رواية مدرسة الشبراوي الفصل الثاني 2 بقلم عمرو ليث
• مش معقول يكون البواب يا شمس هو إللي خطفها
: بقولك أنا شفته في الشباك وهو بيشاورلها والبنت خرجت
• وأنتي سبتيها تخرج ليه؟
: قالتلي عايزة أروح الحمام مكنش ينفع امنعها أنها تروح
• أنتي متأكدة أنه البواب؟
: أيوة متأكده زي ما متاكدة أني بكلمك دلوقتي
• ماشي هكلمهم يشوفوا الكاميرات
فضل طول اليوم ضميري بيأنب فيا عشان سبت هاجر تروح الحمام، وفي نفس الوقت بقول لنفسي مكنش ينفع امنعها برضوا، كنت في حالة شتات من إللي بيحصل حواليا والاجواء الغريبة إللي عايشة فيها، رجعت البيت وأنا حاسة بفقدان شغف وارهاق وعايزة أنام، لقيت عم توفيق قاعد وبيقرأ كتاب، وأول ما شافني سابه ..
• مالك أنتي كويسة؟
: مش عارفة حاسة أن في حاجات غريبة بتحصل الأمور مش طبيعية
• زي البيت إللي ولع؟
: والعيال إللي بتتخطف
• طب ما ده العادي ده إللي بيحصل كل سنة
: بيحصل كل سنة إزاي؟
• أول يوم من كل سنة بيتخطف عيل من المدرسة، في نفس الأسبوع أي مدرس جديد بيجي المدرسة البيت إللي بيكون قاعد فيه بيولع وبيموت محروق
: أي!
• متستغربيش قولتلك هو أي حد بيجي من بره البلد بيحصل معاه كده
: اشمعنا؟
• مش عارف هو تقريبًا الموضوع يخص أهل البلد بس
: طب واي الغرض من أن البيت يولع أو أي حد بيجي جديد يموته؟
• يمكن عشان مش حابب حد غريب يبقىٰ وسطهم؟
: وسط مين؟
• أهل البلد
: واللي بيحصل معاهم وخطف عيالهم ده من أي؟
• مش عارف ومحدش عارف
ولقيته اتوتر وساب الكتاب ومسك العصاية ومشي، سابني لدماغي إللي مش راضيه تقف من كتر التفكير في الموضوع، يعني أي عيال تتخطف عادي، ومدرسين تموت محروقة عادي، يعني أي كل ده عادي، وازاي مفيش سبب ولا في حد بيدور على السبب أو يدور علىٰ إللي بيعمل كده، حسيت دماغي هتتفرتك من الصداع حقيقي، غيرت هدومي ودخلت الاوضة لقيت في صينية أكل موجودة، معرفش عم توفيق هو إللي بيطبخ ولا حد بيجبهاله، وانا مسألتوش حقيقي، دخلت نمت علىٰ طول من كتر التعب .
واقفة قصاد باب المدرسة لقيت عمي خيري مش موجود زي ما بيقف كل يوم علىٰ البوابة بتاعت المدرسة، أول ما دخلت المدرسة سمعت أن ..
• اتقبض عليه إمبارح بليل عشان شافوه في الكاميرات هو وماسك بنت وماشي بيها إسمها هاجر والبنت مظهرتش خالص
: يعني كان هو إللي ظاهر في الكاميرات؟
• ايوة
: طب وباقي حالات الخطف شافوا مين إللي خطفهم؟
• لا لأن مكنش في كاميرات وهما شافوه هو وبياخد البنت وموجود دلوقتي في القسم وتقريبًا هو إللي خطفهم كلهم
: ده بجد؟
• الله أعلم هو عم خيري يبان عليه شخص مريب، ساعات يكون كويس وساعات يبقىٰ غريب كده وتصرفاته مريبة
: إزاي؟
• ممكن الصبح يستقبلك بصباح الخير وفي نص اليوم تلاقيه قالب وشه ومش طايق حد
: طب وده علىٰ طول؟
• علىٰ فترات
مش عارفة بس حاسة ان البواب ميبنش عليه أنه ممكن يخطف حد، أو ممكن بيمثل أنه كويس ومبيفهمش وبيشتغل الناس كلها، مبقتش عارفة هل دي سذاجة واستخفاف بالناس ولا ده مرض ولا ده الطبيعي، مبقتش فاهمة أي حاجة، الناس قلوبهم بقيت قاسية جدًا، مبقوش يهتموا بمشاعر إللي حواليهم، مبيركزوش في تصرفاتهم ولا كلامهم ولا افعالهم إللي بتعكس حقيقتهم، إللي بتبين نواياهم اي، حتىٰ مشاعر الناس بيستخفوا بيها، بيقللوا منها، كأنهم غاووين يسلبوا الناس من مشاعرهم، يقتلوا احساسهم ويعيشوا من غير إحساس أو مشاعر، كأنه جسد بلا روح، وكل إللي عايشين من غير روح بيدوروا علىٰ إللي حواليهم عشان يجردوهم من ارواحهم .
