رواية ما وراء النفوس الفصل العاشر 10 بقلم مريم ابوعمر
أخدت منه الرسالة، وأول جملة فيها كانت كفيلة تصدّمني…
أول سطر فيها:
— إزيك يا حبيبي…
الرسالة دي طالما وصلتلك يبقى أنا موت.
حقك، وعارف إنك هتشتغلي مكاني، وعارف إنك هتعرفي إن أحمد شخصية ميّتة، واللي كان بيواجهني منتحل شخصيته.
كنت أتمنى إن ربنا يبارك في عمري عشان أقدر أحميكي وأسعدك، بس كله مكتوب.
عايزك تثقي في قيس… قيس زي أخويا بالظبط، صحاب من زمان.
وعايزك تبقي فاهمة حاجة واحدة بس…
مش أي حاجة تشوفيها تصدقيها على طول.
بحبك يا خوختي.
دموعي نزلت… يعني كان عارف إن ممكن يحصله حاجة، وبرضه صمّم.
بصّيت لآدم، اللي كان نايم على الركنة.
قفلت الشغل كله، وطلبت أمشي، وقلت لقيس إني محتاجة نقعد في مكان أفهم فيه أكتر، لأني مشتّتة.
تفاهم الأمر.
أخدت آدم، وروحنا الكافيه اللي جنب الشغل.
قعدنا كلنا قدّام بعض.
طلع مني سؤال بصوت مرتعش:
— ممكن أعرف يا قيس… الرسالة دي أدهم سيبهالك من إمتى؟
ردّ قيس وهو بيقول:
— كنت مسافر بعد العملية أغيّر جو. لقيت أدهم بيرن عليّا، وصوته متغيّر، وطلب مني أنزل له القاهرة يوم وأرجع تاني. وافقت طبعًا لما حسّيت إن في مشكلة.
نزلت له اليوم ده.
دخلنا المكتب عنده.
سألته:
— مالك يا أدهم؟ إيه اللي حصل؟
بدأ يحكي لي ويقول:
— فاكر أحمد اللي كان بيلاحق عمي؟ وأنا كنت على طول بقوله ليه مش عايز تبلغ ضده، ومكنتش فاهم… أنا فهمت دلوقتي.
عمي لما كان بيبلّغ عنه، مكنتش حاجة بتحصل.
دلوقتي ظهرت بنته… ومطلعتش بنته أصلًا، وأبوها مش معروف لحد دلوقتي.
والأذى ملاحق عيلتي من كل اتجاه.
مش عارف أعمل إيه غير إني أفضل أتحرّى عنه، حتى لو هوصل لحاجة بسيطة.
وبصّ لي وقال بجدية:
— بس عايزك لو حصلي حاجة، تخلي بالك من خلود وآدم يا قيس.
ردّيت عليه:
— بعد الشر عنك يا عم… وأنا كمان هدور معاك، يمكن أوصل لحاجة. بس عايزك متقولش حاجة لخلود، عشان نفسيتها، وإنت عارف هي متهوّرة.
بعد ما قالّي اللي حصل، كمّل وقال:
— وقبل الحادثة بيوم كلّمني وقال لي: خلي بالك من الأمانة اللي أمنتك عليها، وخلي بالك من نفسك يا قيس… لأن خلاص…
مفهمتش آخر كلمة… يعني إيه “خلاص”؟
كمّلت كلام مع قيس، اللي عرفني إنه مصاحب أدهم من أيام الطفولة.
فضل يحكي لي حاجات كتير عن أدهم، ومنها إن أدهم لما اختفى الفترة اللي اختفاها بعد موت عمي ومراته، كان عند قيس، وإنه كان تعبان في الفترة دي جامد.
دموعي نزلت على تعبه… يعني طول حياته تعبان، ومش مرتاح… معقول موته راحة ليه من كل ده؟
مقدرتش أكمّل، واستأذنت إني أمشي أنا وآدم.
هزّ قيس بالموافقة، وطلب مني إنه لو ييجي يوم في الأسبوع عشان يخرج آدم شوية. وافقت طبعًا، لأن آدم خروجه قليل جدًا، وكمان معندوش صحاب.
ركبت أنا وآدم العربية، واتجهنا على البيت على طول، لأن التعب كان وصل بينا لحد آخره.
