رواية اسيرة الغريم الفصل السادس 6 بقلم ولاء رفعت
#الفصل_السادس
#أسيرة_الغريم
#ولاء_رفعت
– خير يا باشا؟، حضرتك بعت لي واحد من رجالتك جابني لحد هنا.
ابتسم الأخر له ومال بجسده قليلاً إلى الأمام، يخبره بصوته الأجش الهادئ الذي يحمل سلطة وهيبة:
– خير طبعًا، أنا من غير لف ودوران هاجيبلك من الآخر، عشان كل دقيقة بتضيع من وقتنا ليها تمن، لذلك هاختصر عليك الحوار كله وأقولك على طول، أنا عايز أعقد معاك صفقة.
تعجب مؤمن واعتلت الدهشة ملامحه، ارتفع حاجباه غير مصدق، ثم ردد:
– صفقة؟!، وأنا اللي زيي يا باشا، حيلته إيه عشان يعقد صفقة مع حضرتك؟، أنا أسمع إن رجال الأعمال صفقاتهم بتبقى بالمليارات أو بملايين من الورق الأخضر، و أنا علي الله حكايتي.
لم يعلق الأخر، بل مد يده بهدوء إلى درج مكتبه، فأخرج دفتر شيكات فاخرًا أسود اللون، وضعه أمام مؤمن على سطح المكتب اللامع، ثم وضع بجانبه قلم ذهبي أنيق:
– اكتب الرقم اللي بتحلم بيه يكون معاك.
ازداد ذهوله ودهشته، ولم يستطع عقله أن يستوعب ما يجري أمامه، نظر إلى دفتر الشيكات ثم إلى صفوان مرات متتالية، قبل أن يقول بارتياب واضح:
– لا مؤاخذة يا باشا، مش مترجم الحوار يعني... مش فاهم أي حاجة... حضرتك بتقولي صفقة، ومطلعلي دفتر الشيكات، وتقولي اكتب الرقم اللي بحلم بيه!
لم يعد سيادة النائب قادرًا على الصبر أكثر من ذلك، فاستقام في جلسته، ونظر إلى الأخر بنظرة مباشرة وثاقبة، ثم قال بدون أي مقدمات أو تلميحات:
– تاخد كام وتطلق نور؟
رمقه مؤمن بنظرة تنضح بالذهول، وقد انعقدت ملامحه على مزيج من الدهشة والسخرية، كأن الكلمات التي سمعها لتوه لم تبلغ أذنيه على الحقيقة، بل مرت به مرور الطيف.
حدق في وجه الأخر لحظة طويلة، ثم مال برأسه قليلًا، ورفع طرف إصبعه الخنصر إلى أذنه، يحركه فيها بحركة متعمدة ساخرة، كأنه يُسلكها ليستوثق من أن سمعه لم يخذله.
وكانت تلك الحركة وحدها كافية لتعلن استحالة ما ظن أنه سمعه.
ثم قال بنبرة مستهجنة، وقد عقد حاجبيه:
— أطلق مين يا باشا؟!، مش فاهم!
ارتسمت على شفتي صفوان ابتسامة جانبية خفيفة، رفع بها زاوية فمه في هدوء مريب؛ هدوء من يتحدث عن أمر عادي للغاية، كأنه يطالبه بالتخلي عن سيارته أو عن أحد متعلقاته التافهة، لا عن خطيبته أو زوجته!!
فقال بصوت وادع لا يخلو من البرود:
— تطلق بنت عمتك… زي ما أنت ناوي تطلق هناء اللي متجوزها عرفي كده.
ثم غمز له بعينه غمزة بطيئة، ورمقه بنظرة ذات مغزى، نظرة صريحة تخبره دون مواربة أنّه يعلم كل شيء.
عند تلك اللحظة، اعتدل الأخر في جلسته فجأة، واستند بظهره إلى المقعد، ثم أطلق ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة إنكار واضحة:
— واضح إن حضرتك ملغبط في معلوماتك، أنا معرفش واحدة اسمها هناء أصلاً، ابقى بلغ اللي دور ورايا يتأكد من معلوماته كويس.
ظل سيادة النائب يحدق فيه لحظة صامتة، يتأمل ملامحه بحثًا عن أثر للصدق، ثم استند بمرفقيه على سطح المكتب، وشبك أصابعه أمامه، واخبره بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
— لنفترض إنك متعرفش هناء… طيب وأبوها؟، المعلم عنتر الملواني.
توقف قليلًا، ثم أردف ببطء مقصود:
— من كبار تجار المخدرات في شبرا… واللي أنت كنت واحد من رجالته، لحد ما اتكل على الله في حادثة وهو بيهرب من الحكومة، بعد ما استلم شحنة مخدرات كان هياخد فيها إعدام.
ساد الصمت لحظة ثقيلة في الغرفة،
نهض من خلف مكتبه في هدوء، واتجه نحو الصندوق الخشبي وأخرج منه سيجار، ثم وضعها بين شفتيه، بينما الآخر يجز على أسنانه في غيظ مكتوم، فابتسم صفوان بثقة وأشعل سيجاره، ثم نفث أول سحابة دخان ببطء، قبل أن يردف بنبرة أقرب إلى الحكي العابر:
— وبعد ما مات عنتر… جوز بنته كمل المسيرة، بس كان ذكي وحويط.
تحرك قليلًا حول المكتب، يتابع حديثه:
— أول حاجة عملها إنه طردك، وطرد كل صبيان عنتر، وبعدها راح اتجوز على بنته.
توقف لحظة، ثم أكمل وهو يراقب أثر كلماته على وجه مؤمن:
— والبنت طبعًا ما سكتتش… اتطلقت منه بعد ما خدت حقوقها وورثها.
اقترب قليلًا، ثم أردف بنبرة ساخرة:
— وكانت محتاجة راجل يقف في ضهرها ويحميها… فمالقتش غيرك أنت يا مؤمن.
ثم نفث دخان سيجاره ببطء متعمد، وأردف بابتسامة لاذعة:
— وأنت بقى… في الحنية والإخلاص ما شاء الله.
مال قليلًا إلى الأمام، وأكمل:
— وفي المقابل، هي بتديلك الكيف بتاعك ببلاش… وفلوس كمان.
هز رأسه كمن يتذكر معلومة هامة، وقال ببرود:
— بس هي، عشان اتغدر بيها قبل كده… كانت أذكى منك، كتبت عليك وصولات أمانة وشيكات اللي لاويه بيهم دراعك لحد دلوقتي.
أطلق الآخر زفرة طويلة، ثم تنهد بضجر بدا متعمدًا، يحرص على أن يُظهر لخصمه مقدار لا مبالاته، متكلفًا هذا البرود تكلفًا؛ ليخفي خلفه ما كان يتسلل إلى صدره من توتر وقلق خفيَّين جراء ذلك التهديد المبطن الذي انساب بين كلمات النائب مثل السم القاتل.
لذا اخبره بنبرة حاول أن يجعلها عادية، وهو يميل قليلًا إلى الأمام أيضاً:
— بعيد عن تقرير المخابرات اللي حضرتك لسه قايله… ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
رفع الأخر سيجاره إلى شفتيه، وسحب منه نفس عميق، ثم أطلق زفرة دخان كثيفة تسللت في هواء المكتب، وقال بفتور هادئ:
— اتفضل.