كنت بتمشى في المدرسة كالعادة عشان اكتشف اركانها، مدرسة كبيرة بالشكل ده جزء بسيط بس إللي شغال فيها، فضلت ماشية لحد ما وصلت لباب مكتوب عليه " مكتب شبراوي "، فتحت المكتب كان فاضي تمام مفيهوش غير كرسي وتربيزة واثار التراب وشبكات العنكبوت في كل حتة في الاوضة، بصيت فيها ملقتش أي حاجة مفيدة، ولسه بلف وشي وهرجع خبطت في حاجة كانت محشورة في الأرض، حاجة زي حلقة زي حلقات السلسلة بس كبيرة شوية، رجعت لورا بصيت عليها وعرفت أنها اكرة باب من بتوع زمان، ووجود حلقة زي دي هنا في الأرض ده معناه أن ده باب تحت الأرض!
مكدبتش احساسي أول ما شديت الحلقة الباب اتفتح وظهرلي سلم بينزل لتحت، اتخضيت من منظر الضلمة إللي موجودة، ولكن شغلت فلاش التليفون ونزلت براحة علىٰ السلم، لقيت نفسي في سرداب من سراديب زمان إللي بتبقى موجودة تحت الأرض، ولكن الغريب أن المكان كان الهواء فيه ريحته طبيعية مش مكمكمة، كأنك ماشي في شارع عادي مش ماشي تحت الأرض، فضلت ماشية لحد ما ظهرت قصادي أوضة من غير باب، بس سمعت صوت همسات جاي منها، صوت دندنة حد بيغني ..
" ساعات بغني لحبيبي وفين حبيبي "
ده باين عليه شخص رايق وسايب الدنيا كلها ونازل تحت الأرض يغني، ولكن إللي اكتشفته عكس كده، لمحت صورة لعم خيري البواب محطوطة علىٰ مانيكان، وصورة مس سهام وصورة لـ المديرة بتاعت المدرسة، مفهمتش أي سبب وجود الصور دوول ولكن الشخص اللي كان واقف مديني ضهره بص وراه فجأة، أنا اتخضيت وجريت قبل ما يلمحني، وخرجت من الاوضة وقفلت الباب ورجعت للفصل تاني وانا وبحاول اخد نفسي بالعافية من كتر الجري إللي كنت بجريه .
• هو أنا نسيت اسألك علىٰ حوار الأكل مين اللي بيعمله؟
: ده رزق من عند ربنا
• يعني حد يجيبهولك؟
: أيوة
• تعرفه؟
لقيته بيتوه في الكلام كأن السؤال مش عاجبه أو مش عايز يرد عليه، محبتش اتقل عليه وكملت كلام معاه ..
: هو مفيش مكتبة بتبيع كتب وروايات هنا ؟
• لا في جمب الجامع إللي ورا المدرسة سعيد مجنون كتب وروايات
: وسعيد ده صغير ولا كبير؟
• لا كبير ده صحبي بس بيحب الكتب والروايات جدًا، وعمل مكتبة وبيبع كتب فيها بيجيبها من مصر
: طب كويس أنا هروح اشوف عنده حاجة حلوة ولا لا
• ماشي خلي بالك من نفسك
لبست هدومي ونزلت عشان أروح المكتبة، أول ما وصلت هناك لقيتها في وشي علىٰ طول، هو دكان كبير اسمه دكان الكتب، دخلت كان راجل كبير إللي قاعد وماسك كتاب في إيده ..
• مساء الخير
: مساء النور محتاجة حاجة؟
• كنت عايزة رواية غامضة كده ومليانة أحداث مثيرة
: بتحبي الروايات البوليسية؟
• جدًا
: يبقى اجاثا كريستي
• عندك روايات اجاثا كريستي؟
: كلها
• طب فين؟
: تعالي ورايا
قام من علىٰ الكرسي بالعافيه ومشي ناحية أوضة، لاحظت وجود كتب كتير مرمية علىٰ الأرض، ولما سألته ليه مش بترتبها قالـ
: كان في واحد الله يباركله كان بيجي يرتبهالي وبيدخل الأوضة يقرأ كتب ويمشي
• هو مجاش ليه؟
: هو بداية كل عام دراسي مبيجيش شكله مشغول
• ليه هو طالب؟
: لا ده شخص كبير
• مدرس يعني ولا اي؟
: معرفش بس ميبنش عليه لا، هو كل ما بيجي بيرتب الكتب وبيسالني على روايات اجاثا كريستي
• بيقعد فين؟
: في الاوضة دي
دخلت الاوضة لقيت كتب كتير واقعة على الأرض، ولقيت وسطهم كتب اجاثا كريستي، قعدت علىٰ الأرض عشان اشوف الكتب وعم سعيد مشي، فضلت اقلب في الروايات لاحظت أن في جُمل معينة متعلم عليها بقلم فسفور، وجمل كلها غريبة كده، أول واحدة فيهم كانت ..
