رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم جمال الحفني
فيه واحدة اتجوزت من الجن..
في يوم ساعة عصاري كنت قاعد على صخرة سوده على أطراف الصحرا, بعيد عن أقرب طريق مسفلت بحوالي 40 كيلو, العربية واقفة جمب خيمة صغيرة وأجهزة القياس مرصوصة حواليا, شاشة اللاب توب بتعرض خطوط ملونة بتقول إن تحت رجليا في حاجة مش طبيعية, شق صخري قديم مليان معادن نادرة..
بس مكنتش مركز, كان فيه إحساس جوايا بيقولي إن فيه حاجه جايه, وفعلا إحساسي كان في محله, الهوا سكت فجأة, وصوت الريح اللي طول النهار بيزعق في ودني اختفى, وشدّام ظهر..
مبيظهرش كامل غير في المهمات, بيظهر نص ظل ونص نار مطفيه, وقف على بعد خطوتين وقال بصوت خافت جالك استدعاء, بعد ما نطقها الورقة ظهرت, منزلتش من السما ولا خرجت من الأرض, الهوا قدامي كالعادة اتلوّى كإن حد بيشد قماشة شفافة ومن وسط التموج خرجت ورقة قديمة لونها أصفر مكتوب عليها بخط أسود غامق كإنه محفور فيها, قربت ناحية عيني واتفتحت لوحدها وقريت فيه..
"أنثى من الإنس عقدت اقترانا كاملا مع الجن, وهذا أحدث اختلالا في الموازين, الإقامة قرية *** مدينة *****, الحكم المبدئي هو الفصل القسري, المنفذ هو الإنس المعين"
اخر سطر كان مختلف عن باقي السطور كإنه مكتوب جديد, رفعت عيني لشدام وقولتله اقتران يعني إيه؟ جواز؟
شدام رد بهدوء وقال عقد ارتباط كامل, عهد مخالف..
سألته الجن أذى حد؟ سكت شوية وقال لا..
بصيت على الورقة تاني عشان اقراها مرة تانية وافهم اللي فيها وبعد ما قريتها لقيتها بتتحرق بنار خفيفة كالعادة ورمادها وقع على الرمل..
مرهوب ظهر المرة دي, دايما حضوره تقيل ومختلف, الجو حوالين جسمه بيكتم النفس, وقال بصوته الخشن, مهمة سهلة, نفصلهم, نكسر الرابط ونمشي.
بصتله بطرف عيني وقولتله طب ولو ماستحقوش الفصل؟
مرهوب ضحك ضحكة جافة وقال القانون مبيسألش عن الاستحقاق, وشدام كمل بعده وقال, القانون بيسأل ويهتم بالتوازن.
وقفت وناديت على مهندس زميلي بيخرج معايا وبحبه لإني بيستحمل غياباتي المتكررة, قولتله يخلي باله من الإحصاءات وأنا هخرج بالعربية لمسافة بعض الكيلومترات اجيب عينة تربة, ودي كانت حجتي دايما وجزء من شغلي, مننقلش المعدات من الموقع الحالي غير لما نلاقي حواليا عينة تربة تستحق إننا ننقل كل حاجه جمبها..
ركبت العربية ومشيت مسافة بعيدة وبعدها نزلت وبدأت اكمل كلامي مع شدام ومرهوب وسألتهم عن مكان القرية دي, شدام وطى على الأرض ورسم خريطة على الرمل, قرية صغيرة, نخل حوالين بيوت طين, طريق فرعي شبه ميت وغير مستخدم..
بصيت لشدام النظرة المعروفة واللي من خلالها بينقلني للمكان اللي فيه المهمة, مد إيده وانا مديت إيدي وبمجرد ما لمسته العالم حواليا اتغير في جزء من الثانية وبقيت واقف على أطراف القرية اللي رسمها شدام من شوية.
بيوت بسيطة وجداران متشققة, عيال بتجري وتلعب قبل ما الشمس تغيب ويرجعوا بيوتهم, ستات واقفين بيكلموا بعض على الأبواب, الناس باصالي وكلهم عارفين إني غريب, عملت نفسي مش واخد بالي وبمشي عادي كإن ليا قرايب في القرية وجايلهم زيارة, واحد عجوز قرّب مني وسألني بفضول أهل القرى اللي عمره ما ينتهي وقالي انت جاي من بره؟
حسيت إنه مش سؤال, لكن جاوبت وقولتله اّه, سألني جاي لمين؟ قولتله لبنت خالتي زينب, العجوز سكت لحظة وبص حواليه وشاور للمكان اللي أنا عارفه ورايحله وهو كمان عارف إني عارف لكن الطبع بيغلب التطبّع وقال امشي على الترعة لحد اّخر بيت بس متإذيهاش.
قال الجملة دي ومستناش ارد عليه بالشكر أو السؤال عن معناها وسابني ومشي, وأنا عشان ملفتش الأنظار أكتر من كدا وواحد تاني ييجي يسألني فعملت نفسي مسمعتش كلمته وكملت مشي ناحية بيت زينب..
كل ما اقرب من البيت كنت بحس بحزن غريب في صدري, مرهوب قالي الرابط قوي, سألته عرفت إزاي؟ قال الهوا حوالين بيتها متشبع بالقوة, مش هوا عادي.
قربت لحد ما البيت المقصود ظهر قدامي, بيت صغير بابه خشب قديم, ونخلة واقفة جمبه كإنها حارس..
وقفت قدام الباب لحظات افكر في اللي هعمله وارتب أفكاري, رفعت إيدي عشان أخبّط وقبل ما إيدي تلمس الباب اتفتح, وظهرت من وراه ست في منتصف التلاتينات, ملامحها عادية وهادية بس عنيها فيها سهر سنين..
بصت في عيني وأول حاجه قالتها, إنت جاي تفصلنا؟
مستغربتش إنها عارفة, لكن طلبت منها أقعد معاها ونتكلم شوية, بصتلي بتشكك وبعدين لفت جسمها عشان تفتحلي الطريق في إشاره معناها اتفضل..
دخلت البيت, بيت بسيط وهادي من جوه وفيه راحه حسستني بذكريات الأجداد زمان وحبهم لبيوتهم القديمة ومميزاتها اللي مش موجودة في أحدث ناطحة سحاب موجودة حاليا, ذكريات للأسف معشتهاش لإني من مواليد المدن, بس حسيتها لوهلة لما دخلت البيت..
بصيت على الحيطان, مفيش طلاسم, مفيش دم, مفيش أثر لشموع كانت شغالة في ليالي معينة للقمر والكواكب, وبمجرد ما الاستنتاج جي في دماغي سمعت مرهوب بيهمسلي بيه في ودي, مفيش استدعاء قسري.
وشدام قال وراه على طول, الرابط طوعي.
قعدت قدامها وسألتها اسمه إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت انتوا بتسمّوه يحيي, لكن اسمه الحقيقي مينفعش أنطقه.
الهوا اتحرك, الكيان ظهر..
ما اتجسدش بالكامل, بس ملامحه بانت في الضوء الخافت, طيف راجل طويل هادي, واقف جنبها مش قدامها, يعني معاها مش مالكها, صوته كان عميق لكن مفيهوش نبرة عداء لي أو تهديد, سألني إنت المنفّذ؟
رديت عليه بثبات وقولتله إنت عارف الحكم.
هز راسه وقال عارف, سألته ليه خالفت القانون؟
بص لزينب بحنان وقال وهو باصصلها "لإنها كانت هتموت"
****************
الجزء التاسع والعشرون**************
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