وصلت البيت، وآدم جري على السرير وهو بيقول بتعب:
— خلودي… هنام، أنا مش قادر.
ابتسمت له، وهو نام براحة تامة.
فضلت قاعدة في الأوضة، مش قادرة أطلّع جملة واحدة من الرسالة من دماغي.
“مش أي حاجة تشوفيها تصدقيها على طول…”
الجملة كانت بتتكرر في عقلي كتير.
يعني إيه؟
لسه بفكّر، سمعت أنين من آدم.
قومت بسرعة واتجهت ناحيته، وحطّيت إيدي على وشه… لقيته سخن وتعبان.
قلبي وقع.
جريت جبت كمادات مية ساقعة والدواء، وبدأت أعمل له كمادات واحدة ورا التانية.
كان بيتقلّب في السرير، وصوته ضعيف، وأنا قاعده جنبه بمسح على شعره وبهمس:
— معلش يا حبيبي… معلش.
بعد شوية، حرارته بدأت تهدى بسيط.
قعدت جمبه على طرف السرير، ماسكة إيده الصغيرة، وعيني دمعت من غير ما أحس.
مش كفاية اللي إحنا فيه؟
مسكت الموبايل وكلمت الدكتور، شرحت له الحالة، وطمني وقال أتابع الحرارة ولو عليت تاني أبقى أوديه المستشفى فورًا.
قفلت المكالمة، ورجعت أبصّ لآدم.
طفل بريء، داخل دوامة كبيرة أكبر من سنّه.
رجعت الرسالة في دماغي تاني…
وأدهم… وأحمد… وقيس…
كل حاجة كانت متشابكة، وكل ما أحاول أفهم، الدنيا كانت بتعقّد أكتر.
قربت من ودن آدم وقلت بصوت واطي:
— متقلقش… أنا جنبك، ومش هسيب حقك ولا حق باباك يضيع.
قعدت سهرانة جنبه طول الليل، عين على حرارته، وعين على الساعة، وعقلي كله في كلمة واحدة:
“خلاص… خلاص…”
يعني إيه خلاص؟
دماغي كانت متشتّتة في مليون حتة.
وفجأة افتكرت يوم كنت محتارة، حرفيًا تايهة، ومش عارفة أعمل إيه في مشكلة الكلية.
أدهم كان أول واحد يقف جنبي.
بس من بعده… مش لاقية حد.
حتى بابا لسه في المستشفى، ومش عارفة هيفوق إمتى.
حطّيت إيدي على وشي، وحسّيت بثِقل الدنيا كلها واقع على صدري.
يا رب… أنا هواجه كل ده لوحدي لحد إمتى؟
بصّيت لآدم وهو نايم بهدوء، ونَفَسه منتظم بعد التعب، وقلت في سري:
أنا قوية… غصب عني قوية.
عشانك، وعشان بابا، وعشان أدهم.
بس جوايا، كنت محتاجة حد يقول لي إن كل ده هيعدّي.
غمضت عيني، والدموع نزلت في صمت، وأنا مرددة بيني وبين نفسي:
— يا رب… متسبنيش.
نِمت على الكرسي غصب عنّي من كتر الإرهاق والتعب.
اتفزعت على رِنّة التليفون اللي ما كانتش راضية تبطّل.
فتحت عيني بتقل، ومدّيت إيدي على الموبايل.
رقم غريب.
ردّيت، ولسه هتكلم…
الصوت قال كلمة واحدة بس:
— الكهف.
وقفل.
اتجمّدت في مكاني.
الصوت ما لحقتش أميّزه، بس قلبي دق بسرعة غريبة.
قومت فورًا وبصّيت على آدم.
كان نايم، بس وشّه شاحب شوية.
الخوف مسك في قلبي.
طلعت من الأوضة بهدوء، ورنّيت على قيس بسرعة.
ردّ عليّ، وصوتي كان متوتر:
— قيس… محتاجة تيجي حالًا، خليك مع آدم. الحرس كده كده محاوطين البيت، بس أنا لازم أمشي مشوار صغير.
سكت ثانية، وبعدين قال بقلق:
— رايحة فين يا خلود؟
بلعت ريقي وقلت:
— مشوار صغير… وراجعة.