رمقه مؤمن بنظرة مباشرة، ثم قال بلهجة لا تخلو من التحدي:
— حضرتك شوفت نور فين؟… وإيه اللي يخلي باشا زي سيادتك عينه تبقى من واحدة مكتوب كتابها من سبع سنين، وفرحها بعد أسبوع؟!
استقبل صفوان السؤال بابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه ببطء، ثم أجاب ببرود مستفز، يلقي كلمات قليلة لا وزن لها:
— سؤال منطقي… بس إجابته ما تخصكش.
في تلك اللحظة، نهض الأخر دفعة واحدة، كأن الغضب اشتعل في صدره فجأة، فاهتز المقعد خلفه، وصدح صوته في أرجاء المكتب بحدة لم يحاول إخفاءها:
— ما تخصنيش إزاي يا باشا؟!، هو حضرتك عايزني لا مؤاخذة أسيبلك ساعتي ولا موبايلي؟!، أنت بتطلب طلب لو قولته لأصغر عيل عندنا في الحارة كان زمانه رد عليك بكلمة أبيحة.
— مؤمن!
انفجر اسمه من فم سسيادة النائب كهدير غاضب، فارتج صدى صوته في الغرفة مما جعل الآخر يصمت للحظة.
ثم أردف بصوت صارم، وهو يشير إليه إشارة بأمر حاسم:
— اقعد مكانك… واتكلم عدل.
زفر الأخر بنفاد صبر واضح، وألقى بنفسه في المقعد من جديد، ثم مرر يده على وجهه بضيق:
— بص يا باشا… هاجيبلك من الآخر، أنا وبنت عمتي بنحب بعض من زمان، ومش أنا الراجل اللي يطلق مراته عشان واحد عينه منها، حتى لو كان أبو حنان البرتقاني بتاع أمر*يكا بنفسه اللي واقف زيك و بيهددني.
لوّح بيده في الهواء باندفاع وهو يتابع:
— ده أنا أزعله، وأجيب ناس تزعله… ولا يهمني، وبالنسبة لجو التهديد وتاريخ حياتي اللي حضرتك رصيتهولي من شوية… أيوه، كنت شغال في الزفت وبطلت، تقدر تقول توبت.
توقف لحظة، ثم اردف بنبرة أكثر صلابة:
— إنما علاقتي ببنت المعلم دي تخصني أنا، ومفيش حاجة في القانون تمنع الواحد يتجوز على مراته، وأنا راجل حر… والحر ما يقبلش حد يجيب سيرة أهل بيته على لسانه، حتى لو هاتديني مليارات.
ثم تابع وهو يجز على أسنانه:
— واحمد ربنا إني قاعد معاك باحترامي… وماسك نفسي عنك بالعافية.
استمع الأخر إلى حديثه بإنصات كامل، وعيناه ثابتتان عليه في نظرة غامضة لا تبشر بخير، وقد التقط مؤمن مغزى تلك النظرة، لاسيما عندما سأله النائب أخيرًا بصوت هادئ حد البرود:
— خلصت كلامك؟
نهض من مقعده مرة أخرى، وقال وهو يهمّ بالمغادرة:
— خلص الكلام يا باشا.
هز الأخر رأسه ببطء، وأشار بيده نحو باب المكتب في حركة مقتضبة:
— اتفضل… مع السلامة.
اتسعت عينا قليلًا في دهشة؛ إذ كان يتوقع ردّ فعل مختلف تمامًا من النائب، ردّ يليق بحدة المواجهة التي دارت بينهما قبل لحظات.
غير أنّه لم يُطل التفكير، فاستدار وغادر المكتب بالفعل، مسرعًا قبل أن ينفلت زمام غضبه ويصبّه كاملًا فوق رأس هذا النائب.
بينما صفوان ظل جالسًا مكانه، ينظر في أثره بوجه متجهم كالصخر.
مرت لحظة قصيرة من الصمت الثقيل،
مدّ يده إلى هاتفه الموضوع على المكتب، والتقطه ليجرى اتصالًا، لم تمضِ ثوان حتى أتاه صوت جسار من الطرف الآخر:
– أمرك يا باشا.
عندها تفوه بكلمة واحدة، أمر لا رجعة فيه:
— نفذ.
❈-❈-❈
منذ أن وطئت اقدامهما مقر الشركة، افترقا قليلًا عند مدخلها الواسع.
جلست فايا في بهو الاستقبال تنتظره، تحيط بها حركة الموظفين وهم يروحون ويجيئون في انتظام رتيب، بينما كانت هي شاردة الفكر، تتأمل الأرضية اللامعة حينًا، وتراقب عقارب الساعة حينًا آخر.
لم يطل انتظارها كثيرًا، فقد عاد إليها هشام بعد دقائق، يتقدم بخطواتٍ هادئة، يحمل في يده حقيبة أنيقة تحمل شعار أحد أشهر متاجر الحلوى الفاخرة.
توقف أمامها، ومد الحقيبة نحوها:
— كنت بجيبلك حاجة بمناسبة أول يوم تدريب وشغل ليكي في الشركة…اتفضلي.
رفعت عينيها إلى الحقيبة بدهش واضحة، واتسعت ابتسامتها دون أن تشعر، وانفرجت أساريرها وهي تقول بلهجة صادقة خرجت عفوية قبل أن تتمكن من كبحها:
— الله! دي الشوكليت اللي كنت بتجبهالي من سويسرا.
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى أدركت ما قالته للتو، توقفت لحظة، كأنها تعثرت في لفظها، ثم أسرعت تصحح عبارتها وهي تضيف بتردد:
— قصدي… اللي كنت بتجيبها لنا.
لكنه لم يترك تلك الزلة تمر مرور عابر،
ظهرت علي شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها شيئًا من الدهاء، اخبرها وزرقاويتيه ترمقها بنظرة عميقة:
— أنا كنت بجيبها ليكي إنتي وبس.
رفعت عينيها إليه، ورمقته بنظرة حادة تحمل تحذير صامت، كأنها تخبره دون كلمات ألا يمد يده إلى دفاتر الماضي، ولا يوقظ ما طوته الأيام.
سكنت الكلمات بينهما، وبقيت النظرات وحدها تتبادل الرسائل الخفية.
ظل كليهما لحظة صامتين يتبادلان النظر، حتى قطع ذلك الصمت بإشارة بسيطة من يده:
— تعالي معايا.
نهضت وسارت معه عبر الممر الواسع، حتى بلغا أمام المصاعد.
توقف أمام أحد الأبواب المعدنية، ومد يده ليضغط زر الاستدعاء، وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى وجود مصعدين متجاورين؛ أحدهما واسع المساحة، والآخر أصغر حجمًا بكثير وهو المصعد الذي يقفان أمامه.
ابتلعت ريقها في توتر خفي، ثم التفتت إليه:
— أنا هاركب الأسانسير التاني… ما بحبش الأماكن الضيقة.
رمقها بصمت لثوان معدودة، نظرة هادئة لكنها عميقة، كأنه يقرأ ما يدور في رأسها حرف حرف.
فاخبرها بهدوء:
— الأسانسير التاني خاص بالموظفين… لكن ده خاص بينا إحنا.
وأشار بيده إلى المصعد الأصغر، وفي تلك اللحظة انفتح بابه المعدني بصوت خفيف.
