رواية تلميذ الجن الفصل الثلاثون 30 بقلم جمال الحفني
سألته بهدوء اتجوزتها ليه؟
الجن بص لزينب, بصة متسببش خوف, كانت أقرب لوداع متداري.
زينب قاعدة قدامي باصة في الأرض, باين عليها إنها عارفة اللي هيقوله وراضيه بيه, وهو واقف جنبها وواخد هيئة قريبة من البشر لكن الضوء حواليه كان مكسور, زي ما تكون ملامحه مش عارفه تستقر على شكل واحد, ومع ذلك كان واضح عليه جدا إنه مش عايز يبعد عنها..
قال "عشان هتموت"
الصوت خرج منه مش زي باقي الجن, نبرة الجن أنا عارفها كويس, صوته مفيهوش صدى العالم التاني, بس كان فيه وجع بشري رهيب.
مرهوب اتحرك ورا ضهري كإن الكلام مش عاجبه, حسيت بيه بيختبر المكان كإنه مش مصدق اللي بيحصل وإن اللي قدامنا دا ممكن يكون مشهد عبثي بيكسبوا بيه وقت مش أكتر.
سألته مين قال إن أجلها قرّب؟
قال القبيلة بتاعتي مبتستناش الأجل, احنا بنعرفه, ونشوفه وهو جاي في الطريق, وقبيلتي هي القبيلة الوحيدة اللي أفرادها عندهم الميزة دي, بنعرف بس لكن محدش يقدر يوقف الأجل.
جملته خبطت في صدري, معقول فيه قبيلة أو مخلوق ممكن يكون عنده الميزة دي؟
بصيت في زينب وركزت فيها وقررت افتح عيني التالته "عين البصيرة" وبدأت الاحظ اللي بيحصل حواليها, الهالة حوالين زينب كانت ضعيفة, مش مقطوعة, لكنها خفيفة زي شمعة في مراحلها الأخيرة وبتستهلك اّخر جزء من الفتيل بتاعها, الخيوط اللي بتمسك الروح بالجسد كانت ضعيفة هي كمان وبتترعش, مش ظاهر عليها فعل سحر أو مس أو أي تدخل خارجي, دي نهاية طبيعية.
بصيت لها وسألتها انتي موافقة على اللي عمله؟
قالت بدون ما تبص علي وبدون تردد هو مخدعنيش, هو قالي الحقيقة من أول ليلة ظهرلي فيها, صوتها كان واطي لكنه ثابت وعميق جدا.
بصراحة قصتهم لمست قلبي وقررت اقعد معاهم أكبر فترة ممكنة, بصيت عليه وسألته انت ظهرتلها امتى؟
سكت لحظة كإنه بيرجع يشوف المشهد قدامه وقال بعد ما رجعت من المستشفى بتلات ليالي, الدكاتره بعد الفحوصات قالولها جملة روتينية محفوظة كإنها اسطوانة عادية بيكرروها لبعض المرضى, اعملي اللي يريحك, الفترة الجاية أهم حاجه فيها نفسيتك.
الجملة دي معناها إن النهاية قربت, وهي كانت عارفة دا كويس, رجعت بيتها وقعدت في أوضتها, قفلت النور وسابت المروحة تلف في سقف ساكت, من غير عياط هستيري ولا صراخ, بس سقف أبيض وعينين باصين فيه كإنهم منتظرين منه إجابة وهو بعد صمت طويل هيجاوب.
دخلت عليها من حلم...
شفت المشهد بعيد البصيرة اللي كانت مازلت متفعلة عندي, كانت زينب قاعدة في مكان شبه بيتها بس أوسع والسما رمادي فاتح, مفيش شمس, مفيش ظل..
سمعت صوت بينادي باسمها, زينب..
مش همس, مش صدى, صوت واضح ثابت.
لفت ناحية الصوت وهو كان واقف بعيد شوية, مش متجسد بالكامل, ملامحه ضباب خفيف لكن صوته واضح أكتر من أي حاجه, قالتله أنا بحلم؟ قالها أيوه عشان لو جتلك في الحقيقة ممكن قلبك يتعب.
سألته بدون خوف انت مين؟ وكأنها مش فارق معاها طبيعة الكيان اللي بيسأل وخايف عليها طالما هو الوحيد اللي عمل كدا..
قالها واحد شاف اسمك مكتوب في وقت قريب, هي فهمت, خصوصا إن الإنسان لما يكون في مرحلته الأخيرة الإنسان بيبقى مستني أي إشارة وبيفهمها بدون ما يقول لحد عليها لكن بعد موته الكل بيكون متيقن إنه كان عارف بس رفض يقولهم..