قفلت المكالمة وأنا قلبي مش مطمّن.
دخلت أوضة آدم، قرّبت منه وبوست راسه بهدوء.
— خليك قوي يا حبيبي… أنا هرجع بسرعة.
غيّرت هدومي على السريع، وخدت المفاتيح، وبصّيت حواليا نظرة أخيرة.
الرسالة.
الكهف.
كلمة “خلاص”.
كل حاجة كانت بتسحبني ناحية حاجة مش مفهومة.
بس كنت متأكدة من حاجة واحدة…
اللي جاي مش سهل.
فتحت باب البيت، وخطيت أول خطوة برا…
وأنا مش عارفة راجعة إمتى، ولا راجعة بإيه.
حرفيًا قلبي مش هادي…
حاسّة إني رايحة لحاجة مجهولة، مش عارفة إيه هي.
ركبت عربيتي، وطلعت في طريقي ناحية الكهف.
بس فجأة، رجلي خفّت على البنزين لما وصلت للطريق اللي حصلت فيه أنا وأدهم الحادثة.
وقفت العربية على جنب.
بصّيت قدّامي، والمكان كله رجّع لي الذكريات دفعة واحدة.
دموعي نزلت غصب عنّي.
المشهد كان لسه محفور في دماغي…
الصوت…
الفرامل…
الصمت اللي جه بعدها.
مسحت دموعي بسرعة، وأخدت نفس طويل.
كل مرة أفتكر، باخد وعد على نفسي…
إني لازم أجيب حقهم.
حتى لو على حساب نفسي.
شدّيت إيدي على الدريكسيون، وكملت في طريقي للكهف.
وأول ما وصلت، ذكريات اليوم المشؤوم كلّها خبطت في دماغي دفعة واحدة.
المكان نفسه…
الهواء التقيل…
الإحساس اللي كنت فاكرة إني نسيته.
قلبي كان بيدق في وداني.
نزلت من العربية ببطء، وقفلت الباب ورايا.
قربت ناحية الكهف بهدوء قاتل… وكنت لسه بمد إيدي عشان افتحه فجأة لقيت شخص خارج من الكهف.
لقيته… أحمد.
بصيت في عيونه بتحدّي:
— عايز إيه؟ معدش عندي حاجة أخاف عليها… أبويا بين الحياة والموت، وجوزي موته، وأبو آدم الطفل الغلبان موته برضه… هتعمل إيه تاني؟ أي كمية الشر والحقد اللي في قلبك ده؟ فهمني يا بني آدم.
رد عليا بسخرية:
— وقيس باشا ده مش ضمن حسباتك.
رديت عليه بسرعة:
— انت بتقول إيه؟ مجرد صديق وبيحافظ معايا على آدم… وهو مالوش دعوة باللي بينا، يا أحمد… ولا أيًّا كان اسمك إيه.
رد عليا بسماجة:
— اسمي أشرف، يا خلود باشا.
بصيتله ببرود وقلت:
— مش خايف إنّي أبلغ عنك، يا شريف؟
رد عليا ببرود:
— لا… لأنك شاطرة، وعارفة اللي فيها.
مردتش عليه، وفضلت الصمت التام شوية… ولقيته بيلف حواليا وهو بيقول:
— إيه رأيك بقى فيا، وأنا بحرق قلبك عليه قدام عينك؟
يا خسارة… ملحقش يفرح إنه اتجوزك.
أنتِ سبب المشاكل اللي هو كان فيها فعلًا.
كلامه فضل يدور في دماغي كتير…
لحد ما ركبت عربيتي وأنا طالعة على أقرب مكان.
وصلت مكان شبه على البحر، وقعدت على أقرب كرسي…
دموعي نازلة على وشي. أنا فعلًا السبب في اللي أدهم كان فيه؟
دماغي فضلت شغّالة… طب هو ليه قالّي اسمه؟
قومت أجيب عصير قصب، زي ما كنت بعمل أنا وأدهم لما بنحب نفكّر…
وشوفت حاجة قدامي خلتني أتصدم…
يا تري خلود شافت اي؟ وليه احمد قالها ان اسمه الحقيقي شريف؟
#ما_وراء_النفوس
#أدهم_وخلود
#بقلمي_مريم_أبوعمر
#البارت_العاشر