مد يده نحو الباب، وأمسكه مفتوحًا لها، ثم قال بإشارة مهذبة:
— اتفضلي.
ترددت قليلًا، ضغطت بأصابعها على حبل حقيبة الشوكولاتة حتى كادت تعتصره بين يديها، وكأنها تبحث في داخلها عن مخرج من هذا الموقف.
لكن قبل أن تنطق باعتراض جديد، وجدته يضع يده برفق على عضدها ويدفعها إلى داخل المصعد.
اقترب منها في المساحة الضيقة اقترابًا أربكه، فانتفض جسدها قليلًا، وتحركت خطوة إلى الجانب مبتعدة عنه، بينما مد يده بهدوء وضغط زر الطابق المقصود.
كان قريبًا منها أكثر مما ينبغي… وقربه، وعطره الذي تعرفه جيدًا، تسللا إلى ذاكرتها كريح تحمل عبق الماضي.
وفجأة… عاد ذلك اليوم ينهض في ذاكرتها من جديد، اليوم الذي ظنت أنها دفنته في أعماق النسيان، فإذا به يعود الآن واضح التفاصيل، متتابع المشاهد، كأنه فيلم قديم يُعرض أمام عينيها من جديد… مشهد بعد مشهد.
فلاش باك....
حين توقفت السيارة أمام بوابة القصر ، وما إن ترجل هشام من السيارة حتى استقبله رجال الأمن والحراسة بتحيةٍ يغلفها احترام بالغ، انحنى أحدهم قليلًا وهو يقول بأدب:
— حمد لله على السلامة ياهشام بيه.
أومأ الأخر برأسه إيماءة مقتضبة، بينما كانت فايا تقف إلى جواره، وما إن دخلا إلى بهو القصر الواسع حتى ظهرت والدتها في البهو، كانت تنتظره منذ لحظة وصوله.
غير أن ملامحها لم تخف دهشة واضحة حين رأت ابنتها الصغيرة تقف إلى جواره.
لكنها سرعان ما تداركت دهشتها، ورحبت به بصوت امتزج فيه الترحيب بالمفاجأة:
— الحمد لله على السلامة يا هشام.
اقترب الأخر منها ومد يده يمسك يد زوجة عمه بلطف يفيض احترامًا، ثم انحنى قليلًا وقبّل ظاهر يدها بلباقة، يقول بابتسامة مهذبة:
— الله يسلمك يا ناهد هانم.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، ملؤها الودّ والحنان، وقالت وهي تنظر إليه بإعجاب صادق:
— طول عمرك چنتل مان يا هشام.
ابتسم بدوره، ثم اخبرها بلهجة مرحة:
— وحضرتك طول عمرك أشيك وأحلى واحدة في عيلة الشاذلي.
ضحكت ضحكة خفيفة وسألته، ترفع حاجبها بمزاح:
— اعتبرها مدح… ولا مجاملة؟
ابتسم بمكر لطيف، أجاب و يلوّح بيده كأنه يستدرك:
— الاتنين… بهزر طبعًا، حقيقي ومن غير مجاملة، طول عمرك ليدي زي القمر وشيك جداً.
تألقت عيناها بلمعة سرور خافتة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة امتنان لحديثه الرقيق، لم تُطِل التعقيب، لكنها قالت له بسرعة عملية:
— أنا خليتهم يجهزوا لك أوضتك.
أومأ برأسه شاكرًا، ثم سألها وهو يلتفت حوله قليلًا:
— أومال فين دارين وأسما؟… وطبعًا صفوان في الشركة؟
أجابته وهي ترتب خصلات شعرها خلف أذنها:
— دارين وأسما خرجوا من بدري بيشتروا حاجات بمناسبة حفلة عيد ميلاد فايا، وصفوان قال هيرجع من الشركة على عيد الميلاد، اطلع أنت ارتاح من السفر.
هز رأسه موافقًا وقال باقتضاب:
— تمام.
وخلال ذلك كله، كانت فايا تقف إلى جواره في صمت تام، عينها لا تفارقه، ونظرتها معلقة به بلهفة طفولية صادقة، تنتظر منه التفاتة صغيرة، نظرة عابرة، أي إشارة تدل على أنه لاحظ وجودها… أو أنه لم يغضب منها بعد.
لكنه لم يفعل، بل ظلّ يتجاهل وجودها تمامًا، كأنها غير موجودة في المكان.
استدار بعد لحظة واتجه نحو الدرج الرخامي المؤدي إلى الطابق العلوي، وصعد درجاته بخطوات ثابتة دون أن يلتفت إليها حتى.
في تلك اللحظة، شعرت بضيق حاد ينقبض في صدرها، كأن شيئًا ثقيل يوضع فوق قلبها فجأة.
ترددت لثوان… ثم اندفعت تصعد خلفه على عجل، لكن ما إن بلغ الطابق العلوي حتى اتجه مباشرة إلى غرفته، وفتح الباب ودخل.
وقفت أمام الباب، تنظر إليه بعينين متوسلتين، تنتظر منه إشارة صغيرة تسمح لها بالدخول.
غير أنه لم يمنحها حتى تلك الفرصة،
فقد أغلق الباب في وجهها بصفعة حادة.
تجمدت في مكانها لحظات، وقفت أمام الباب الصامت، تحدق فيه كأنها لا تصدق ما حدث.
فجأة… انفجرت في البكاء، فركضت مبتعدة في الممر الطويل، حتى دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ارتمت على سريرها وهي تبكي بحرقة موجعة.
كانت شهقاتها تتلاحق، ودموعها تنساب بلا توقف، بينما أخذت تلوم نفسها بقسوة لا ترحم، بأنها هي من أوصلته إلى تلك الحالة.
ولم تستطع أن تحتمل الفكرة، فكرة أن يكون يشعر بالضيق أو الحزن بسببها… حتى لو كان ذلك للحظة واحدة.
عودة إلى الوقت الحاضر......
انتفضت من شرودها حين اخترق صوته سكون أفكارها، يقول بنبرة عادية وكأن شيئًا لم يكن:
— إحنا وصلنا… واقفة عندك ليه؟
رفعت رأسها فجأة، وكأنها عادت من رحلة بعيدة داخل ذاكرتها، ثم تحركت سريعًا وخرجت من المصعد، تلحق به بخطوات مترددة.
الممر فسيح، تغمره إضاءة بيضاء ناصعة تنعكس على الأرضية الرخامية اللامعة. أخذت تتلفت حولها، تتأمل المكان بعينين متسائلتين، كأنها تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها منذ اللحظة الأولى.
تقدم نحوها بخطوات واثقة حتى توقف أمام غرفة ذات جدران زجاجية شفافة، يظهر ما بداخلها بوضوح في الداخل من مكتب أنيق تجلس خلفه فتاة شابة ذات جمال لافت؛ ترتدي قميص أبيض بلا أكمام وبنطال أسود أنيق، وقد انسدل شعرها بعناية فوق كتفيها.
ما إن رأته حتى نهضت على الفور، واستقبلته بابتسامة مشرقة:
— صباح الخير يا هشام بيه.
رد عليها بنبرة هادئة:
— صباح النور… اعرفك يا شذى بالباشمهندسة فايا الشاذلي.
مدت يدها إلى فايا بابتسامة لبقة، وقالت وهي ترحب بها:
— أهلاً وسهلاً بيكي… الشركة نورت.