• الناس الذين يمكن أن يكونوا طيبين جداً، يمكنهم أيضاً أن يكونوا سيئين جداً .
وجملة تاني كمان كانت بتقول ..
• الشباب يظنون أن كبار السن حمقى، لكن كبار السن يعرفون أن الشباب هم الحمقى .
ولكن عيني وقفت قصاد الجملة إللي مش قادرة اتخطاها بعد ما شفتها في المدرسة لما شفتها في رواية من الروايات ..
• الوجه البشري في نهاية المطاف ليس أكثر ولا أقل من قناع .
اتسمرت مكاني أول ما شفتها ولقيتها متعلم عليها بقلم فسفور، نفس الجملة إللي شفتها في المدرسة، بحاول أكذب احساسي إللي بيطاردني دلوقتي، إحساس غريب جدًا ومريب، أخدت كام كتاب لاحظت أنه معلم علىٰ جمل وحاجات كتير فيهم، دفعت حسابهم ومشيت علىٰ طول .
كنت ماشية في الشارع ودماغي بتودي وتجيب فيا، بحاول اربط الاحداث ببعضها، خطف العيال، حريق البيت، عم خيري البواب، الشخص إللي شفته في السرداب، صور مس سهام وعم خيري والمديرة إللي موجودين علىٰ المانيكان، واخيرًا نفس الجُمل الموجودة في المدرسة إللي متعلم عليهم في رواية لأجاثا كريستي من شخص مبيجيش المكتبة في فترة بداية العام الدراسي، الأحداث دي مش عارفة اربطها ببعضها، في خيط مش عارفة أوصله يربط كل ده ببعضه، كنت ماشية وقبل ما أوصل للبيت لمحت واحدة كبيرة في السن ماسكة صينية أكل بتحطها قدام بيت عم توفيق، وخبطت علىٰ الباب ومشيت قبل ما يفتح الباب، ولقيت عم توفيق فتح الباب واخد الصينية ودخل، والست دخلت تالت بيت جمب بيت عم توفيق، الفضول سرقني أعرف قصة الصينية دي لحد ما لقيت نفسي واقفة قدام باب بيت الست إللي حطت الصينية وبخبط علىٰ الباب وفتحتلي ..
• شمس!
: أنتي تعرفيني؟
• ادخلي واقفلي الباب وراكي
دخلت وراها وقفلت الباب وأنا مخضوضة من أنها تعرف أسمي، اول ما شافتني قالت اسمي علىٰ طول كأنها تعرفني، قعدت علىٰ كرسي قصادها ..
: فرحت أنك خرجتي من الحريق كويسة
• أنا مكنتش جوه أصلًا كنت بره
: مأنا عارفة مانتي لو كنتي جوه مكنتيش هتعرفي تخرجي زي إللي قبلك
• واللي قبلي ماتوا بنفس الطريقة؟
: ايوة
• طب لي في حاجة مش مفهومة اشمعنا بيولع في البيت إللي بيقعد فيه أي مدرس جديد؟
: مش عايز حد غريب يدخل البلد
• طب والعيال إللي بتتخطف؟
: ده تار قديم بيخلص في أهل البلد
• تار اي ده؟
: واحد من أهل البلد خطف عيل من محافظة تانية من مدرسته وجابه هنا يشغله عنده، كان بيعامله معاملة العبيد، الواد كان عارف أنه مخطوف بس أهل البلد كانوا عارفين أنه كان تايه واللي خطفه قال أنه لقيه تايه وكتبه علىٰ إسمه
• طب وهو فين الشخص ده دلوقتي؟
: مشي من زمان
• طب وعرفتوا إزاي أنه هو إللي بيعمل كده؟
: الموضوع سهل يتعرف بيعمل نفس إللي كان بيتعمل فيه
• معنى كده أن العيال عايشين؟
: بالظبط بدليل أنه مظهرش أي حاجة ليهم أو حد كلم أهلهم يطلب فلوس
• طب والشخص ده عارفين شكله طبعًا
: ايوة بس مظهرش ولو ظهر أهل البلد كلهم عارفينه
• يعني كده في حد بيساعده؟
: تقريبًا كده
فكرت في كلامها لقيتها بتقول كلام منطقي، طفل اتخطف واتحرم من حياته واهله ودراسته وعاش حياة عبودية، بيخطف عيال من مدارسهم واهلهم وفي نفس اليوم تقريبًا إللي هو اتخطف فيه، عشان كده بيخطف العيال في أول يوم إللي هو هو نفس أول يوم اتخطف فيه!
