردد:

– صفقة؟!، وأنا اللي زيي يا باشا، حيلته إيه عشان يعقد صفقة مع حضرتك؟، أنا أسمع إن رجال الأعمال صفقاتهم بتبقى بالمليارات أو بملايين من الورق الأخضر، و أنا علي الله حكايتي. 


لم يعلق الأخر، بل مد يده بهدوء إلى درج مكتبه، فأخرج دفتر شيكات فاخرًا أسود اللون، وضعه أمام مؤمن على سطح المكتب اللامع، ثم وضع بجانبه قلم ذهبي أنيق:

– اكتب الرقم اللي بتحلم بيه يكون معاك.


ازداد ذهوله ودهشته، ولم يستطع عقله أن يستوعب ما يجري أمامه، نظر إلى دفتر الشيكات ثم إلى صفوان مرات متتالية، قبل أن يقول بارتياب واضح:

– لا مؤاخذة يا باشا، مش مترجم الحوار يعني... مش فاهم أي حاجة... حضرتك بتقولي صفقة، ومطلعلي دفتر الشيكات، وتقولي اكتب الرقم اللي بحلم بيه!


لم يعد سيادة النائب قادرًا على الصبر أكثر من ذلك، فاستقام في جلسته، ونظر إلى الأخر بنظرة مباشرة وثاقبة، ثم قال بدون أي مقدمات أو تلميحات:

– تاخد كام وتطلق نور؟


يتبع... 

اعتذر عن تأخير النشر 

جمعة طيبة و مباركة عليكم جميعاً🌹🌹

          الفصل السادس من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا  

تعليقات