رمقتها الأخرى بنظرة فاحصة، تمر بعينيها على ملامحها وأناقتها مرور سريع ثم أومأت برأسها بشبه ابتسامة مقتضبة وقالت باختصار:
— Thanks.
فتح هشام باب المكتب المجاور، ثم أشار بيده إليها قائلًا:
— اتفضلي يا فايا.
دخلت إلى الغرفة، وكاد يلحق بها، غير أن مساعدته استوقفته على عجل:
— هشام بيه… عايزة أبلغك بحاجة ضروري.
التفت إليها وقد ارتسم على وجهه شيء من التجهم، اخبرها بنظرة تحذيرية:
— بعدين يا شذى.
لكنها لم تتراجع، اقتربت منه خطوة، وخفضت صوتها قليلًا وهي تقول بإصرار واضح:
— ما أنا كل ما أتصل عليك بلاقي موبايلك مقفول… وكل ما أجي أكلمك هنا تقولي بعدين.
زفر بضيق، قائلًا بنبرة حادة:
— يعني مش قادرة تصبري شوية كمان؟!
ابتسمت بسخرية تخبره:
— ما تقلقش… مش هأخر حضرتك على سيادة الباشمهندسة.
جز على أسنانه في ضيق واضح، ثم أوضح لها بصرامة:
— الباشمهندسة تبقى بنت عمي… وأخت المدام، بلاش دماغك تروح لبعيد.
رفعت كتفيها بلا مبالاة:
— وأنا مالي بيها أنا عايزة أتكلم معاك.
بدت ملامحه متوترة، وانتفخت أوداجه من إلحاحها الذي بدأ يثير حنقه، فأمرها علي مضض:
— اتفضلي روحي استنيني فوق… وأنا جاي وراكي.
ثم استدار ودخل المكتب حيث تقف فايا، وقال لها بهدوء سريع:
— هاروح أشوف حاجة وراجع لك على طول، كلمي الأوفيس بوي من التليفون اللي على المكتب، يجيب لك حاجة تشربيها لحد ما أجي لك.
أومأت برأسها قائلة:
— حاضر.
تركها وغادر الغرفة، بينما وقفت لحظ في مكانها، تنظر إلى الباب الذي خرج منه.
ثم اتجهت نحو المكتب بخطوات هادئة وجلست أمامه.
وبينما كانت عيناها تتجولان في تفاصيل المكان، انتبهت إلى إطار إلكتروني صغير موضوع أعلى المكتب، يعرض صور متتابعة على شاشة مضيئة.
مالت قليلًا تتأمل الصور…تتبدل صورة تلو الأخرى أمام عينيها، حتى توقفت الشاشة عند صورة تعرفها جيدًا.
صورة التُقطت في يوم عيد ميلادها...
ظهر فيها هشام وأسما في المنتصف، بينما يقف صفوان ودارين على الجانبين، ووالدتها تقف بينهم جميعًا.
ثبتت عينيها على الصورة طويلًا، فهي تعرفها جيدًا… بل وتتذكر اللحظة التي التُقطت فيها بدقة مؤلمة.
لأنها هي من التقطتها بنفسها في تلك اللحظة تحديدًا، بعدما وقع على مسامعها ما طعن فؤادها بلا رحمة.
فلاش باك...
في المساء، استعد الجميع لحفل عيد الميلاد ، ومازالت تمكث في غرفتها، فقد كانت تنظر إلى العلبة الكبيرة التي أهداها لها، والتي لم تفتح محتواها حتى الآن.
في لحظة شعرت فيها أن الوقت قد حان، مدت يدها بتردد واضح، ثم فتحت العلبة ببطء ينم عن مزيج من الشوق والخجل.
وما إن رفعت الغطاء حتى انكشف أمام ناظريها ثوب أسود أنيق للغاية، بلا أكمام، قصير، يتناثر على صدره حبات من اللؤلؤ الصغير كأنها نجوم متناثرة، يتألق ببساطة فاتنة، وكأنه صُمم خصيصًا ليحتضن جسدها ويظهر كل معالم الأنوثة به.
رفعته أمام عينيها، ولم تطق صبرًا حتى ارتدته لتراه عليها، وما إن وقفت أمام المرآة حتى شهقت بخجل عميق، إذ كشف الثوب عن الكثير من جسدها بسخاء غير مألوف.
حيث طوله يصل إلى منتصف فخذيها تمامًا، فيُبرز قوامها اليافع بكل جرأة رقيقة، لم ترَ أمامها الطفلة التي أتمت اليوم الخامسة عشرة من عمرها، بل فتاة شابة يافعة، ناضجة في جمالها، وليست تلك الطفلة التي يذكرها بها الجميع كل حين وآخر.
أمسكت بالهاتف لتتصل به وتشكره، ولكن كما توقعت، لم يرد.
يعاقبها بالخصام والتجاهل، كما يفعل بها كل مرة، يعذبها بالابتعاد ويؤثر فيها سلبًا، يُثقل قلبها ويُشعل في صدرها لهيبًا من الألم المكبوت.
قررت أن تذهب إليه وتعتذر، رغم أنها لم تخطئ في حقه أصلًا، وبالفعل ذهبت و طرقت الباب أولًا وانتظرت أن يسمح لها بالدخول، لكن لم يأتِ رد، ترددت قليلًا ثم فتحت الباب بهدوء.
دخلت الغرفة، فاستقبلها صوت خرير الماء المنساب من الحمام يتدفق، استنتجت إنه بالداخل يستحم، اطبقت شفتيها بخجل تتخلله ابتسامة عابثة.
ألتفت خلفها فوقع بصرها على السرير، حيث كانت ملابسه المُعدة لعيد ميلادها مرتبة بعناية.
نظرت علي الجهة المقابلة للسرير، حيث طاولة الزينة المرصوص عليها متعلقاته الشخصية وزجاجات العطور الخاصة به، وخاصة ذلك العطر الذي تعشقه بجنون. ذهبت نحو الطاولة ومدت يدها، أمسكت بالزجاجة وقامت بنثر القليل منه على رسغها.
أغلقت عينيها، وأخذت تستنشق عبق عطره الذي أسر حواسها باستمتاع عميق، تاركة رائحته الفواحة تتسلل إلى أعماقها، فتملأ روحها قبل قلبها.
جلست على طرف السرير، أمسكت بالوسادة الصغيرة التي يغفو عليها، تمددت بجذعها علي ظهرها، تحتضن الوسادة وتعانقها بحميمية شديدة، كأنها تحتضنه هو.
فجأة، شعرت بالوسادة تُخطف من بين ذراعيها بخفة سريعة، وإذا بصوته يرن على مقربة شديدة منها، دافئًا ومتهكم في آن واحد:
–بتحضني المخدة ليه وأنا موجود؟
في لحظة مفاجئة، شهقت الأخرى بفزع شديد وفتحت عينيها على عجل، لتجده يدنو منها ويستند على طرف السرير بيديه القويتين، أغلقت عينيها مرة أخرى بسرعة مذعورة حين رأته لا يرتدي سوى منشفة قطنية كبيرة ملفوفة حول خصره فقط، يكشف عن صدره العاري وقوامه الرجولي.
ابتسم بمكر وظل يتأملها في صمت عميق وهي ترتدي ذلك الثوب الأسود الذي تعمد شراءه خصيصًا لها، وكم تمنى أن يراها فيه.
