رواية ما وراء النفوس (كاملة جميع الفصول) بقلم مريم ابوعمر
يا بابا، شوف أدهم بقى، الله!
– في إيه يا قلب بابا؟ أدهم عملك إيه؟
– عمال يرخم عليّا، وبيقولي مش رايحة رحلة الجامعة.
سمعت صوته من ورايا بيقول:
– أيوة يا خلود، مش هتروحي. بالمناسبة، إزيك يا عمي؟ عامل إيه؟
– إزيك يا حبيبي، إيه أخبارك؟ مش عايز خلود تروح الرحلة ليه؟
اتنرفزت ساعتها وقلت:
– يا بابا، إنت لسه هتسأله ليه؟
محمود، والدها، قال بهدوء:
– اسمعي وجهة نظره يا خلود.
سمعت صوته تاني بعد ما قعد قدّام أبويا:
– يا عمي، والله أنا خايف عليها… إنت عارف إن في خطر عليها.
محمود قال بحزم:
– عنده حق يا خلود. إحنا اليومين دول في خطر عليكِ من بعد آخر عملية لأدهم، اللي كان هيتأذى فيها، ومن ساعتها كل العيلة محطوطة تحت خطر. ولازم كمان تتمرني إزاي تحمي نفسك لو، لا قدر الله، اتعرضتي لخطر أو حاجة.
بصّيت لأدهم بعصبية، وهو نوعًا ما كان مرتاح:
– طب رأي حضرتك إيه يا بابا؟
محمود، وهو بيفكّر:
– رحلتك إمتى يا قلب بابا؟
– يوم الجمعة الجاي يا بابا.
– والنهارده السبت… إيه رأيك تبدأي تدريب مع أدهم؟ ولو قال لي إنك تمام، هوديكِ الرحلة. قشطة يا جميل؟
نظرت لأدهم، اللي ابتسم لي بانتصار:
– قشطة يا حبيبي. هروح أوضتي أريح شوية عقبال ما الغدا يجهز.
انسحبت من الصالة وطلعت أوضتي، ورميت نفسي على السرير، وأنا بفكّر:
"هبدأ تدريب إزاي مع أدهم وأنا أصلًا مش بطيقه؟"
قطع تفكيري تليفوني وهو بيرن… ميس صاحبتي.
ردّيت عليها:
– ها، عملتي إيه؟
– بعد ما بابا وافق، أدهم قاله لأ.
– يعني إيه؟ مش هتيجي؟
– لا يا بنتي، بابا قال لي أتدرب الأسبوع ده مع أدهم، وهيخلّيني أروح الرحلة.
– حلو أوي. طب أقفل أنا، ورايا مذاكرة عشان امتحان دكتور عاصم بكرة.
– صح، دكتور عاصم! ده أنا نسيته خالص.
– طب قومي يا ختي شوفي هتعملي إيه. سلام.
– سلام يا حبيبتي.
قومت قعدت على المكتب، وفتحت مادة دكتور عاصم — علم النفس — وأنا حرفيًا في حاجات كتير مش بفهمها.
اضطريت ألجأ لأدهم، اللي كان لسه قاعد مع بابا.
خرجت من أوضتي وأنا بقول:
– دوومة، متستغربوش… أنا وأدهم ولاد عم، بس مش بطيقه.
أدهم بص لي باستغراب:
– نعم يا خوخة؟
– ممكن تيجي تشرح لي جزء من مادة علم النفس بتاعت دكتور عاصم؟ ونبي؟
– قولي كده بقى… جاية في مصلحة، ودوومة وبتاع. روحي أوضتك يلا.
عيوني لمعت بالغضب، وحسّيت نار في صدري:
– يعني إيه؟ مش هتذاكر لي؟
ابتسم وقال:
– أنا قلت كده؟ أنا بقولك روحي هاتي الحاجة، وحصّليني على الجنينة.
ابتسمت زي الهبلة، وقلبي ارتاح شوية.
جبت الحاجة، ونزلت له الجنينة، وأنا حاسة إني داخلة على مغامرة جديدة مع أدهم…
بس المرّة دي، فيها أمل.
حطّيت الكتب على المكتب اللي برّه، واستنيته.
بعد خمس دقايق وصل، وفي إيده مج كوفي ليا، وفنجان قهوة ليه… دايمًا عارف أنا بحب إيه.
– يلا، جاهزة يا بطلة؟
– جاهزة… يلا بقى، امتحاني بكرة.
– حد يزنق نفسه زنقة الكلاب دي! تعالي نشوف بتفهمي إيه في المادة.
طلعت مني ضحكة هبلة.
– طالما الضحكة الهبلة دي طلعت، يبقى ولا فتحتيها.
– الله ينور عليك، يا اللي فاهمني.
– طب يلا، نبدأ بأول باب.
بالفعل، أدهم راجع معايا أول باب، وبقيت حفظاه.
لسه هتكلم، سمعت صوت ضرب نار جاي من بعيد ناحية البيت.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وحسّيت الدم نشف من وشي.
أدهم شدّني بسرعة ودخلنا البيت، وفي نفس الوقت كان بيكلم حد وبيقوله يشوف مين اللي عمل كده.
طلعنا نجري…
ولما دخلت الصالة، قلبي وقع.
ماما كانت واقعة على الأرض.
جريت عليها بسرعة، وركعت جنبها، والعيط خانق صوتي:
– ماما… يا ماما!
أدهم دخل بيجري، بيدوّر على بابا، والحمد لله بابا ماكانش في البيت وقتها.
قرب منّي بسرعة، شال ماما من على الأرض، وجري بيها على العربية.
ركبت معاها وأنا الدموع ما فارقتش عيني.
أدهم من الصدمة داس بنزين بسرعة، وكلم بابا وقاله يحصلنا على المستشفى.