كده الرؤية وضحت شوية وفهمت السبب، ولكن السؤال هنا مين إللي بيساعده؟ معقول يكون عم خيري؟ ولا الراجل إللي في السرداب، ولا الشخص إللي بيقرأ كتب اجاثا كريستي في المكتبة؟
حاسة أني في متاهة بعد ما عرفت كل التفاصيل دي، ومتغلبطة جدًا ومش عارفة المفروض أعمل اي، أدور على إللي بيعمل كده، ولا أقعد ساكتة وأكمل الفترة بتاعتي وامشي، ولا أهرب من المكان المريب ده .
• توفيق حب الطفولة
: حب الطفولة!
• ايوة دي قصة طويلة البلد كلها تعرف قصة زينب وتوفيق الشبراوي
: أي إللي حصل؟
• انا وتوفيق كنا بنحب بعض من ايام المدرسة، كنا كل يوم بنتقابل في الفسحة نقسم الأكل مع بعض، أنا مكنتش غاوية تعليم بس كنت بروح عشان أشوفه، وهو كذلك لأنه كان شغال في الأرض مع أبوه، كان بيضرب عصفورين بحجر، بيهرب من شغل الأرض، وبيجي عشان يشوفني، لحد ما أهلنا عرفوا بالقصة دي بعد 5 سنين حب، أبوه كان بيعذبه وبيضربه بالكرباج، كنت بسمع صوت صراخه واصل لحد المكان إللي إحنا قاعدين فيه ده، كأن سكينة كانت بتضرب في قلبي مع كل صرخة كان بيصرخها عشان حبني، كان بيتعاقب علىٰ حبه ليا، كنا ساعتها وصلنا سن العشرين أنا كنت اتجوزت واتطلقت بعدها، ولكن هو مكنش اتجوز، توفيق متجوزش خالص، أنا اتجوزت تلات سنين واتطلقت بسبب أنه مبيخلفش، هي كانت حجة عشان أهرب من السجن إللي كنت فيه، أما هو رفض أنه يتجوز، ولكن لما أخته اتوفت اخد بنتها عشان يربيها، حتىٰ أنا بعد ما اتطلقت مكنش عايز يشوفني، كنت حاسة أنه كان بيفتكر الصراخ بتاعه ولسعة الكرباج كل ما بيفتكرني، 52 سنة وضميري بيأنبني من ساعة اليوم الشوم إللي ابويا شافني معاه فيه وراح لابوه يهدده أنه يبعد عني، هو النهاردة عنده 72 سنة وشهر، وانا 72 سنة وخمس أيام، ومن ساعة ما تعب ومحدش بيسأل عليه بقيت كل يوم بوديله الاكل قدام الباب وبسيبه وبمشي، ليا 11 سنة النهاردة مفوتش يوم
: يعني إللي اتوفت دي بنت اخته مش بنته؟
• ايوة اخدها وهي وصغيرة واتربت علىٰ إيده
: طب واهله وأهلك كانوا رافضين أنكم تتجوزوا ليه؟
• كانوا شايفين أن الحب عار، البنت بتجيب العار لأهلها، والواد بيجيب الفضايح لأهله، إحنا في مكان مبيسعش مشاعر حد، الطبع والعادات والتقاليد هما إللي بيحكموا الناس مش مشاعرهم
: وحبك ليه خلاكي بتأنبي نفسك 52 سنة؟
• صوت صرخته لسه في ودني لحد دلوقتي بسمعها
ولقيتها بدأت تعيط ودموعها بتنزل، وجعت قلبي من الكلام إللي سمعته، قعدت جمبها شوية عملت كوبايتين شاي شربت الشاي معاها ومشيت، مشيت وأنا حاسة أني في مكان مريب، مكان بيدفن مشاعر الناس اللي فيه، مبيقبلش حد مشاعره بتحركه، كأنهم معندهمش مشاعر يخرجوها، أو مشاعرهم مدفونة جمب قلبهم إللي مش شغال، أهالي بتتخطف عيالهم وساكتين، مجرم بيتحرك ويحرق ويخطف براحته، وواحد بيتضرب بالكرباج علشان بيحب، وواحدة عايشة عمرها كله ضميرها بيأنبها علشان حبت، وكأن المشاعر ذنب ملوش غفران في مكان مبيقبلش وجود مشاعر حد .
يتبع ..
#مدرسة_الشبراوي الجزء الثاني
لـ عمرو خالد لـيث
#الكاتب_ليث