وها هي الآن أمامه، وقد بدت أجمل بكثير مما تخيل، فالثوب يحتضن جسدها اليافع بكل أنوثة، ويُبرز جمالها بطريقة أخاذة لم يكن يتوقعها.
فاق من تأمله فيها على صوتها ترجوه:
–ممكن تبعد عني يا أبيه، عايزة أقوم.
ضحك بمكر قائلًا:
–أبيه مين بس!، أنتي خليتي فيها أبيه!
فتحت عينيها وبصرت إليه، وهي متوترة جدًا من قربه الشديد منها، وتشعر بالخجل أكثر مما ينبغي.
استلذ رؤيتها وهي كالعصفورة الرقيقة بين فكي الأسد، سألها بدهاء واضح:
–مين قالك تدخلي أوضتي؟
ابتلعت ريقها، وبصرت إليه بخوف وخجل شديدين، ثم قالت:
–أنا جيت عشان أقولك، أنا آسفة.
–انتي إيه؟
–آسفة.
–آسفة على إيه؟
كان سؤاله الخبيث يحمل أبعادًا أخرى لم يترجمها عقلها المراهق بعد، فأجابت ببراءة طفلة مراهقة:
–آسفة على اللي حصل في العربية.
اقترب منها أكثر والوضع كان أخطر مما ينبغي، سألها بهدوء مدروس:
–وإيه اللي حصل في العربية؟
ابتلعت ريقها مرة أخرى، ونظرت إليه بخجل، واكتفت بالتحديق إليه دون حديث.
تفتح شفتيها وحين لا تجد إجابة تستطيع قولها تغلق فمها، حتى باغتها بسؤاله الذي يلقيه عليها كل حين وآخر:
–بتحبيني يا فايا؟
تغضن وجهها بدماء الخجل، فأومأت له برأسها وهمهمت بالإيجاب، فسألها بدهاء أكبر:
–طب واللي بيحب حد مش المفروض بيثق فيه؟
تفوهت ببراءة:
–آه.
–وانتي بتثقي فيَّ؟
–آه.
–أومال بعدتي عني ليه في العربية؟
بصرت إليه كالتائهة، حتى استجمعت قوتها وأخبرته:
–عشان عيب وما ينفعش.
–عيب وما ينفعش لو أنا واحد غريب، لكن أنا ابن عمك وحبيبك، ولا أنتي حبك ليا مجرد كلام وبس!
شعرت أنها على حافة الانهيار من هذا الوضع الذي يحاصرها به وأسئلته المتتالية، حتى استطاعت أن تخبره بصوت متهدج:
–أنا... بحبك، بس إحنا مش متجوزين عشان تبو...
توقفت عن الحديث من فرط الخجل، فتنهد وقال:
–طيب ما آخرة الحب جواز.
بصرت إليه، ولكي تتأكد مما فهمته سألته:
–نتجوز؟
–آه، نتجوز، بس لما تخلصي حتى الثانوية وتكوني في سن الجواز.
–بس ماما مش هتوافق.
تفوهت بتلقائية، فسألها:
–عشان فرق السن اللي بيني وبينك؟، ما عمي الله يرحمه كان أكبر من طنط ناهد بـ15 سنة، تقريبًا قريب من فرق العمر اللي ما بينا أنا وأنتي.
–برضه مش ده السبب الوحيد، لسه فيه...
أسكتها بوضع طرف سبابته بلطف على شفتيها، وقال بهدوء حازم:
–بلاش تفكري في حاجة سابقة أوانها، وكل اللي عايزه منك دلوقتي تركزي في دراستك على قد ما تقدري، والأهم من كده تكوني واثقة فيَّ مهما حصل، فهماني؟
في تلك اللحظة الحاسمة، أومأت له برأسها موافقة، فانبثقت على شفتيه ابتسامة عريضة مليئة بالسعادة والانتشاء.
كم عاش هذه اللحظة في خياله مرارًا، وكم تمنى أن يذوق طعمها في الواقع وقد حانت الفرصة الآن له.
ارتفع عنها قليلاً ليتأمل هيئتها المثيرة وهي تتمدد أسفله، يستمتع بتأثيره الواضح عليها، فيُسكرها أولاً بكلماته المعسولة الدافئة:
–الفستان جامد أوي عليكي، كده مش هقدر أقولك يا طفلة تاني، لأن شايف قدامي برنسيس، ملكة جمال تخطف عيون كل اللي يشوفها.
ابتسمت بخجل... وكأنها تذكرت أمرًا فجأة، فاخبرته:
–ماما لو شافتني بالدريس اللي أنا لابساه هتزعقلي، أنا جيت عشان أصالحك، وأفرجك علي هديتك، بس مش هاينفع أنزل بيه.
–محدش يقدر يزعلك وأنا موجود.
ظهر علي ثغرها ابتسامة خطفت قلبه، فكاد يفقد السيطرة على نفسه بالكاد.
سألته بصوت خافت:
–وأنت لسه زعلان مني؟
اقترب منها أكثر حتى لم يفصل بينهما سوى مسافة ضئيلة تكفي لعبور أنفاسهما المتسارعة، ثم أخبرها بهدوء مفعم بالعاطفة:
–هزعل بجد، لو مخلتنيش أقولك كل سنة وأنتي طيبة بطريقتي.
قبضت يديها بقوة على الفراش، لكنه أمسك بهما معًا ورفعهما فوق رأسها، هبط بشفتيه على شفتيها، يقبلها بنعومة بالغة، بينما يده الأخرى تلمس ساقها بلطف، تصعد وتهبط في لمسات دافئة.
أفلتت يدها فجأة من قبضته، وأزاحت يده الأخرى عن ساقها، فباغتها بعضة خفيفة على شفتها السفلى، فتأوهت بألم. وكأن هذا الفعل أيقظها من غفلتها قبل فوات الأوان، دفعته بقوة عنها، فارتمى جوارها على السرير.
نهضت سريعًا، ابتعدت عنه، ووقفت بالقرب من الباب، رأته يعتدل جالسًا يرمقها بنظرة ألمتها أكثر مما فعلته عضته بشفتيها.
قالت له بصوت مرتجف:
–أنا بحبك، وواثقة فيك، لكن مش هاينفع اللي بتعمله ده غير لما نتجوز، غير كده لاء، مش عايزاك تزعل مني.
جز على أسنانه، ونظر إليها بغضب واضح، ثم أشار خلفها وقال بنبرة حادة:
–شايفة الباب اللي وراكي، افتحيه واطلعي بره، وما تدخليش هنا تاني.
اتسعت عيناها بصدمة عنيفة جعلتها غير مصدقة لما يقوله لها، وبصوت ونبرة أجفلتها، ولأول مرة تراه في تلك الحالة. اقتربت خطوة واحدة وقالت بتوسل:
–هشام ممكن تفهمني أنا...
–أنتي مابتفهميش؟!، بقولك اطلعي بره.
هدر بصوت غليظ جعلها تنتفض بخوف شديد، فتحت الباب في الحال وفرت من أمامه راكضة حتى وصلت إلى داخل غرفتها، وارتمت على السرير تبكي بحرقة.
وبعد قليل…
ارتفع صوت الغناء الجماعي الدافئ في أرجاء غرفة المائدة:
— هابي بيرث داي تو يو… هابي بيرث داي تو يو… هابي بيرث داي تو يو فايا… هابي بيرث داي تو يو.