قالتله هموت؟
قالها كلنا هنموت, بس سؤالك الحقيقي هتتوجعي قد إيه؟
هي سكتت
وهو قرب خطوة وقالها الألم مش فرض, أحيانا بيكون نتيجة خوف أكتر منه قدر.
قال وهو بيحكي.. كانت بتبص لي من غير ما ترتعش, كنت شايف قلبها بيدق في الحلم, بس مكانتش بتجري.
سألته في الحلم, انت ملاك الموت؟
ابتسم وقالها لو كنت ملاك الموت مكنتش هتكلم معاكي كل دا..
قعد جمبها, المسافة بينهم مكانتش مسافة أجساد, كانت مسافة قرار..
قالها عندك وقت قليل, مش أيام كتير, أقدر أخليه أهدى, أقدر أكون جنبك لحد اللحظة ما تعدي.
قالتله مقابل إيه؟ قالها عهد.
قالتله يعني إيه؟ قال يعني أرتبط بيك في عالمنا، بإرادتك, ساعتها أقدر أدخل بينك وبين الألم أقدر أمنع أي حد يتغذى على ضعف اللحظة وأفضل جنبك من غير ما حد يقرب.
هي ما وافقتش في الحلم الأول بس صحيت مفزوعة
قعدت علي سريرها, الساعة كانت 3 الفجر, الأوضة ضلمة بس الإحساس مكانش كابوس, وراحت تبكي لأول مرة من ساعة ما عرفت.
قالي رجعتلها الليلة اللي بعدها, بس المرة دي مكانش في الحلم, ظهرتلها في الحقيقة بنفس الصورة اللي ظهرتلها بيها في الحلم عشان متخافش, لما شافتني مصرختش لكنها اتفاجأت جدا وسألتني انت حقيقي؟
قولتلها زي المرض بالظبط, الجملة كانت قاسية لكنها صادقة.
قربت منها أكتر وملامحي بتتغير لهيئة شاب لكن عينيه أعمق من أي بشر, قالتلي أنا خايفة من الوجع, قولتلها أنا مقدرش أغير النهاية لكن اقدر اغير الطريق ليها..
قولتلها لو وافقتي هتبقي في عهدي, لا ألم الا اللي يحتمله جسدك, لا اقتراب من حد غيري, ولحظة الخروج هتبقى زي لحظة النوم العادي.
سألتني وبعدها؟ قولتلها بعدها هرجع مكاني وانتي تكملي في طريقك..
سألتني وانت هتستفاد إيه لما تعمل كل دا؟
سكت لحظات وفي الاّخر قولتلها إن الرحمة في عالمنا نادرة واختيار إنسية تمشي معاك في عهد من غير خوف دا شيء ميتكررش.
قاطعته وقاطعتها, قاطعت كل اللي بيحصل ووقفت بعد ما جري في دمي غضب مفاجئ, يمكن شدام ومرهوب مصدقوش ردة فعلي..
شاورتله بإيدي وقولت وأنا بحرك عيني ناحيته وناحيتها عشان الكلام موجه ليهم هما الاتنين, نبرتي كان فيها تهديد, قولتلهم اللي بيحصل دا لازم ينتهي فورا, من الليلة انت ملكش وجود معاها هنا, ولو على المرض بتاعها فدا نصيبها وقدرها وربنا هيجازيها عليه خير, يمكن يكون سبب المرض تكفير ذنوب عشان تروح لربنا وهي ذنوبها قليلة أو بدون ذنوب خالص..
على الرغم من قسوة كلامي إلا إني شوفت يقظة مفاجأة ظهرت على وشوشهم, كإنهم ميعرفوش الكلام دا, أو عارفينه بس ناسيينه, واتجوزا في لحظة ضعف..
بصيت عليه وأنا بقوله بعيني انت عارف أنا ممكن اعمل فيك إيه, بس مينفعش اتكلم احتراما لمشاعرها, وهو برضو كلمني وقال عارف...
لحظة صمت طويلة قطعها وهو بيقول ممكن تسيبنا نقضي اّخر ليلة مع بعض زي مانت قولت, وليك العهد إني مرجعش بعدها..
بصيتله وأنا مش عارف أوافق ولالا, لكن زينب رفعت وشها فيها وقالتلي بعينها نفس اللي قاله, فما كان مني إلا إني وافقت وسبت البيت وخرجت وأنا راضي عن اللي عملته ومندهش من اللي حصل شوفته قدام عيني واللي لو حد حكاهولي مكنتش هصدقه..
****************الجزء الثلاثون
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