وصلنا المستشفى وأنا حرفيًا منهارة.
ماما كانت مش حاسة بأي حاجة حواليها.
دخلّوها أوضة العمليات.
بعد شوية، بابا وصل. كان مخضوض، أول ما شافني جري عليّا يطمني.
ما صدّقت… وارتميت في حضنه وفضلت أعيّط.
الوقت كان بيمرّ ببطء شديد، وكل ده وأنا قلبي بيتقطع على أمي.
بابا كان هيتجنن ويعرف مين اللي عمل كده، وأدهم… دموعه كانت بتتصارع عشان تنزل من عينيه.
أنا عارفة هو افتكر إيه.
افتكر يوم موت عمي ومرات عمي.
قومت من مكاني، وقعدت جنبه، وقلت بصوت واطي:
– ادعيلهم بالرحمة يا أدهم… هما في مكان أحسن من هنا.
وهنا، أدهم إدّى لنفسه الفرصة ينهار معاها.
ماكانش في المكان غيري.
فسمح لنفسه أخيرًا يتحرر من حزنه.
حاولت أهدّيه، وبالفعل بدأ يهدأ شوية.
وبعد مرور وقت، خرج الطبيب من أوضة العمليات.
ملامح الأسى كانت مفترشة وشّه.
قال بصوت هادي تقيل:
– البقاء لله… المدام شمس توفّت.
ما سمعتش أي حاجة بعد الجملة دي.
غير صوت ارتطام جسمي بأرض المستشفى، وكل حاجة من حواليا اختفت.
فتحت عيني على ضوء أبيض مسلّط في وشي.
لفّيت راسي ناحية الباب، ولمحت أدهم نايم على الكرسي.
قلت بصوت مكسور، الألم غالب عليه:
– أدهم…
فاق مفزوع، وقام بسرعة:
– إنتِ بخير يا خلود؟
– أيوة… كويسة، يا أدهم.
سكت لحظة، وبعدين قلبي بدأ يدق بعنف.
– ماما كويسة، صح؟ هو إيه اللي حصل؟ ماما في البيت، صح يا أدهم؟
ما ردّش.
صوتي بدأ يعلى وأنا ماسكة في هدومه:
– رد عليّا! ماما كويسة صح؟
ماما ما ماتتش… مش هتسبني لوحدي!
لا… ماما لسه عايشة! رد عليّا ونبي يا أدهم!
في اللحظة دي دخل الدكتور والممرضات على صوتي.
أدهم حاول يهدّيني، بس مافيش فايدة.
الدكتور قرّب مني بسرعة، وبعدها حسّيت بالحقنة.
آخر حاجة سمعتها صوته وهو بيقول لأدهم:
– جالها صدمة عصبية من اللي حصل.
عقلها لسه مش مستوعب.
الأفضل بعد ما تفوق ونطمن عليها، تروح بيت غير البيت اللي كانت قاعدة فيه…
وإنت طبعًا فاهمني يا أدهم باشا.
لما فتحت عيني تاني يوم الصبح، لقيت أدهم قاعد جمبي.
بصّيت له، وصوتي طلع فاضي من أي إحساس:
– هبدأ تدريبات من النهارده، يا أدهم… لو سمحت.
اتفاجئ، ورفض في الأول، وقال إن صحتي لسه ما تسمحش، وإنّي خارجة من المستشفى بالعافية.
بس أنا كنت مصمّمة.
بعد ما رجعنا البيت، وقفت شوية في عزاء ماما مع أهلها.
دخلت أوضتي بعدها، لبست بنطلون أسود وتيشيرت أسود، ولمّيت شعري.
خرجت له بهدوء:
– أنا جاهزة.
بابا ماكانش يعرف أنا ناوية على إيه… كان مشغول.
ركبت مع أدهم العربية، ووصلنا مكان التدريب.
كان فاضي تمامًا.
فضلت واقفة، باصة للسما، سرحانة.
وبعد شوية، أدهم جه ناحيتي.
أول تدريب… كان إزاي أدافع عن نفسي، لو حد حاول يخطفني أو يقيدني.
بدأت معاه التدريبات بجد، وطولنا محسناش بالوقت.
أنا كنت بفرغ طاقتي، وهو كمان في كيس الملاكمة اللي كان بيدربني عليه.
بعد تدريبنا الأول، حسينا بالتعب.
تلفون أدهم بيرن، وبابا رد عليه بهدوء.
بابا سأله إحنا فين، قاله: "كنا بنجيب حاجة وجايين اهو".
وبالفعل دخل غير هدومه، وأنا فردت شعري لأني مش بلمه.
ركبنا العربية وروحنا البيت.
أنا طلعت على أوضتي، من غير ما أتكلم ولا آكل من الصبح.
أول ما حطيت رأسي على المخدة، نمت من غير ما أحس.
تاني يوم الصبح، صحيت، غسلت وشي، لبست هدومي، وخرجت بره الأوضة.
لقيت بابا قاعد، رميت نفسي في حضنه.
هو قاعد يطبطب عليا ويهدّني، فقولتله بصوت خالي من أي إحساس:
– عرفت مين اللي عمل كده؟
رد عليا بتنهيدة:
– أيوة، عرفت… واحد اسمه أحمد الملكي اللي هرب من آخر عملية.
أنا أول ما سمعت الاسم اتحفر في دماغي… وحاليًا محدش يعرف أنا بفكر في إيه.
أدهم خرج، قعد معانا شوية، وبعد كده فطرنا ونزلنا عشان أكمل تدريبي.
ركبت العربية مع أدهم، وهو بدأ يسوق.
بعد شوية، تلفون أدهم رن، وظهرت على وشه معالم الصدمة…