كان الغناء صادر من شقيقتيها ووالدتها، وقد امتزجت أصواتهن في لحن واحد دافئ، بينما اكتفى صفوان بالوقوف جانبًا، يراقب المشهد في هدوء، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرحة لا تخلو من الوقار.
بينما هي فكانت تقف بينهم بعد أن ابدلت ثوبها الأسود العاري إلى آخر أكثر احتشامًا، لكن ملامحها لم تحمل شيئًا من الفرح الذي يفترض أن يزين ليلة عيد ميلادها.
تقف بينهم بجسدها فقط… أما روحها فكانت بعيدة، شاردة في ألم لم يبرأ بعد.
لم تعبأ بما يفعلونه لإسعادها، ولم ينجح الغناء ولا الشموع ولا الهدايا في أن ينتزع من قلبها شعور واحد بالبهجة.
فهذا اليوم، بالنسبة إليها، لم يكن عيد ميلاد… بل كان أسوأ ذكرى عيد ميلاد في حياتها.
يكفيه مرارة أن هشام تعمد ألا يحضر ليشاركها الاحتفال، بل ويكفيها ما فعله بها حين طردها من غرفته شر طردة، وصفق الباب في وجهها دون رحمة.
قطع شرودها صوت دارين المرح:
— يلا يا فايا… طفي الشمع.
انتبهت إليها أخيرًا، ثم انحنت قليلًا نحو الكعكة، وأطفأت الشموع بزفرة واحدة، كأنها تطفئ معها ما تبقى من حرارة في صدرها.
اقتربت شقيقتها الكبرى، وعانقتها بحنان واضح، ثم قالت بصوت دافئ:
— كل سنة وأنتي طيبة يا صغنن.
وأعطتها صندوق هدايا صغير، تناولته فايا منها وعلى شفتيها شبه ابتسامة خافتة:
— ميرسي يا داري.
ثم اقتربت منها أسما بابتسامة رقيقة:
— كل سنة وأنتي أحلى وأجمل بنوتة.
وقدمت لها حقيبة هدايا كبيرة أنيقة، أخذتها الأخرى كما فعلت مع شقيقتها الأخرى، وقالت بهدوء:
— ميرسي يا أسما.
عندها قالت والدتها بنبرة حانية ظاهريًا، لا تخلو من ذلك الجفاء الخفي الذي اعتادت فايا أن تشعر به في كلماتها:
— هديتي بقى هتلاقيني حطاها لك في أوضتك.
وفي تلك اللحظة، تقدم صفوان بخطوات هادئة ومد يده إليها وهو يقدم هديته:
— اتفضلي يا فايا… يارب تعجبك.
ناولها علبة مربعة مغلفة بالمخمل الأسود الفاخر، فتحتها بفضول، وما إن وقع بصرها على ما بداخلها حتى اتسعت عيناها بدهشة صادقة، وانفرج فمها قليلًا.
فقد كان بداخل العلبة عقد من الألماس، دقيق التصميم، رقيق المظهر، يليق بعمرها تمامًا، يلمع ببريق ناعم.
قالت بفرحة طفولية صادقة:
— واو! … حلو أوي يا أبيه، ميرسي أوي.
ابتسمت والدتها بفخر واضح، وقالت وهي تنظر إلى زوج ابنتها:
— طول عمرك يا صفوان ذوقك شيك جدًا وراقي في الهدايا.
أجابها بابتسامة مهذبة:
— تسلمي يا ناهد هانم.
ثم أضاف، وقد تغيرت نبرة صوته قليلًا، يمهد لأمر جاد:
— وبالمناسبة السعيدة دي… حابب أتكلم معاكم في موضوع مش محتاج لرسميات، لأننا عيلة واحدة… وهنفضل دايمًا كده على طول.
التفتت إليه جميع الأنظار باهتمام، جميعهن ما عدا فايا.
ففي تلك اللحظة تحديدًا، انتبهت فجأة إلى قدوم هشام، حضر بهدوء، لكن حضوره كان كافيًا ليجذب انتباهها فورًا.
غير أنّه تجاهلها تمامًا، مر بجانبها وكأنها غير موجودة أصلًا.
بينما قالت ناهد بفضول واضح:
— أدينا كلنا موجودين… خير؟
أجاب صفوان بهدوء محسوب:
— خير إن شاء الله… بما إن أسما خلاص خلصت دراستها، فأنا شايف إن الوقت مناسب إني أطلب إيدها من حضرتك لهشام.
في تلك اللحظة… اتسعت عينان فايا بصدمة قاتلة، شعرت وكأن شيئًا بارد يخترق صدرها ببطء.
كأن روحها تُسحب من جسدها رويدًا رويدًا، تشعر بألم لم يحتمل.
بل وازداد حين سمعت صوت هشام، هادئ و متزن كأنه يتحدث في أمر عادي للغاية، وهو يسأل شقيقتها:
— قولتي إيه يا أسما، تتجوزيني علي سنة الله ورسوله؟
بينما أسما، وقبل أن تنطق بكلمة، فقد التقت عيناها بعيني والدتها التي رمقتها
بنظرة حازمة كافية لتكشف أن هذا الأمر لم يكن مفاجأة.
بل تمت مناقشته من قبل وتم الاتفاق عليه مسبقًا، وفايا وحدها هي التي لم تكن تعلم شيئًا عما يحدث حولها.
خفضت أسما رأسها قليلًا، وقد بدا الخجل واضح على ملامحها، فاجابت بصوت خافت:
— موافقة.
❈-❈-❈
انطلق مؤمن بسيارته في الطرقات شبه الخالية، ضغط على دواسة الوقود بعنف واضح، فانطلقت السيارة بسرعة جنونية، كأنها تهرب من شيء يطارده في داخله لا في الطريق أمامه.
كان الغضب يتأجج في صدره كلما عادت إلى ذاكرته كلمات سيادة النائب؛ ذلك الصوت المتغطرس الذي حمل تهديدًا مبطن، بل فاضح لا لبس فيه.
هدده بكشف ماضيه… ذلك الماضي الذي حاول طمسه بكل ما أوتي من قوة.
هدده بفضح عمله القديم، وبعلاقته القديمة بابنة تاجر المخدرات… تلك المرأة التي تكبره بإحدى عشرة سنوات كاملة.
قبض على المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وارتسم على فكه شد قاس، تمتم من بين أسنانه بغيظ مكتوم:
– فاكر نفسه مين يعني؟!
وكأن الفكرة نفسها أشعلت المزيد من الغضب في صدره، مد يده فجأة إلى هاتفه المحمول، فتح معرض الصور، وراح يمر بينها بسرعة حتى توقفت أنامله عند صورة بعينها، صورة تجمعه هو ونور.
تجمدت أنفاسه لحظة....كانت تبتسم في الصورة بتلك البراءة التي تشبه نور الصباح؛ رأسها مائل قليلًا نحوه، وعيناها تلمعان بالحياة.
ظل يتأملها طويلًا، حتى خف ضغط قدمه على دواسة الوقود دون أن يشعر، فاصبحت سرعة السيارة تبطئ شيئًا فشيئًا حتي توقفت على جانب الطريق.
ساد الصمت داخل المقصورة، ولم يبق إلا ضوء الهاتف ينعكس على ملامحه المتجهمة.
مازال ينظر إلى الصورة، وسؤال واحد يتردد في رأسه، يشعل فيه غيرة جارفة، وهو كيف؟!، كيف سولت نفس هذا الصفوان بأن يتجرأ وينظر إلي زوجته!
اشتعلت عيناه بنار حادة، وصاح وهو يضغط الهاتف بين أصابعه:
– ده كمان عايزني أطلقها؟!
انفلتت ضحكة ساخرة من بين شفتيه، لكنها كانت أقرب إلى زمجرةٍ غاضبة:
– هو مين أصلاً علشان يجبرني على حاجة زي دي؟!
ورغم ذلك لم يكن صادقًا تمامًا مع نفسه،
ففي أعماق صدره، في تلك الزاوية التي يحاول دائمًا إنكارها، كان هناك شيء آخر، يراوده كلا من القلق والخوف.
نعم، تهديدات ذلك الرجل لم تمر عليه مرور الكرام، لقد دقت في قلبه ناقوس خطر حقيقي.
لكن كرامته وكبرياؤه ونخوته التي تربّى عليها، كل ذلك وقف سدًّا منيعًا في وجه هذا الخوف.
رفع الهاتف أخيرًا، وضغط على اسم نور،
وضعه على أذنه، ينتظر، مر رنين…ثم آخر ولا إجابة.
أغمض عينيه لحظة بضيق، حاول مرة أخرى، الرنين يتكرر والصمت هو الرد الوحيد، فهي منذ الأمس، تتجاهل كل اتصال منه.
زفر زفرة حادة، امتلأت بالضجر ونفاد الصبر، أنزل الهاتف عن أذنه بعنف وكاد يلقيه على المقعد المجاور في لحظة تهور، لكن الهاتف اهتزّ فجأة بين يديه.
اتصال وارد، نظر إلى الشاشة فانقبضت ملامحه فورًا، الاسم الظاهر أمامه كان «نوءه»
أطلق سبة بذيئة بين أسنانه، ثم لمس علامة الرفض بحدة.
– ناقصك انتي كمان دلوقتي!
لم تمضِ سوى ثوان قليلة…حتى رن الهاتف مرة أخرى، الاسم نفسه.
رفض الاتصال مجددًا، هذه المرة بعصبية أكبر، لكنها عادت واتصلت… مرة ثالثة.
اتسعت عيناه بغيظ واضح، وضرب المقود بقبضته، وفي النهاية لمس علامة الإجابة أخيرًا.
رفع الهاتف إلى أذنه، وقال بحدة لا تخلو من غضب:
– نعم؟! عايزة إيه؟!
لكن الصوت الذي جاءه عبر الخط لم يكن كما توقع، صوتها واهيًا، متعب للغاية:
– ألحقني يا مؤمن… أنا… أنا بموت.
ثم انقطع الاتصال، نظر إلى الشاشة في ذهول لحظة، ثم ضغط علي الاتصال بها فورًا.
رنّ الهاتف، مرة… مرتين… لكنها لم ترد.
شعور بارد تسلل إلى صدره فجأة والصمت كان سيد الموقف.
قبض على المقود بقوة، وقد بدأ القلق يتحول إلى توتر حاد.
تمتم وهو يدير المحرك بعجلة:
– ليكون جرالها حاجة؟!، عشان تبقي كملت النهارده.
ضغط على دواسة الوقود بعنف جديد، فانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة خاطفة.
❈-❈-❈
و في الحارة، كانت غرفة نور ما تزال تمكث داخلها،
جلست جوار النافذة، جسدها منكمش كأنما تحتمي بنفسها من شيء يطاردها من الداخل، تحدّق في شاشة هاتفها بجمودٍ غريب، حيث يلمع إشعار مكالمة لم تُرد عليها من مؤمن.
ظلت عيناها معلقتين بذلك الاسم…
كأن النظر إليه وحده يثقل صدرها أكثر.
قطعت الصمت فجأة صديقتها نجلاء، التي تراقبها منذ دقائق بقلق واضح. سألتها بنبرة يغلبها الضيق:
— برضه مش هاتقولي مالك فيكي إيه؟
لم تجب الأخرى، ظلت صامتة، وعيناها ما تزالان معلقتين بشاشة الهاتف، تنهدت صديقتها بقلق، ثم نهضت من الكرسي الخشبي الذي كانت تجلس عليه، وتقدمت نحوها.
جلست إلى جوارها، ومدت يدها تمسك بطرف ذقنها برفق، لترفع وجهها قليلًا وتجبرها على النظر إليها.
ما إن التقت أعينهما…وحتى رأت في عيني نور شيئًا أفزعها، حزن ثقيل،
حزن يشبه انكسار لا يداويه الزمن!
اتسعت عيناها وسألتها بصوت خافت امتزج فيه الخوف بالارتباك:
— انتي امبارح سيبتيني وروحتي لمؤمن، ومن وقتها ما شوفتكيش… اتخانقتي معاه؟
رمقتها الأخرى بنظرة غارقة في الدموع، التي ظلت حبيسة مقلتيها كأنها تخشى الانفلات.
لكن السؤال كان أثقل من أن يُترك بلا جواب، ماذا ستقول لها؟، وكيف ستخبرها؟!
تشعر أن الكلمات نفسها تخونها، وفي صدرها صرخة تريد أن تنفجر، وشكوى تتلهف للخروج… لكن أي جدوى للشكوى؟،
ما حدث قد حدث بالفعل والزمن لا يعود إلى الوراء.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت أن تجمع ما تبقى من قواها الواهنة، بدت على ملامحها مقاومة يائسة لنوبة بكاء كانت تتصاعد في صدرها.
لكن مقاومتها لم تدم طويلًا، خارت قواها أخيرًا… اخبرتها باقتضاب متكسر، كأن الكلمات تُنتزع من بين ضلوعها:
— مؤمن… اغتـ…
توقفت لحظة، واختنق صوتها، ثم قالت أخيرًا بصوت مبحوح مرتجف:
— مؤمن... اغتصبني.
وفي اللحظة نفسها انهارت، انفجرت في بكاء مرير، وارتمت بين ذراعي صديقتها كطفلة ضائعة.
بينما نجلاء، فقد بقيت للحظة مشدوهة، كأن الجملة لم تصل إلى وعيها بعد. ترددت الكلمات في أذنيها، ثقيلة صادمة، حتى كادت ترفض تصديقها.
لكن انهيار صديقتها بين ذراعيها جعل الحقيقة أكثر قسوة من أن تُنكر، جذبتها إليها بقوة، وأخذت تربت على كتفها محاولة تهدئتها، وهي تقول بصوت يغلبه الحزن والتوتر:
— اهدي يا حبيبتي… اهدي بس وفهميني.
ثم أردفت بذهول لا يخلو من غضب:
— عمل كده ليه وإزاي؟!، إنتم خلاص كلها أسبوع وهتتجوزوا… مستعجل على إيه المتخلف ده؟!
حاولت الأخرى أن تلتقط أنفاسها وسط شهقاتها المتلاحقة، رفعت رأسها قليلًا، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، اخبرتها بصوت متقطع بين البكاء:
— امبارح لما سيبتك وروحتله… فهمني إنه محضرلي مفاجأة في شقتنا، وعايز يورهالي.
ابتلعت ريقها، وأكملت بصعوبة:
— طبعًا رفضت في الأول… بس هو فضل يتحايل عليّا.
تنهدت بمرارة، ثم تابعت:
— وفي الآخر طلعت معاه… واديته الأمان، قولت أهو في الأول وفي الآخر جوزي.
ارتجف صوتها أكثر وهي تضيف:
— مكنتش عارفة إنه مبيت النية... قاومته، لكن…
لم تستطع إكمال الجملة، اجتاحتها نوبة بكاء جديدة أكثر عنف من سابقتها، انحنت قليلًا وهي تبكي بحرقة، وكأن الذكرى نفسها تمزقها من الداخل.
حاولت صديقتها احتواءها، وظلت تربّت على ظهرها بحنان صامت.
وبعد لحظات، تمكنت نور من استجماع ما تبقى من صوتها، وقالت بنبرة مختنقة متكسرة:
— مد إيده عليّا… وبهدلني.
ثم أجهشت باكية وهي تتابع:
— شتمني… وسمعني كلام… وكأنه جايبني من الشارع و لا كأني بنت عمته من لحمه و دمه.
ارتعشت شفتا نجلاء، ولم تتحمل رؤية صديقتها بتلك الحالة، اغرورقت عيناها بالدموع، فانهمرت رغم محاولتها التماسك.
عانقتها بقوةٍ أكبر، كأنها تحاول أن تضمد جرح صديقتها، ظلت تربّت على ظهرها بمواساة صادقة، قالت بصوت خافت خرج من بين أسنان مطبقة، مشحون بغضب دفين:
— حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مؤمن.
وأردفت بمرارة حارقة:
— ربنا ينتقم منك يا مؤمن الكلب.
❈-❈-❈
وصل إلى الشقة أخيرًا، بعد طريق قطعه على عجل يطارده فيه القلق، خطواته متعجلة، وملامحه مشدودة كوتر أوشك أن ينقطع.
أخرج المفتاح من جيبه بيد متوترة، وأدخله في القفل على عجل، ثم أدار المقبض ودلف إلى الداخل وهو ينادي بصوت مرتفع يتردد صداه في أرجاء المكان الخالي:
— هناء؟… يا نوءه؟
ساد الصمت ولم يأته رد، أخذ يبحث عنها في كل غرفة و مكان داخل الشقة لم يجدها، وقبل أن يتسع قلقه أكثر… دوى رنين جرس الباب فجأة.
التفت نحو الباب سريعًا، ثم أسرع إليه بخطوات واسعة، وفتحه على الفور.
لكن ما إن انفرج الباب… حتى تجمد في مكانه، فقد تصدرت وجهه مجموعة من الرجال، يقفون بصلابة واضحة، يتقدمهم رجل تبدو على ملامحه الصرامة والهيبة. نظر إليه بنظرة حازمة، و سأله بصوت رسمي قاطع:
— أنت مؤمن عبدالحق؟
لم يحتج الأخر إلى وقت طويل ليفهم ما يحدث، كانت الهيئة والوقفة والنظرات… كلها كفيلة بأن تخبره أنهم قوة من الشرطة.
تقلص حلقه قليلًا، وأجاب بنبرة يشوبها التوتر:
— اه يا باشا… فيه حاجة؟
أخرج الضابط ورقة واخبره بلهجة حازمة لا تقبل جدالًا:
— معايا أمر من النيابة بتفتيش الشقة… مش دي شقتك برضه؟
توتر الأخر أكثر، وأجاب سريعًا محاولًا تبرير الأمر:
— أنا مأجرها مفروش… هو فيه إيه يا باشا بالظبط؟
لكن الضابط لم يهتم بإجابته، بل أشار بيده إلى رجاله قائلًا بأمر واضح:
— ادخلوا… فتشوا الشقة.
وفي لحظة واحدة، اندفع الرجال إلى الداخل كخلية نحل منظمة، ينتشرون في أرجاء الشقة، يفتحون الأدراج، ويفتشون الغرف، ويقلبون المكان رأسًا على عقب.
وقف مؤمن في منتصف الردهة، يتابع المشهد بعينين مضطربتين، قلبه يخفق بعنف داخل صدره، وقد بدأ إحساس ثقيل بالخطر يتسلل إلى أعماقه.
ابتلع ريقه، ثم التفت إلى الضابط وسأله بقلق واضح:
— هو ممكن أعرف… أنتم بتفتشوا الشقة ليه؟
ابتسم الأخر ابتسامة ساخرة، و رد بتهكم بارد:
— دلوقتي… هتعرف.
لم تمضِ سوى لحظات… حتى خرج أحد الرجال من غرفة النوم، يحمل في يده حقيبة متوسطة الحجم.
تقدم بها نحو الضابط، ثم فتحها أمامه قائلًا:
— لقينا دي يا فندم… في أوضة النوم.
مد الضابط يده داخل الحقيبة، وأخرج منها عدة أكياس بحجم كف اليد محكمة الإغلاق، تحتوي مسحوق أبيض ناعم.
رفع أحد الأكياس أمام عينيه يتفحصه في هدوء، بينما الأخر فقد شحب وجهه واتسعت عيناه بذهول حقيقي.
صرخ على الفور، بنبرة دفاع يائسة:
— وربنا يا باشا ما أعرف عن الشنطة دي حاجة.
وأشار إليها بعصبية وهو يقول بسرعة:
— دي بالتأكيد تبع هناء… أصلي متجوزها عرفي، وهي راسها وألف سيف أكتب عليها عند المأذون.
ثم أردف بانفعال أكبر:
— ولما أنا رفضت… انتقمت مني.
لكن الضابط لم يبدِ أدنى اهتمامٍ بتبريراته،
أغلق الحقيبة ببرود، ثم قال بلهجة قاطعة:
— ابقى قول الكلام ده في التحقيق… خدوه.
في اللحظة التالية، تقدم الرجال نحوه وأمسكوا بذراعيه بقوة، حاول أن يقاوم قليلًا، لكن القيود الحديدية أطبقت على معصميه سريعًا، قبل أن يجد نفسه يُساق نحو الخارج.
كان يتمتم بكلمات غاضبة وهو يهبط درجات السلم مكبل الذراعين، وصوته يقطر حنقًا:
— بقى كده يا هناء تلبسيني مصيبة عشان رفضت أكتب عليكي رسمي؟!،
يا بنت الـ… وربنا ما هسيبك لما أشوفك!
وصلوا به إلى أسفل المبنى، حيث سيارة الشرطة تنتظر بمحرك يعمل وأضواء خافتة.
فتح أحد الرجال الباب الخلفي، ثم دفعه إلى الداخل بقوة، بينما ظل هو يصرخ مدافعًا عن نفسه:
— وربنا ما بتاعتي، أقسم بالله ما أعرف عنها حاجة!
أُغلق الباب بعنف، وبعد لحظات انطلقت السيارة في الشارع، تتبعها سيارة أخرى تابعة للقوة.
بينما على بعد أمتار قليلة…فكانت تقف سيارة سوداء، داخلها يجلس جسار يراقب المشهد عبر الزجاج الداكن بعينين باردتين.
رفع الهاتف إلى أذنه قائلًا بثقة:
— تم يا باشا.
يتبع...
صبـ(⛅)ـُ(آٍلـٍـً(🌺)ـٍورٍدً)ـ(⛅)ـٍآٍآٍحً و صباحكم هنا وسعادة
